توقيف بيتر ماندلسون على خلفية قضية إبستين يفتح جدلًا سياسيًا في بريطانيا
24 فبراير 2026
أوقفت الشرطة البريطانية السفير السابق لدى الولايات المتحدة، بيتر ماندلسون، في إطار تحقيقات تتعلق بشبهات سوء استخدام المنصب العام، على خلفية علاقته بالممول الأميركي المدان بجرائم جنسية ضد الأطفال جيفري إبستين، في قضية أثارت تداعيات سياسية وإعلامية واسعة داخل بريطانيا.
وتحقق شرطة العاصمة البريطانية في مزاعم تفيد بتسريبه رسائل بريد إلكتروني من مقر رئاسة الوزراء ومعلومات حساسة للأسواق إلى إبستين، خلال فترة توليه منصب وزير الأعمال، فيما نفى ماندلسون ارتكاب أي مخالفات، مؤكدًا أنه لم يقم بأي تصرف مخالف للقانون.
تداعيات سياسية وضغوط على الحكومة
وفي هذا الإطار، أعاد توقيف ماندلسون إلى الواجهة انتقادات وُجهت إلى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بشأن قراره تعيينه سفيرًا في واشنطن، وهي خطوة وُصفت بأنها من أكثر قراراته إثارة للجدل منذ توليه المنصب.
وكان ستارمر قد قدّم اعتذارًا لضحايا إبستين بسبب اختياره ماندلسون، مؤكدًا أن الأخير لم يكن صادقًا بشأن طبيعة علاقته بالممول الأميركي، وأنه أُقيل من منصبه بعد انكشاف حجم تلك العلاقة، في تصريح يوصف بأنه محاولة لاحتواء الغضب المتصاعد.
وفي المقابل، أثار القرار غضبًا واسعًا داخل حزب العمال، وأسهم في إضعاف سلطة رئيس الوزراء داخل حزبه، وأدى إلى استقالة رئيس طاقم مكتبه مورغان ماكسويني، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا على عمق الأزمة السياسية.
ومن جهة أخرى، يرى مراقبون أن القضية باتت تمثل اختبارًا مباشرًا لقدرة الحكومة على إدارة ملفات النزاهة والشفافية في مرحلة حساسة سياسيًا.
أعاد توقيف ماندلسون إلى الواجهة انتقادات وُجهت إلى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بشأن قراره تعيينه سفيرًا في واشنطن، وهي خطوة وُصفت بأنها من أكثر قراراته إثارة للجدل منذ توليه المنصب.
قضية موازية داخل العائلة المالكة
ويأتي توقيف ماندلسون بعد أيام من احتجاز شقيق الملك البريطاني تشارلز الثالث، أندرو ماونتباتن-ويندسور، أول فرد من العائلة المالكة يُحتجز في العصر الحديث، على خلفية تحقيقات مماثلة تتعلق بتسريب معلومات لإبستين أثناء عمله مبعوثًا تجاريًا.
وأعلنت شرطة وادي التايمز أن عمليات التفتيش في مقر إقامة ماونتباتن-ويندسور السابق في وندسور استمرت خمسة أيام، فيما انتهى تفتيش منزله الحالي في نورفولك يوم الخميس، في خطوة تعتبر جزءًا من تحقيق موسّع في شبكة العلاقات المرتبطة بإبستين.
وردًا على ذلك، أكدت السلطات استمرار التحقيقات دون استثناء أي شخصية، في محاولة لإظهار التزامها بمبدأ سيادة القانون.
الوثائق البرلمانية ومسار التحقيق
وفي السياق ذاته، اضطرت الحكومة إلى تسليم وثائق تتعلق بتعيين ماندلسون سفيرًا في ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى لجنة الاستخبارات والأمن في البرلمان، لضمان الشفافية بشأن إجراءات التدقيق وما كانت السلطات تعرفه عن علاقته بإبستين.
وأُبلغ النواب بأن الدفعة الأولى من عشرات الآلاف من الوثائق ستُنشر مطلع آذار/مارس، لكنها لن تتضمن المراسلات بين ستارمر وماندلسون حول إبستين قبل انتهاء التحقيقات، وهو ما أثار انتقادات من بعض البرلمانيين.
وفي هذا السياق، أُخرج ماندلسون من منزله في شمال لندن من دون تكبيله بالأصفاد، واقتيد إلى سيارة بانتظار استجوابه، فيما أجرت الشرطة مناقشات غير رسمية مع محامين من وحدة الجرائم الخاصة في هيئة الادعاء الملكية، من دون تقديم استشارات رسمية حتى الآن.
ومن جهتها، قالت نائبة مساعد مفوض الشرطة هايلي سيوارت إن التحقيق "معقّد ويتطلب جمع وتحليل كميات كبيرة من الأدلة، وسيستغرق وقتًا لإنجازه بصورة شاملة".
تحركات المعارضة وضغوط إضافية
وأدت هذه التطورات إلى زيادة الضغوط على ستارمر، الذي أقرّ بأنه كان على علم باتصالات ماندلسون مع إبستين بعد إدانته عام 2008، كما أفادت تقارير إعلامية سابقًا، فيما دفع الكشف عن تفاصيل إضافية تتعلّق بطبيعة العلاقة بين ماندلسون وإبستين زعيمَ حزب العمال الأسكتلندي أنس سروار إلى الدعوة لاستقالة رئيس الوزراء، في خطوة زادت من حدة الضغوط السياسية المفروضة عليه.
يأتي توقيف ماندلسون بعد أيام من احتجاز شقيق الملك البريطاني تشارلز الثالث، أندرو ماونتباتن-ويندسور، أول فرد من العائلة المالكة يُحتجز في العصر الحديث
خلفيات القضية وسجل ماندلسون السياسي
وتعود جذور القضية إلى إفراج وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، عن ملايين الوثائق المتعلقة بإبستين، حيث تُظهر رسائل إلكترونية تعود إلى عام 2009 أن ماندلسون نقل تقييمًا سريًا لإجراءات سياسية محتملة إلى إبستين، أثناء عمله وزيرًا للأعمال في حكومة غوردون براون.
كما ناقش ماندلسون آنذاك فرض ضريبة على مكافآت المصرفيين، وأشار إلى حزمة إنقاذ مالية لمنطقة اليورو قبل الإعلان عنها رسميًا عام 2010، ما عزز الشبهات حول تسريب معلومات حساسة.
كما ذُكر في أحد الرسائل الإلكترونية أن ماندلسون تواصل مع إبستين لترتيب الإقامة في أحد عقاراته بنيويورك، وذلك بعد أيام قليلة من تعيينه في منصب حكومي رفيع في بريطانيا.
وفي إحدى الرسائل سأل ماندلسون إن كان يمكنه الإقامة من الجمعة إلى الأحد، فردّ إبستين عارضًا استضافته في شقة يملكها في نيويورك وطلب من أحد مساعديه تنفيذ ترتيبات الإقامة. وتشير تقارير سابقة إلى أن ماندلسون أقام بالفعل في إحدى شقق إبستين عام 2009.
ويُعد ماندلسون، حفيد وزير الداخلية والخارجية الأسبق هربرت موريسون، من أبرز شخصيات حزب العمال خلال العقود الخمسة الماضية، وكان من أبرز داعمي توني بلير ومن مهندسي مشروع "حزب العمال الجديد"، قبل أن تؤدي فضيحة إبستين لاحقًا إلى استقالته من الحزب ومن مجلس اللوردات