تونس.. جيلٌ على حافة الحلم بين الثورة والمنفى
29 يوليو 2026
تعود تونس إلى الواجهة ليس بوصفها مهد "الربيع العربي" فحسب، بل كمساحة تتكثّف فيها تناقضات جيلٍ وُلد على وعد التغيير، ثم وجد نفسه عالقًا بين ارتباك السياسة وضيق الاقتصاد. فبعد أكثر من عقد على سقوط نظام زين العابدين بن علي في كانون الأول/ديسمبر 2010، تبدو البلاد في عيون شبابها كأنها تعيش زمنًا مؤجلًا، حيث الحلم قائم، لكن الطريق إليه يتلاشى تدريجيًا.
يقدّم المصوّر التونسي زياد بن رمضان قراءة بصرية وإنسانية لهذه المرحلة من خلال مشروعٍ يوثّق تحوّلات المجتمع منذ الثورة، ويعكس شعورًا عميقًا بالقلق واللايقين يخيّم على جيلٍ لم يعرف الاستقرار.
وفي تقرير نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية تحت عنوان "تونس، بلد الأحلام المتعثّرة: أردتُ تصوير الشباب الذين بدأوا حياتهم مع الثورة" بقلم الصحفي غيوم دولالكروا، يوضح بن رمضان رؤيته، قائلًا: "أردتُ تصوير الشباب الذين بدأوا حياتهم مع الثورة"، في إشارة إلى جيلٍ دخل سنّ الوعي في لحظة تاريخية مفصلية، لكنه لم يجنِ ثمارها.
جيل الثورة… بداية بلا نهاية
يصف بن رمضان هذا الجيل بأنه نشأ وسط فوضى سياسية مستمرة، حيث تعاقبت الحكومات بسرعة، وغابت الاستمرارية في السياسات العامة، فيما ظلّ الاقتصاد عاجزًا عن توفير فرص حقيقية. ويؤكد أن هؤلاء الشباب "لم يروا سوى سنوات من الارتباك، وحكومات لا تدوم، وعجزٍ عن تخيّل المستقبل".
يقدّم المصوّر التونسي زياد بن رمضان قراءة بصرية وإنسانية لهذه المرحلة من خلال مشروعٍ يوثّق تحوّلات المجتمع منذ الثورة، ويعكس شعورًا عميقًا بالقلق واللايقين يخيّم على جيلٍ لم يعرف الاستقرار
هذا الواقع جعل الثورة، التي كانت لحظة أمل جماعي، تتحول في وعي الكثيرين إلى بداية طريقٍ غير مكتمل، حيث لم تُترجم الشعارات إلى تحسّن ملموس في الحياة اليومية. ومع مرور الوقت، بدأ الإحباط يتسلل إلى جيلٍ كان يُفترض أن يكون أكثر الأجيال استفادة من التغيير.
البحر… مرآة القلق وبوابة الرحيل
في صور الساحل المتوسطي، التي تشكّل جزءًا أساسيًا من مشروعه، يرصد بن رمضان مفارقة لافتة: طبيعة خلابة، شمس ساطعة، ومياه زرقاء ممتدة، لكنها لا تعكس راحةً داخلية، بل توتّرًا صامتًا. فالشباب الذين يقفون على هذه الشواطئ لا ينظرون إلى البحر كفضاء للمتعة، بل كأفقٍ للهروب.
بعض هؤلاء، كما يذكر التقرير، غادروا بالفعل إلى أوروبا أو كندا، بحثًا عن حياة أكثر استقرارًا. الهجرة هنا ليست خيارًا طارئًا، بل نتيجة تراكمية لسنوات من الإحباط، حيث يتحول الرحيل إلى الحلم الوحيد الممكن.
لغة الأبيض والأسود.. عمق إنساني
اختيار التصوير بالأبيض والأسود لم يكن مجرد قرار جمالي، بل خيارًا سرديًا واعيًا. يقول بن رمضان: "عندما أزيل الألوان، تصبح الصورة أقل ازدحامًا وأكثر وضوحًا في نقل الفكرة". بهذا الأسلوب، تتحول الوجوه إلى نصوص مفتوحة، تحمل في تفاصيلها الحيرة والتعب والأسئلة المؤجلة.
الضوء القاسي، الذي يفرضه المناخ المتوسطي، يعزّز هذا الإحساس، حيث تتباين الظلال بشكل حاد، وكأنها تعكس التناقض بين الواقع الخارجي الجميل والحالة النفسية الداخلية المضطربة.
