تونس.. من الترهيب إلى الإرهاب

تونس.. من الترهيب إلى الإرهاب

سيارة النائب رضا شرف الدين إثر محاولة اغتياله (الأناضول)

عندما تكون السلطة ضعيفة وتكون الدولة منهكة، تتمدد العصابات وتكوّن "مناطق" و"مصادر" نفوذ حتّى وإن كان الأمر بسحق هذه العصابة لتلك أو بانقلاب هذا الشق على ذاك وما ينتج عن ذلك من أفعال ومواقف تصل حدّ إراقة الدماء واستثمارها بأشكال مختلفة. حينها يكون الوضع سرياليّا وقد تكون سرياليّته مجرّد مقدّمة لمشهد أكثر سرياليّة، لأنّ طقوس "الالتقاء المافياوي"، بين العصابات بشتّى أنواعها، قد تنقلب بتضارب المصالح والغايات إلى طقوس احتراب وانتقام علني.

صار الإرهاب "سياسة" تعتمدها أطراف بعينها لتوجيه الرسائل وتحقيق المكاسب السياسية وشيطنة الخصوم

في خضمّ الجدل القائم عن ماهيّة الإرهاب في تونس، حدث تحوّل كبير في المواقف هذه الأيام من توجيه الاتهام حتى قبل التحقيق مباشرة إلى "كتيبة عقبة بن نافع" أو "تنظيم أنصار الشريعة" و"الترويكا الحاكمة سابقًا" إلى الحديث عن "شبكات إرهابيّة منظّمة"، كما ورد على لسان الأمين العام لحزب نداء تونس محسن مرزوق، إثر الإعلان عن "محاولة الاغتيال" الفاشلة للنائب بالبرلمان عن نداء تونس رضا شرف الدين. بينما، واصلت أطراف أخرى نهجها في تحميل المسؤولية والتبعات إلى طرف بعينه، رغم عبارة "ثمّ لاذوا بالفرار"، التي تثير الاستغراب وتزيد تحديد الجناة غموضًا.

اقرأ/ي أيضًا: شباب تونس..أذرع حزبية وإرهاب وتمرد وأكثر

معطيات جديدة هذه المرّة وسياق عام مختلف، تتكرّر فيه عمليّات حدثت في ظروف أخرى، وهو ما يحيل إلى أنّ بعض الروايات هي أقرب إلى "أفلام هيتشكوك" وليست سوى استثمارًا وتوظيفًا في الدمّ أو ذرّ رماد في العيون لتجاوز الضائقة. تشير "محاولة الاغتيال" الأخيرة وكل المعطيات المتوفرة حولها إلى أنّ الإرهاب (إذا اعتمدنا مفهوم أنّ كلّ فعل إجرامي يستهدف ترهيب مواطنين هو إرهاب)، قد صار "سياسة" تعتمدها أطراف بعينها لغايات تتراوح بين ضرب الدولة وتوجيه الرسائل وتحقيق المكاسب السياسية وشيطنة الخصوم أو القضاء عليهم و لغايات أخرى "في نفس من لاذوا بالفرار ومن يحرّكهم".

لأوّل مرّة في تونس، يتمّ الربط بين "الفساد" و"الإرهاب" في سابقة التقى فيها في المواقف الأمين العام السابق لحركة النهضة ورئيس حكومة الترويكا الأولى حمادي جبالي، الذي اعتبر أنّ "محاولات مافيا الإفساد والترهيب زج البلاد في دوامة جديدة من العنف والاغتيالات لم تتوقف"، مع أمين عام نداء تونس محسن مرزوق، الذي اعتبر أنّ "ما وقع هو إرهاب منظم وإجرامي وأنّ الإرهابي ليس فقط من له لحية".

وقال مرزوق أيضًا إنّ "الإرهاب والفساد وجهان لعملة واحدة وأنّ أي جريمة منظمة مثل هذه لا يمكن وضعها إلا في خانة الإرهاب". مضيفًا "لن ننتصر على الإرهاب إلا بالانتصار على شبكات الفساد التي تستفيد من ضعف الدولة وسيظهر المستقبل القريب الترابط بينهما".

