تونس.. رؤية في قانون المصالحة

تونس.. رؤية في قانون المصالحة

تفريق متظاهرين في شارع الحبيب بورقيبة 3 أيلول/ سبتمبر (Getty)

منذ طرحه على مجلس النواب، لا يزال مشروع قانون المصالحة الذي تقدمت به رئاسة الجمهورية مثارًا للتجاذبات والخلافات داخل النخبة السياسية والمجتمع المدني في تونس. بل إنّ المتابع للشأن التونسي يلحظ تصاعد زخم الرفض السياسي والشعبي لهذا المشروع، بما ينذر بأزمة سياسية بدأت بوادرها بالتشكلّ، خاصة في ظلّ إصرار رئاسة الجمهورية على عدم سحب هذا المشروع.

يشددّ رافضو مشروع قانون المصالحة على أنّ هذا القانون جاء ليضرب أسس العدالة الانتقالية

وتكشف صور تفريق الوقفات الاحتجاجية للشباب المتزعّم لحملة "مانيش مسامح"، والتعامل الأمني المفرط معها، وجود هوة حقيقية بين جزء من المجتمع المدني والسلطة التي تشددّ على عدم  قانونية التظاهر في حالة الطوارئ، بينما يصرّ الشباب المنظم لحملة "مانيش مسامح" على حقه في التظاهر والاحتجاج على مشروع "قانون المصالحة"، باعتبار عدم دستوريته وضربه للعدالة الانتقالية ولمبدأ المساواة التي يكفلها الدستور، ومساهمته في توفير غطاء قانوني يعفو عن جرائم عدد من رجال الأعمال نهبوا المال العام، وأضرّوا بمصالح الدولة. كما يشمل مشروع القانون العفو عن بعض الأمنيين ممن تورطوا في التعذيب والانتهاكات الجسدية، وكذلك بعض الإدارييّن الذين ساهموا في توفير حلول قانونية للفساد.

يشددّ رافضو مشروع قانون المصالحة الذي تقدمت به رئاسة الجمهورية، على أنّ هذا القانون جاء ليضرب أسس العدالة الانتقالية بما يمسّ من استكمال مسار الانتقال الديمقراطي، باعتبار أنّ هذا القانون المسقط يفرغ العدالة الانتقالية من جوهرها القائم أساسًا على مبدأ المحاسبة والمصالحة. ويستشهد معارضو قانون المصالحة بمعظم تجارب الدول التي شهدت ثورات وانتقالًا ديمقراطيًا، والتي كانت العدالة الانتقالية دعامة أساسية في تحقيق مصالحة حقيقية بين الجلّاد والضحية، من خلال عمل جبّار اضطلعت به هيئات دستورية مكنّت من طيّ صفحة الماضي، وتجاوز الآثار النفسية والاجتماعية لعقود من الديكتاتورية.

ورغم اختلاف العديد مع رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، السيّدة سهام بن سدرين، فإنّ معظم الحقوقيين ونشطاء المجتمع المدني، وعدد من رؤساء الأحزاب السياسية، يرون أنّ الحملة على رئيسة الهيئة في ظلّ مطالبة عدد من البرلمانيين بالتحقيق في شبهات فساد وسوء تصرف داخل الهيئة، هي في الحقيقة استهداف لمسار العدالة الانتقالية، خاصة في ظلّ الرفض القويّ لمجلس الهيئة لمشروع قانون المصالحة الذي قدمته رئاسة الجمهورية، معتبرين أّنه يجب التمييز بين الأشخاص والهيئة التي يجب أن تبقى فوق الجميع.

ولم تنفع محاولات الرئاسة في الدفاع عن هذا المشروع، وكذلك الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي، في التخفيف من حدة معارضته التي تجاوزت الحراك الشبابي الحرّ، لتشمل معظم الأحزاب المعارضة التي اتفق جزء منها على تنظيم وقفة احتجاجية يوم 12 أيلول/سبتمبر، في تحدّ لقرار الحكومة بمنع التظاهر والمسيرات تحت غطاء قانون الطوارئ. ورغم فشل المعارضة في توحيد تحركها بإعلان الجبهة الشعبية عدم مشاركتها في هذه المسيرة، فإنّ هذا المشروع المقدم من رئاسة الجمهوريةّ قد نجح في توحيد المعارضة ومكوّنات المجتمع المدني وجزء من شباب الثورة ضده.

