تون هيرمانس.. تدفئة القلوب بالضحك

تون هيرمانس.. تدفئة القلوب بالضحك

بنينا أبراجًا جاورت القمر وحفرنا قبورنا بأيادينا

ممثل كوميدي، موسيقي، فنان، شاعر.. قليلون هم المبدعون الذين امتلكوا "المواهب المتعددة" التي تمتع الشاعر الهولندي الشهير تون هيرمانس (1916- 2000)، ابن الجنوب الهولندي الذي ولد في مدينة سيتارد، وشهد كغيره من أبناء جيله الآثار الكارثية للحرب العالمية الأولى، وعاش الفصول المأساوية للحرب الثانية. عانى وأسرته من الفقر، لكن تلك الظروف القاسية التي نشأ فيها هذا الشاعر المرهف أدت إلى خلق شخصيتن متناقضتين إلى حد ما في شخصه، فكانت شخصيته العلنية التي اشتهر بها بين الناس كـ"كوميديان" يضحك الناس من خلال عروضه الكوميدية التي كان يؤديها بمفرده أغلب الأحيان على المسرح، ثم ممثلًا نقلت عروضه على التلفزيون كان يقول: "أنا المهرج الذي يجعل قلوب الناس الباردة قلوبًا دافئة ". 

تون هيرمانس: أنا المهرج الذي يجعل قلوب الناس الباردة قلوبًا دافئة 

أما الشخصية الأقل شهرة فهي شخصية الشاعر التي تعرف عليها الناس من خلال أعماله الشعرية المرهفة والقاسية بآن معًا، في ديوانه "مستلقيًا على العشب" الذي صدر عام 1979، وهو ما سأختار منه عدد من القصائد القصيرة التي تسمى "الآية Het vers" لتقديم محاولة لترجمتها للعربية، نجد العديد من القصائد التي يتحدث فيها بكلمات مكثفة ومنتقاة بعناية عن وهم الحضارة البشرية، عندما يحتفل بيوبيله الذهبي، يلقي هيرمانس نظرة سريعة إلى عمره الذي شهد ثلاثة حروب عالمية، إحداها باردة، ويختصره بـ"آية" لا تتعدى بضعة كلمات، فسنواته الخمسون لا تتعدى كونها "أقدام الطيور على الثلج". 

في آيات تون هيرمانس لم يتقن البشر من كل العلم الذي حصلّوه إلا "بناء أبراج وصلت لعنان السماء"، "وحفر قبورهم بأيديهم"، لكنه دائمًا ما كان يصاب بالدهشة عندما يستمع إلى ـ"ترنيمة الحياة التي يتردد صداها في أعماقه"، والتي تجعل من الإنسان "روح الكون"، وبين رؤيته سعي البشر الحثيث نحو تدمير أنفسهم وتدمير الكون، لصالح نزعتهم المدمرة نحو السلطة والسيطرة.
 
الذكرى الخمسون
 
وماذا بعد أكثر من ذلك
نصف قرن؟
أقدام طيور
في الثلج.
*

مسلتقيًا على العشب

هنا أستلقي على العشب
بجوار النقر الناعم
أشعر بما كان
عندما خُلقت الأرض
...
ماذا فعلنا
بما وهِبَ لنا
بنينا أبراجًا جاورت القمر
وحفرنا قبورنا بأيادينا.
*

الشاطئ

صياح، نواح،عويل
زئير، عواء، هياج
لا عجب أن حكمة البحر
تتراجع في بعض الأحيان.

*

ترنيمة الحياة

بأعماقي تتردد ترنيمة الحياة 
بصفاء أستطيع سماعها
ولكن كلما سكبتها في كلمات
فقدت سطوتها.
 
خلال بحثي عن قصائد ترجمت للعربية لـ تون هرمانس لفتت نظري قصيدة مترجمة له عن اللغة الإنجليزية لكنها مدهشة حقًا، ففي هذه القصيدة نجد صدى لشخصية "الصوفي" التي تسكن داخل هذا الشاعر، والأهم أننا نجد فيها صدى لشعر عربي شهير ينسب للإمام علي بن أبي طالب والقائل:"
وتزعم أنك جرم صغير/ وفيك انطوى العالم الأكبر
وأنت الكتاب المبين الذي/ بأحرفه يظهر المضمر.

إليكم هذه الترجمة كما قدمتها السيدة نصيرة تختوخ عن الإنجليزية، ثم سأقدم بعدها محاولتي في ترجمة الأصل الهولندي التي أعتقد أنها الأصل الذي ترجم إلى الإنجليزية:
أنا الشّمس 
المطر 
الثلج 
أنا العالم الجديد 
الفردوس المفقود 
أنا محظوظ وغير محظوظ 
أنا الصّمتُ و الصّخَب 
أنا البَحر 
والجزيرة 
الشاعرُ والفلاح 
أنا جزء مما تبقى 
وحولي كلّ شيء 
الجزء الذي يحتوى النَفَس كله 
جزءٌ من الكلِّ 
أنا القطعة التي لا تُعوَّض 
أنا رّوحُ الكون.

أما ترجمتي عن الأصل الهولندي:
 
أنا الشمس
أنا القمر
أنا المطرْ    
أنا الذي يفوق كل وصفْ،
لا قياس لي ولا وزنْ
أنا الأنهار، البحار، البرق
أنا الرعدْ
أنا الجرم الصغير، وفي انطوى عالم أكبرْ*
أنا الماء
أنا الثمر
أنا الحبوب
أنا الحياة المولودة من كل أشكال الحياة
أنا الكُل، الجاهل والحكيم 
وفي صغري المتناهي يتربع جزء من الله الأعظم.


* الترجمة الحرفية: أنا الإنسان الصغير، ولكني المعجزة الكبرى.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أورهان باموق.. من مطبخ الكتابة

تشارلز سيميك... فوتوغرافيا الحروب