توقيف مغنّي الراب جعفر الطفّار يشعل جدل الحريات في لبنان
12 مارس 2026
تفاجأ الرأي العام في لبنان مع انتشار أخبار حول قيام مخابرات الجيش اللبناني بتوقيف مغنّي الراب المعروف "جعفر الطفّار"، بسبب مقطع فيديو نشره على صفحته عبر تطبيق "فيسبوك" و"إكس"، هاجم من خلاله رئيس الجمهورية "جوزاف عون" ورئيس الحكومة "نواف سلام".
ماذا حصل مع الطفّار؟
وفيما لم تعلن أي جهة أمنية بشكل رسمي عن توقيف "الطفار"، أشار المقربون منه إلى أنهم فقدوا الاتصال به منذ الثلاثاء، بعدما خضع للتحقيق أمام مخابرات الجيش، وحتى الساعة لا تعرف عائلته مصيره، مع العلم أن "الطفّار" كان قد نزح من مكان إقامته بسبب الحرب ولجأ إلى منطقة قرب صيدا.
فوجئ الرأي العام في لبنان مع انتشار أخبار حول قيام مخابرات الجيش اللبناني بتوقيف مغنّي الراب المعروف "جعفر الطفّار"، فما القصة؟
وقد اتّهم "الطفار" في الفيديو الذي نشره كلّ من عون وسلام بالانصياع للأوامر الأميركية والإسرائيلية، وانتقد توجيه الحكومة أوامر للجيش اللبناني بتوقيف مقاتلي حزب الله وتجريدهم من سلاحهم ومنعهم من الانتقال إلى الجبهات جنوبي لبنان.
ردود فعل غاضبة بسبب توقيف الطفّار
بالرغم من أن الفيديو المذكور تضمّن ألفاظًا نابيةً ولغة قاسية ضد الرئاستين الأولى والثالثة، إلا أن الناشطين في لبنان رفضوا ما اعتبروه سياسة كمّ الأفواه وتوقيف الناشطين بسبب ما يقولونه، خاصةً في ظل الظرف الدقيق الذي تمر به البلاد.
الناشط وخبير الحريات الرقمية "محمد نجم" ميّز عبر حسابه على فيسبوك بين ما يقوم به علي برو، مراسل تلفزيون المنار السابق الذي اعتقل قبل أيام بسبب مقاطع فيديو متكررة له وُصفت بالتحريضية، ورامي نعيم نائب رئيس تحرير جريدة بناء الوطن وصاحب المواقف التي يعتبرها المراقبون مثيرةً للفتنة، وبين ما وصفه "نجم" بدندنة جعفر الطفار في فيديو لاذع هو في صلب حرية التعبير، حتى وإن تضمًن بعض السباب، فهو في النهاية مغنّي راب.
بدوره استنكر الناشط خضر أنور أن يكون "الطفار" موقوفًا بسبب أغنية أو زجل، وأن تنزعج السلطة من مجرد كلمات، مشيرًا إلى وجود أكثر من مليون جعفر الطفار اليوم يشتمون الحكومة وأجهزتها الأمنية.
وضمن السياق نفسه كتب الناشط فاروق مغربي:" ما قام به جعفر الطفار يندرج ضمن إطار رأي ونقد سياسي بطريقة شعرية (أتفق معه أو كلا هذا أمر آخر) موجّه ضد الحكومة وهو حقّ مكفول دستوريًا ودوليًا.
فمعاملته كعلي برّو وكما يجب أن تتم معاملة آخرين من الفريق الآخر أيضًا يحرّضون ويفتعلون الفتن الطائفية هو ظلم كبير.
التفريق بين حرية التعبير والتحريض أمر لا بدّ منه في كل قضية لا لمبدأ لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
كما كان هناك تعليق لافت لمروان الطفار، مغني الراب المعروف وابن عم جعفر الطفار، حيث قال: " في إطار سياسة كمّ الأفواه التي تنتهجها الدولة البوليسية في لبنان، تمّ أمس توقيف جعفر الطفّار على خلفية فيديو يتضمن قصيدة لم تنطق إلا بالحقّ.
إن توقيف جعفر لا يمكن فصله عن حالة الارتهان التي تعيشها الدولة، ولا عن استجابتها لمطالب كتّاب بلاطها الذين وقّعوا عريضة دعوا فيها، حرفيًا، القضاء إلى مواجهة والتصدّي لكل من يتجرأ على انتقاد رئيس حكومتهم نوّاف سلام.
هؤلاء الذين لطالما حذّرناهم من مغبّة انتقالهم من ساحات النضال ضدّ القمع إلى ساحات التطبيل له، ومن التحوّل إلى كتّاب في بلاط دولتهم.
لا شيء أهمّ اليوم من خروج جعفر سالمًا من مكان احتجازه، حرًّا ليقول ويغنّي ما يشاء، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع ما يراه ويقوله.
والعار لدولةٍ أفرزتها الإبادة، ولم تجد ما تستقوي به إلا على شعبها."
وللإحاطة أكثر بالموضوع كان لـ"الترا صوت" اتصال مع الناشط شربل الخوري، فأشار إلى أن توقيف الطفّار جاء بعدما وصله اتصال من مخابرات الجيش، استدعوه إلى تحقيق بسبب ركن سيارة، وكان هذا كمينًا للقبض عليه، بعد ذلك أرسلوا مقطع الفيديو لوالده وقالوا له: "ابنك يقول هذا".
ويقول الخوري إن الفيديو هو بيت عتابا، لم يسمِّ أيّ من الرئيسين عون أو سلام بالاسم، كما أن الراب بالنهاية هو فن يقوم على كسر التقاليد ولا يخلو من السباب والشتائم، وهذا الأمر يحصل في جميع الديموقراطيات في العالم، لكن السلطة في لبنان لديها مشكلة في فهم الحريات.
وأشار الخوري إلى أن ظاهرة توقيف الأشخاص بسبب آرائهم تكررت عدة مرات خلال العهد الحالي (أي عهد الرئيس عون)، في وقت يرفض الخوري تشبيه حالة جعفر الطفار بحالة علي برو، فالأخير هو بوق في آلة تحريض منظمة، ومقاطع الفيديو التي ينشرها لا تخلو من الطائفية والعنصرية وكراهية النساء.
المشكلة في نص القوانين
وبحسب "الخوري" فالمشكلة أنه مع تغيّر الرؤساء والحكومات، لا يتم تعديل وتطوير القوانين المتعلّقة بالحريات، خاصة المواد المرتبطة بالقدح والذم والتشهير والمس بالمقاماتـ منها مقام رئيس الجمهورية. وهي قوانين فضفاضة بحسب "الخوري" ويتمّ تطبيقها بطريقة استنسابية وكيدية، كما أن القوى الأمنية غير مخولة الدخول إلى صفحات المواطنين على وسائل التواصل والعمل على "تهذيبهم"، بل يجب أن تكون هناك قوانين واضحة وسلطة قضائية تحدد كيفية التدخل.
مع الإشارة إلى أن خوري نفسه كان قد استدعي في العام 2018 إلى مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية، بسبب منشور له على تطبيق فيسبوك، اعتبره المعنيون أنه مسيء للأديان، وقد أوقف يومها لثماني ساعات، ومُنع من كتابة أي منشور على فيسبوك لمدة شهر كامل.
كذلك تمّ توقيف الخوري في العامين 2019 و2020، في المرة الثانية كتب تغريدة ضد مستشار رئيس الجمهورية، وقد رفض يومها طلب القضاء حذف التغريدة وأصرّ على موقفه.