الهدف من المصالحة الوطنية هو الحرص على عدم تكرار مثل تلك الانتهاكات في مجتمع قرّر الثورة على الاستبداد 

وقد زادت تصريحات بعض القيادات من الاتحاد العام التونسي للشغل، الرافضة لتمرير هذا المشروع في نسخته الحالية، من حدّة الرفض الشعبي له، خاصة أنّ موقف الاتحاد قد أعطى زخمًا سياسيًا لهذا الرفض، نظرًا للمكانة التي تضطلع بها هذه المنظّمة العريقة في نفوس التونسيين، ولقيمتها الاعتبارية ما يجعل معظم المراقبين ينتظرون باهتمام تطورات جبهة الرفض لهذا المشروع، وردود الرئاسة المرتقبة والتي يبدو أنّها لم تستوعب للأسف مفصليّة العدالة الانتقالية، في مسار استكمال تونس لمسار انتقالها الديمقراطي، سيما أنّ ملف انتهاكات الديكتاتورية وتجاوزاتها الجسدية والمعنوية لا تحلّ بجرّة قلم أو بقانون اشتغل عليه بعض القانونيين في الدائرة القانونية الضيّقة لرئاسة الجمهورية، في انفصال تام عن عقود سوداء من تاريخنا المظلم ذاق فيها الآلاف من اليوسفيين واليساريين والقوميين والإسلاميين ويلات التعذيب والقهر والتشريد والقتل، لن تمّح من ذاكرة الضحايا والعائلات والجلادين، إلاّ بمصالحة حقيقية بين الضحية وجلادها، تطوي عذابات الماضي وتحررّ الجميع من ذكريات أليمة تكبلّ الالتفات نحو المستقبل والتعالي على الآلام وجروح الماضي.

والهدف من تحقيق هذه المصالحة هو أساسًا الحرص على عدم تكرار مثل تلك الانتهاكات في مجتمع قرّر الثورة على الاستبداد ورفع راية الحريّة والكرامة. إنّها حركة يتصالح فيها المجتمع مع ذاته، مصالحة بين الخير والشرّ قصد التجاوز، في الطريق نحو مستقبل أفضل، يتخلّص فيه المجتمع من أدران عقود من القمع. وذلك من خلال إعادة ترميم ذاكرتنا المرهقة بعبء سنيين من الظلم والقهر والتعذيب، والعمل على تجاوزها، عبر تحررّ الجلاد والضحية من عذابات جروحهما، ودون ذلك يصعب على أيّ مجتمع عاش حقب الديكتاتورية أن يؤسّس لمسقبل مشرق.

إنّ الرفض الذي أثاره مشروع المصالحة يكشف كذلك أنّ بعض القرارات والمشاريع المفصليّة، لا يمكن أن تدار بعقلية أغلبية فائزة وأقلية معارضة، ذلك أنّ المشهد التونسي ما زال لم يتخطّ كليًا مرحلة الانتقال الديمقراطي، خاصة في قضايا مصيرية تهمّ التونسيين كافة مثل قضية العدالة الانتقالية، التي تتجاوز مجرد العفو عن بعض رجال الأعمال، وإبرام صلح معهم، إلى تحقيق مصالحة فعلية تطويّ صفحات قاتمة ومظلمة من تاريخنا المعاصر بين الجلاد وضحيته، مصالحة تقوم على محاسبة من أخطا وأجرم ونهب، ليس للتشفي والانتقام وإنمّا للقطع مع تلك الانتهاكات وعدم تكرارها، ولايكون ذلك إلإّ بعدالة انتقالية حقيقية نابعة من متطلبات المجتمع وتطلّعاته، وليس من مشروع قانون مسقط من السلطة.