26-نوفمبر-2015

تونس تلملم جراحها(ياسين القايدي/الأناضول)

استفاقت تونس بعد حادثة تفجير حافلة الأمن الرئاسي، مساء الثلاثاء الرابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر الحالي، ولملمت جراحها. استعاد التونسيون نمط حياتهم اليومي بسرعة، لم تغلق المدارس ولو يومًا واحدًا، تواصلت عروض أيام قرطاج السينمائية في مختلف القاعات مع تحديد ساعات العرض بشكل لا يتعارض مع حظر التجوال الليلي وتوافد التونسيون على موقع الحادثة حاملين ورودًا وداعين للتحدي والأمل.

قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي

أكد رئيس الحكومة التونسي ضرورة التزام المواطنين باحترام حالة الطوارئ وحظر التجوال وقواعدهما

رسميًا، تلى اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي، بقصر قرطاج، والذي تواصل تقريبًا طيلة يوم الخامس والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر، عديد القرارات ومن أبرزها التأكيد على تفعيل قانون الإرهاب في أسرع وقت وتفعيل الصندوق الوطني لمقاومة الإرهاب، دعمًا لإمكانيات قوات الأمن. كما تم إقرار إجراءات أخرى، في محاولة لتدعيم المراقبة الأمنية داخل التراب التونسي وعلى حدوده، من خلال تكليف وزير الداخلية والولاة بالمراقبة الإدارية لكل من له "شبهة الإرهاب"، وتكثيف عمليات حجب المواقع التي لها صلة بالإرهاب، واتخاذ قرارات تتعلق بتحيين وضعية المقيمين الأجانب، وغلق الحدود البرية مع ليبيا لمدة خمسة عشر يومًا مع تشديد المراقبة على الحدود البحرية والمطارات.

اقرأ/ي أيضًا: تونس.. هجوم إرهابي مختلف ورسائل خطرة

وجاء في تصريح رئيس الحكومة التونسي، الحبيب الصيد، بعد الاجتماع، أنه سيتم إحداث ثلاثة آلاف انتداب جديد صلب وزارة الداخلية وثلاثة آلاف انتداب في الجيش الوطني لسنة 2016، واتخاذ إجراءات عاجلة في حق العائدين من بؤر التوتّر وإقرار برنامج خاص لتشغيل الشباب في المناطق الحدودية والجبلية، القريبة من تمركز الإرهابيين.

والتزم المجلس الأعلى للأمن القومي بالقرارات السابقة التي أعلنها رئيس البلاد، الباجي قائد السبسي، ليلة التفجير، وهي إعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يومًا مع "التأكيد على تطبيقها بحذافيرها"، كما ورد في تصريحات مختلف المسؤولين، وتم تمديد حظر التجوال الليلي بالنسبة للعاصمة التونسية والمدن المجاورة لها.

وأقر الصيد، خلال كلمته، بخطر العملية الإرهابية الأخيرة، واعتبرها "الأخطر مقارنة بالعمليات السابقة" وأطلق عليها صفة "النوعية"، وجاء ذلك في إطار تأكيده ضرورة التزام المواطنين باحترام حالة الطوارئ وحظر التجوال وقواعدهما وضرورة إسراع السلطات القضائية في البت في قضايا المتهمين في الإرهاب. وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت قيامها بمائة وواحد وثمانين مداهمة وإيقافها ثمانية عشر شخصًا يشتبه في انتمائهم إلى تنظيمات إرهابية، خلال الليلة الفاصلة بين الرابع والعشرين والخامس والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري.

قراءة في القرارات

معظم قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي، قرارات آنية هدفها طمأنة الشارع التونسي وامتصاص غضبه وترويج إحساس بالأمن والثقة في مؤسسات الدولة

يؤكد المتابعون للمشهد التونسي، أن معظم قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي، قرارات آنية وهي الإمكانات المتوفرة لدى السلطات، هدفها أساسًا، وهذا المطلوب حسب البعض الآن، طمأنة الشارع التونسي وامتصاص غضبه وترويج إحساس بالأمن وبالثقة في مؤسسات الدولة وجاهزيتها لمقاومة الإرهاب. ويرى الكثيرون أنها قد تكون ناجعة على المستوى الراهن لكن ظاهرة الإرهاب، إجمالًا، تتطلب استراتيجية شاملة وبعيدة المدى وتخطيطًا محكمًا، قد يتجاوز إمكانيات البلد المتوفرة لديه الآن.

في الأثناء، تتواصل بعض الرسائل السلبية والتي تثير قلق جزء من الشعب ومن أهمها تواصل الخلافات صلب الحزب الذي يقود الائتلاف الحاكم في تونس، حركة نداء تونس، والذي عجز عن تجاوز خلافاته ولو شكليًا خلال هذه المرحلة وأصدر بلاغين لإدانة العملية الإرهابية، أحدهما للأمين العام للحزب محسن مرزوق والثاني لنائب رئيس الحزب ونجل رئيس البلاد حافظ قائد السبسي.