أرقام تكشف عمق المأزق
لا تقتصر الصورة على الانطباعات الفنية، بل تدعمها معطيات رقمية مقلقة. فوفقًا للبنك الدولي، يشكّل من هم دون 34 عامًا نحو 50% من سكان تونس، بينما يقترب معدل البطالة لدى الشباب دون 24 عامًا من 40%. هذه الأرقام لا تعني فقط أزمة اقتصادية، بل تعكس انسدادًا في الأفق الاجتماعي.
في ظل هذه الظروف، يصبح من الصعب على الشباب بناء مسار مهني أو تخطيط حياة مستقرة، ما يفسر تصاعد الإحساس بالعجز والرغبة في المغادرة.
حوار عبر الزمن… المتوسط بين صورتين
في معرضه المقام في باريس داخل "غاليري ماغنوم"، لا يكتفي المصوّر التونسي زياد بن رمضان باستحضار أعمال المصور الألماني هربرت ليست (1903–1975)، بل ينسج معها حوارًا بصريًا يتجاوز الزمن، حيث يستعيد من خلالها لحظة متوسطية كانت تبدو ساكنة ومكتفية بذاتها قبل أن تعصف بها تحولات الحرب.
تُظهر صور ليست، التي التُقطت في ثلاثينيات القرن الماضي على سواحل البحر الأبيض المتوسط، عالمًا مشبعًا بالضوء والهدوء، حيث تتداخل الأجساد البشرية مع عناصر الطبيعة والعمارة في تكوينات أقرب إلى اللوحات الكلاسيكية. هذا الحس الجمالي، الذي يركّز على الصفاء والانسجام، يقف على النقيض من القلق الذي يطبع أعمال بن رمضان اليوم.
ويُعدّ ليست من أبرز المصورين الذين سعوا إلى تجريد الواقع من سياقه السياسي المباشر. غادر ألمانيا بسبب القيود المفروضة على الفن خلال الحكم النازي، ليواصل عمله في الخارج، قبل أن ينضم لاحقًا إلى وكالة "ماغنوم فوتوز" الشهيرة، حيث عزّز مكانته كمصوّر عالمي، عبر التركيز على الجماليات الخالصة في وقت كانت فيه أوروبا تقترب من حافة الحرب العالمية الثانية. غير أن هذا "الهروب الجمالي" لم يكن غيابًا عن الواقع بقدر ما كان محاولة لتثبيت لحظة إنسانية عابرة قبل انهيارها.
لا يقدّم بن رمضان عمله كتوثيق محايد، بل كقراءة نقدية للواقع. فهو لا يستعيد الماضي بوصفه زمنًا أفضل، بل يكشف عن حاضرٍ مأزوم، ويطرح أسئلة حول المستقبل
في المقابل، يأتي عمل بن رمضان كمرآة معاصرة لهذا الإرث، حيث يستعيد مفردات الضوء والجسد، لكن ضمن سياق مشحون بالهشاشة واللايقين، ما يجعل هذا الحوار بين المصورين مواجهة بين زمنين: زمن الصفاء المهدّد، وزمن القلق المستمر.
أما اليوم، فالمشهد نفسه يحمل دلالة مختلفة؛ البحر ذاته، الشمس ذاتها، لكن المعنى تغيّر. لم يعد الفضاء مفتوحًا على المتعة، بل على القلق والبحث عن مخرج. هذا التوازي الزمني يكشف كيف يمكن للمكان نفسه أن يتحول من رمز للحياة إلى رمز للتيه.
الفن كوثيقة… لا كحنين
لا يقدّم بن رمضان عمله كتوثيق محايد، بل كقراءة نقدية للواقع. فهو لا يستعيد الماضي بوصفه زمنًا أفضل، بل يكشف عن حاضرٍ مأزوم، ويطرح أسئلة حول المستقبل. في هذا السياق، تتحول الصورة إلى أداة فهم، لا مجرد وسيلة عرض.
مشروعه يندرج ضمن مسارٍ بدأه منذ أكثر من 15 عامًا، حيث عمل على توثيق التفاوتات الاجتماعية والسياسية بين المناطق الداخلية والساحلية في تونس، ما يمنحه عمقًا إضافيًا يتجاوز اللحظة الراهنة.
من الثورة إلى "عصر الصمت"
يختتم بن رمضان مشروعه بنص شعري يقول فيه:
"بعد الخيبات، بعد الحضارات وأعمدة الرخام، ندخل عصر الصمت".
هذه العبارة تختصر حالة جيل لم يفقد القدرة على الحلم، لكنه لم يعد يملك الوسائل لتحقيقه. جيلٌ يقف بين ذاكرة الثورة وواقعٍ يضغط عليه، فينتقل من الضجيج إلى الصمت، ومن الأمل إلى التأمل.









