ultracheck
  1. ثقافة
  2. أفلام

تيلدا سوينتون: ضوء سينمائي وحضور مبني على الوعي والتفاصيل

28 نوفمبر 2025
تيلدا سوانسون
تكريم تيلدا سوينتون لإنجازاتها الفنية في مهرجان برلين السينمائي الدولي (Getty)
عبير داغر اسبر عبير داغر اسبر

جاءت المقابلة التي أجرتها مؤخرًا كريستيان أمانبور مع تيلدا سوينتون لتكشف جانبًا آخر من هذه الممثلة البريطانية التي اعتادت أن يحيط حضورها الفني غلالة من الغموض الجميل. أمانبور، التي تُعدّ واحدة من أبرز الصحافيات في العالم وأكثرهن قدرة على قراءة الشخصيات أمام كاميرتها، لا تجري حوارًا عابرًا؛ فهي صوت يعبر من خلاله عن قضايا العصر، وتخرج الحوارات عادةً من إطار الترويج إلى مساحة أعمق وأكثر كشفًا.

ليس من السهل الإحاطة بتجربة تيلدا سوينتون التي صنعت لنفسها مسارًا بعيدًا عن الشهرة التجارية ويقترب من التأمل، تظل واحدة من أكثر الوجوه حضورًا في ذاكرة السينما المعاصرة. حضورها لم يبنَ على الشهرة وحدها، بل على عمق تاريخها الفني، وشجاعتها في الأداء، وقدرتها على تحويل كل دور إلى مساحة لإعادة اختراع الذات.

في هذه المقابلة تحديدًا، بدت سوينتون كما لو أنها تعود لذاتها قبل أن تتوجه بالحكاية إلى الجمهور. جلست بجلال أمام الكاميرا، ولم تكن رغبتها الترويج لأعمال جديدة هي الدافع، بل التأمل الهادئ في سيرة تمضي بتؤدة، لكنها باشتعال آخاذ. فتحت باب الذاكرة على اتساعه، وتحدثت عن الموت والحياة الزلقة تجاهه، وذكرت أصدقاءها الذين رحلوا تباعًا في التسعينيات، والمآتم التي حضرتها حتى صار الحداد جزءًا من وعيها. تعاملت مع هذه الذكريات كحقيقة لطالما شكلت علاقتها بالمهنة، وبالنفس، وبالعالم. كانت كلماتها هادئة، لكنها محمّلة بصوت من يعرف أن الوعي لا يُهدى، بل يُنتزع انتزاعًا.

منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أنها لا تفصل بين الفن والإنسان. كل دور جسّدته كان امتدادًا لتجربة ما، وكل خطوة في مسيرتها تحمل ظلّ حياة عاشتها قبل أن تُصوَّر على الشاشة. لذلك يصعب النظر إلى حضورها الفني بعيدًا عن هذا الحس العميق بالمسؤولية؛ فالفن عندها ليس قشرة خارجية، بل ترجمة دقيقة لما تهتز له روحها.

ليس من السهل الإحاطة بتجربة تيلدا سوينتون التي صنعت لنفسها مسارًا بعيدًا عن الشهرة التجارية ويقترب من التأمل، تظل واحدة من أكثر الوجوه حضورًا في ذاكرة السينما المعاصرة

"Ongoing" : النزعة نحو الاستمرار

يكشف الكتاب عن هذا السلك الممتد بين الذاكرة والفن. ليس مذكرات بالمعنى التقليدي، ولا محاولة لترتيب إنجازاتها، بل مسعى لاكتشاف الزمن من الداخل. تكتب لتتخلّص من الرواسب، ولتضع يدها على الأسئلة التي لا تتوقف. تتأمل ما مرّ عليها بوصفه مادة حيّة، لا تاريخًا مغلقًا.

في الكتاب كما في المقابلة، تظهر فنانة تنظر إلى حياتها كمسار يتجدد، لا كسلسلة أحداث انتهت. الأشياء تستمر، تتطور، وتعود في شكل آخر. وهذا ما يفسّر ثقافتها الواسعة وتعاطيها الجاد مع الفن؛ فالفنانة التي تعتني بذاكرتها بهذا الأسلوب لا يمكن أن ترى الفن مجرد صناعة.

ثقافة تُنتج احترامًا

قليلون هم الممثلون الذين يُؤخذون بجدية خارج شاشة السينما، وسوانسون واحدة من هؤلاء، إذ يُدعم حضورها بثقافة راسخة لا بوَهج لحظي. ظلت تقرأ، تراقب، تفكر، وتنسج آراءها بعناية، دون الحاجة للاستعراض، فهي تشع كألف وجه بلا خطاب معلب. امتلكت دائمًا المسافة التي تجعل الفنان يزن كلماته قبل إطلاقها، ويعرف متى يحوّل الصمت إلى موقف، ومتى يصبح الكلام ضرورة.