معظم قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي رافقها جدل حول آليات التطبيق والمنهج الذي سيتم اتباعه وهل سيمس ذلك من الحريات المتوفرة في البلد، بعد الثورة. فالقرارات تمكن قوات الداخلية والجيش في تونس من صلاحيات واسعة. كما أكد المسؤولون، خلال تصريحاتهم المتواترة إثر التفجير الإرهابي، على التزام الصرامة في التطبيق.

بعثت إذًا هذه القرارات رسائل طمأنة لكنها حيّرت البعض حول إمكانية تقويض الحريات مقابل توفير الأمن خلال الفترة القادمة في تونس، وهذا ما اضطر منظمات حقوقية معروفة في المشهد التونسي، ومنها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ومركز تونس لحرية الصحافة، إلى إصدار بيان يؤكد أنه "لا يمكن القضاء على الإرهاب دون احترام الحريات". وحذرت المنظمات من "خطورة تمادي العديد من وسائل الإعلام في تقديم خطاب يعادي حق الشعب التونسي في العيش في ظل دولة مدنية وديمقراطية، ويستهدف المدافعين عن حقوق الإنسان ويرفض المبادئ الديمقراطية ويروج لمغالطات عديدة".

وراجت خلال اليومين الماضيين، في عدد من القنوات التلفزيونية التونسية دعوات إلى التضييق على الحريات الأساسية واعتبار ذلك مفتاح الانتصار على الإرهاب. كما تعرض بعض الصحفيين خلال تغطيتهم الميدانية لاعتداءات متكررة من قبل قوات الأمن.

تساءل عديد المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي حول عدد من القرارات، التي اعتبروا أن طرحها جاء متأخرًا كقرار "تفعيل صندوق مقاومة الإرهاب"، خاصة وقد تم إقرار هذا الصندوق منذ سنتين ولا يُفهم السبب خلف تأخر تفعيله. كما بدت بعض القرارات ضبابية مثيرة للحيرة كقرار "تكثيف عمليات حجب المواقع ذات الصلة بالإرهاب" وأسباب عدم غلقها منذ فترة خاصة والبلد يواجه منذ فترة وبشكل متواتر عديد العمليات الإرهابية. وطالب البعض بتمكينهم من قائمة بهذه المواقع، في إطار حق النفاذ إلى المعلومة للمواطن التونسي والذي يكفله الدستور. 

معظم قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي رافقها جدل حول آليات التطبيق وهل سيمس ذلك من الحريات المتوفرة في تونس

في المقابل، كانت بعض القرارات أكثر وضوحًا كقرار غلق الحدود البرية مع ليبيا فالمادة المكونة للحزام الناسف الذي اعتمده الإرهابي في حادثة تفجير حافلة الأمن الرئاسي، هي مادة "سام تاكس" وهي مادة متفجرة تم تهريبها حسب بلاغ الداخلية التونسية من التراب الليبي. وتتوفر هذه المادة بكثرة في ليبيا وكان القذافي قد اقتنى كميات كبيرة منها خلال ثمانينيات القرن الماضي. لكن يتوقع أن يحدث هذا القرار إشكالات كبيرة مع الجانب الليبي لكثرة حركة التنقل على مستوى المعابر البرية بين تونس وليبيا.

تنظيم الدولة يتبنى التفجير وغموض يكتنف ملابساته

من خلال بيان له على الإنترنت، أعلن تنظيم الدولة تبنيه لعملية تفجير حافلة الأمن الرئاسي في تونس، أما بالنسبة لتفاصيل العملية فلا يزال بعضها غائبًا. في اليوم التالي للحادثة، أعلنت وزارة الداخلية أنه تبين أن "المادة المتفجرة التي استعملت في العملية الإرهابية هي مادة "سام تاكس" وهي نفسها التي تم استعمالها بالنسبة لبعض الأحزمة الناسفة التي وقع حجزها سنة 2014 والتي كانت مهربة من التراب الليبي". وأكدت إذًا أن العملية قد تمت بواسطة حزام ناسف.

وتم العثور على جثة لم يتم تحديد هويتها ويشتبه في أن تكون للانتحاري الذي قام بالعملية. وأكّد منصف حمدون، رئيس قسم الطب الشرعي، لوسائل إعلام محلية أنه "تعذر على قسم التشريح تحديد هوية الجثة مبدئيًا، مما استوجب إجراء التحاليل الجينية التي تتطلب بعض الوقت للتعرف على نتائجها النهائية".

وصرح رئيس الحكومة التونسي الحبيب الصيد أن "الانفجار أثّر أساسًا على الجزء الأمامي من الحافلة" وهو ما قد يفسر بالتفطن للانتحاري منذ صعوده من باب الحافلة الأمامي. ووعد الصيد بتقديم ملابسات العملية ومنفذها خلال الأيام القادمة. يذكر أن العملية الإرهابية، أدت إلى سقوط اثني عشر أمنيًا وجرح أربعة وعشرين آخرين من بينهم أربعة مدنيين، كحصيلة نهائية إلى حد الآن.

اقرأ/ي أيضًا: 

لن نسقط..

تونس.. تعذيب يتذرع بالإرهاب