تعليقا حمادي الجبالي ومحسن مرزوق يرجحان قراءة جديدة وتحوّلًا جذريًا، التعليقات ترجح أن من يحرّك الإرهاب في البلاد هي عصابات الفساد وهو ما كان بالأمس القريب موقفًا يتسبّب لأصحابه في الشيطنة الإعلاميّة بتهمة "تبييض الإرهاب" الذي بات معولمًا ومن صنع عصابات تضرّرت في الواقع مصالحها إمّا بفقدانها تمامًا، بسبب وجود أطراف منافسة أو بفقدان جزء منها.

وهكذا عدنا مجدّدًا إلى المربّع الأوّل ومفاده أنّ الهدف من العمليات الغادرة، هو أوّلًا وأخيرًا إحداث "توازنات رعب" بين كليشيّات لها حتمًا لوبيّاتها وواجهاتها ماليًا وسياسيًا وحتّى أمنيًا ولها ارتباطات قد تتجاوز الحدود. وهي في الواقع قد ترحل بمكسب الحريّة الوحيد الذي غنمه التونسيّون وبات مهدّدًا في كلّ حين بقانون طوارئ وقانون مكافحة إرهاب ارتبطا في مخيّلة التونسيين بـ"دولة البوليس"، التي حكم من خلالها المخلوع زين العابدين بن علي البلاد بالحديد والنار.

لأوّل مرّة في تونس، يتمّ الربط بين "الفساد" و"الإرهاب" في تصريحات السياسيين إثر محاول اغتيال شرف الدين

في الواقع وبالعودة إلى الظرف والسياق العام الذي تمرّ به تونس، هناك أكثر من دليل متوفّر على علاقة ترابط بين عدّة معطيات ومتغيّرات إذ بدا جليًا أن صراعًا بين مكوّنات جبهة الإنقاذ التي تكوّنت ضدّ الترويكا سابقًا عاد إلى المشهد بقوّة وهي التي حقّقت مغانم سياسيّة كبيرة بفضل ضعف الترويكا الحاكمة حينها وتساهلها وفشل السياسات الأمنيّة وبفضل العمليات الإرهابيّة ومنها عمليّتي الاغتيال السياسيتين السابقتين لكلّ من زعيم الوطنيين الديمقراطيين الموحد شكري بلعيد وعضو المجلس الوطني التأسيسي محمد البراهمي.

ومن أبرز ملامح الخلاف والتصدّع ما صدر عن الإعلامي معز بن غربيّة من تهديد مباشر لأطراف سياسيّة قال إنها متورّطة في عمليّات الاغتيال السياسي في البلاد واتّهمهم بالفساد، ليلي ذلك في ظرف وجيز استقالة الوزير لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع مجلس نواب الشعب لزهر العكرمي مؤكّدًا أن الفساد الذي استشرى في الدولة هو السبب وتنتهي الأحداث عند محاولة الاغتيال التي تشير صور مكان الحادث إلى أنّها كانت أقرب إلى عمليّة "ترهيب" أو "توجيه رسالة".

لا يمكن الجزم بوجود علاقة مباشرة بين الأحداث الأخيرة ولا يمكن الجزم بعكس ذلك غير أنّ الثابت اليوم أنّ سيناريو أحداث صقليّة في ستّينيات القرن الماضي أو ما حدث في عهد الباي الكبير المؤسس لسلالة الحسينيين حسين بن علي يتبادران إلى الأذهان فالعصابات واللوبيّات عندما تتصارع على مصالحها الضيقة تقحم فئات واسعة من المواطنين في احترابها ليدفعوا الثمن دائمًا، وهذا ما كان التونسيّون ولا يزالون يتحدّثون عنه حتّى في تفاصيله الدقيقة في جلساتهم المضيّقة ولا يجرؤون على البوح به.

مع التسليم الواقع بـ"إرهاب العصابات المنظّم"، انتهت تونس بعد نحو ثلاث سنوات من "الترهيب المنظّم" الذي مارسته أطراف سياسيّة ومدنيّة وإعلاميّة إلى أنّ "العصابات" قد وزّعت الأدوار لتجعل لنفسها أغطية متنوّعة ولتبني على آثار ما تبقّى من دولة دمّرها الفساد، أبراجًا لفاسدين ومجرمين تحت عناوين عدّة لعلّ أهمّها "الإرهاب"، إذ بات توقيت تحرّك العصابات معلومًا لإجبار الثورة وروادها على التراجع عن دخول "أوكار" من لا يرون غير وجودهم حتّى على رقاب الآخرين و دمائهم.

اقرأ/ي أيضًا: تونس.. العدالة بوصفها سؤال الثورة