اختيارات فنية خارج السياق المألوف

منذ بداياتها مع ديريك جارمان، لم تخضع سوينتون لقواعد السينما التقليدية. اختارت الأدوار التي تسمح لها بالتحرر من الهوية الصلبة، بالتحرك بين الأجناس والتكوينات، وبصناعة حضور لا يشبه أحدًا. تعاملت مع الجسد كصفحة قابلة لإعادة الكتابة، ومع الملامح كمفاتيح لا كحدود. في كل عمل جديد، كانت تبتكر لغة بصرية تصل بين الغرابة والصفاء، وتبني عالمًا يتجاور فيه الهشّ والقاسي، الواقعي والمتخيّل، الجمال البارد والعمق الإنساني.

هذه الاختيارات صنعت لها مكانة خاصة، ليس كممثلة تُشاهد فقط، بل تُقرأ وتُفكّك. يُنظر إليها كما يُنظر إلى لوحة أو نص، لأنها لا تقدّم أداءً بقدر ما تقدّم رؤية.

الوعي والانتماء للقضايا الكبرى

قد لا تكون المقابلة مع أمانبور مساحة سياسية مباشرة، لكنها تكشف شخصية يصعب فصلها عن قضايا العالم. حديثها عن الفقد، عن الصمت الذي يرافق المآسي، وعن مسؤولية الفنان أمام التاريخ، يحيل إلى موقف أخلاقي أوسع.

سوينتون لا تردد شعارات، ولا تضع نفسها في موقع الناشطة. مع ذلك، تمتلك حسًّا إنسانيًا حيًّا يجعلها تقف إلى جانب الشعوب المقهورة. دعمها السابق لفلسطين ليس استثناءً في مسيرتها، بل نتيجة طبيعية لطريقتها في النظر إلى العدالة. حين تتحدث عن القسوة التي تصنعها الدول وعن ضرورة ألا يتحول الصمت إلى تواطؤ، يتضح أن انتماءها للقضايا الإنسانية جزء من شخصيتها، لا مجرد رد فعل عابر.

تدرك أن الحرب لا تنتهي بالقصف، وأن آثارها تبقى في صورة برد قاسٍ وخيام وجوع. هذا الفهم لا يحتاج إلى إعلان صريح ليكون حقيقيًا. يكفي أن تضع نفسها في موقع الإنسان الذي يرى قبل أن يحكم، ويشعر قبل أن يصرخ.

فنانة تعتنق المعنى

لم تكن تيلدا سوينتون حالة جمالية حسّية فقط، ولا ظاهرة سينمائية مستقلة عن حضورها الطاغي كفرد صاحب آراء ومواقف، بل بدت دومًا حاملة لمشروع وجودي. تشتغل على نفسها كما تشتغل على أدوارها، وتطلب من المتفرج أن يبطئ خطواته كي يلتقط طبقات حضورها، بينما تقدّم نموذجًا للفنان الذي يحفر بهدوء ويفهم معنى الأثر.

كلمات مفتاحية
سبايدرمان

يوم جديد بالكامل: "سبايدرمان" الذي يحيا كلما نسيه العالم

في ذروة سردية حملت عنوان "يوم واحد إضافي"، عقد بيتر باركر صفقة مع شيطان يُدعى مِفيستو

أوديسيوس

أوديسة نولان: عن انتصارٍ ملحميّ للمهزومين

"الأوديسة" فيلمٌ عن الخسارة إذًا، وبالتالي عن المسؤولية الفردية، وعن القدرية وتعاليم اللوح المحفوظ

الأوديسية

أوديسة كريستوفر نولان.. بطل محطم في عالم غابت عنه الآلهة

أعاد كريستوفر نولان "الأوديسة" إلى الشاشة كقصة جندي عاد من الحرب منتصرًا في الظاهر، محطمًا من الداخل، لا مجرد مغامرة بحّار يواجه الوحوش والآلهة

ربيع وهبة
فنون

الأفلام الرمادية

منذ أن قرأته في كتاب عن الفيلسوف جيل دولوز، ظلّ السؤال يلاحقني كشبح: ما الذي منحته السينما لمن لا يشتغلون فيها؟

لبنان
رياضة

معركة محتدمة بين جمهوري السلة في لبنان ومصر: أيّ الدوريين هو الأقوى؟

اشتعلت عبر مواقع التواصل الاجتماعي معركة جانبية بين جمهوري كرة السلة في لبنان ومصر، وكل طرف أكّد أنه يمتلك دوري كرة السلة الأقوى في المنطقة، برأيك، أي البطولتين أقوى؟

غزة
مجتمع

السرطان ينهش غزة.. مرضى يموتون انتظارًا للعلاج

هناك نحو 17 ألف فلسطيني مصاب بالسرطان في غزة، من دون خيار محلي للحصول على العلاج الكيميائي أو العلاجات المتقدمة الأخرى

بوتين
سياق متصل

بعد زيارته جزر كوريل.. بوتين يتسبب بأزمة دبلوماسية مع اليابان

تعود جذور الخلاف إلى الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، عندما أعلن الاتحاد السوفييتي الحرب على اليابان في 8 آب/أغسطس 1945