تورناتوري.. ساعتان من الضجر للاحتفاء بالحب

تورناتوري.. ساعتان من الضجر للاحتفاء بالحب

من الفيلم

بعد توقف دام نحو ثلاث سنوات تقريبًا عن صناعة السينما، عاد الإيطالي جوزيبي تورناتوري، مطلع الشهر الأول من العام، في العرض الأول لفيلمه الجديد، نصًا وإخراجًا، "المراسلة/ La corrispondenza"، مستندًا على ثلاثية تدمج بين وسائل التواصل الورقية القديمة، والافتراضية الحديثة، وعلم الفلك، ليضيف قصة حب جديدة إلى قائمة أعماله التي تنتمي لمدرسة الواقعية الإيطالية.

علّل جوزيبي تورناتوري اختياره الإنجليزية لغةً لفيلمه الأخير بأنها "متطلبات الجمهور"

في هذا الفيلم، الذي بلغت كلفة إنتاجه عشرة ملايين يورو، يبني المخرج الحاصل على جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي 1990 قصته باسترجاع وسائل المراسلة البريدية، ويزيد عليها وسائل التواصل الافتراضي، التي وفرتها شركات المجال التقني، ما سهل من عملية التراسل في هذا الكوكب.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "أخوات السرعة".. فلسطينيات سريعات وغاضبات

النص المكتوب للمراسلة، وهو ما يظهر الفيلم خلال الساعتين، يتحدث عن علاقة غير معهودة، تنشأ بين الأوكرانية أولجا كوريلينكو "الطالبة"، والبريطاني جيرمي آيرونز "عالم الفلك"، ومعلم الطالبة في ذات الوقت، تحافظ على ديمومتها، عن طريق مختلف وسائل التواصل، كونهما يلتقيان بين فترات متباعدة، وفي أماكن مختلفة.

عملية التواصل بين الطالبة والمعلم، يتخللها أحاديث عبر موقع "سكايب"، رسائل ورقية بأغلفة حمراء، تصل عن طريق ساعي البريد، بالإضافة للتطبيقات سهلة العمل على الهواتف المحمولة، لتظهر حياة كوريلينكو مشغولة دائمًا بمحادثة حبيبها، في العمل، الامتحان، الشارع، المسرح، وسائل النقل.

يقدم تورناتوري في هذا الفيلم، تجربته الثالثة، أغلب الظن، مع اللغة الإنجليزية، والتي أجاب ردًا على سؤال حول السبب الذي جعله يختارها لغة الفيلم الأصلية، بالقول إنها "متطلبات الجمهور"، وهو ما يعطي سببًا مقنعًا، لعدم تفاعل الجمهور السينمائي مع العمل، وبالأخص أن الاسم الأصلي جاء بالإيطالية، والإنتاج كذلك. حتى أن تجارب سابقة، أظهرت مدى فشل معظم الأعمال المشتغلة باللغة بالإنجليزية، من بينها فيلم "السر الذي في عيونهم"، و"أولد بوي"، اللذان فشلت نسختهما الأمريكية، ولم يجدا أي تفاعل مع الجمهور، رغم حصول نسخهما الأصلية على العديد من الجوائز السينمائية، مع مراعاة تواريخ الإنتاج أيضًا.

نقطة التحول الرئيسية في الفيلم، والتي يظن فيها المتفرج، أن مفاجآت تورناتوري في التنقل بين المشاهد بدأت بالظهور، عندما تكتشف كوريلينك موت العشيق والمعلم آيرونز، بعد أن رتب إخفاء خبر وفاته بين أصدقائه حتى لا يصيبها بالصدمة.

النهاية التي رسمها صاحب جوزيبي تورناتوري لفيلمه "المراسلة"، لا تختلف كثيرًا عن النهايات التي اشتغلها سابقًا 

قبل موته عمل آيرونز على تفعيل برمجة بريده الإلكتروني، للرد تلقائيًا على رسائل كوريلينكو، طبعًا البريد مبرمج على بعث رسائل تملك الإجابة الوافية، على أي سؤال تطرحه "كاميكازي" -لقب العشيق لكوريلينكو في الفيلم- ما جعلها تعيش في حالة من الضياع، حتى أيقنت أنه توفي، بعد أن تتبعت مسار الخبر، ووصلت إلى أصدقائه المقربين، ومكان إقامة عائلته، لتكتشف أنه رتب كل شيء قبل وفاته، بالاتفاق مع أشخاص محددين.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "هيبتا".. حكاية الأدب التجاري والسينما

تحضر النجوم وعلم الفلك، بشكل عام في النص، ويسجل لتورناتوري هنا، ابتعاده عن النصوص الهوليوودية، التي تذهب إلى الاكتشافات غير المتوقعة في مثل هكذا أعمال، من حيث اعتماده على الوسائل المتعارف عليها في البحوث العلمية، من دون أن يضيف إليها أي توابل تقنية أخرى.

التسلسل المشهدي لنص الفيلم، يمر بمراحل تصيب المتفرج بالضجر، حتى عندما يعود تورناتوري لجذب الاهتمام في أحد المشاهد، لا يستطيع الاستمرار بأكثر من دقيقتين أو ثلاثة، حتى تأتي حالة الضجر مرة أخرى، كونه أغرق بتفاصيل، وغاب عنها لمسات الفكاهة البسيطة، التي اعتاد عليها جمهوره. حتى أن الفيلم، على عكس باقي أفلامه التي نالت تقييمًا جيدًا على موقع IMDB العالمي، كان "المراسلة"، الفيلم الأقل تقييمًا بين جميع الأعمال التي اشتغل عليها، وفتح سهام النقد واسعًا أمام كتاب السينما، الذي وصف معظمهم الفيلم بـ"الممل". 

وتنويهًا، لا يمكن تجاهل مشاركة المؤلف الموسيقي إينيو موريكوني، المتحصل على جائزة الأوسكار الأخيرة، عن أفضل تأليف موسيقي، لفيلم "المكروهون الثمانية"، في هذا العمل، يمكن القول إنه التعاون الثاني عشر بين تورناتوري وموريكوني، الرجل الذي يبقى على صدام دائم مع كوينتين ترانتينو.

النهاية التي رسمها صاحب "سينما بارديسو"، لا تختلف كثيرًا عن النهايات التي اشتغلها سابقًا مثل "مالينا" و"باريا"، أو حتى في "إجراء شكلي محض"، إلا أنها لم تترك ذاك الأثر، رغم أنه في أفلام أخرى تجاوز طولها الساعتين، كانت تحفر النهايات في مخيلة المتفرج، وتتركه أمام أسئلة متعددة، عكس النهاية الباردة، التي لم تترك أي أثر، سوى أنها جعلت المتفرج يمضي ساعتين من الضجر، ليحتفي بقصة حب عن بعد.

اقرأ/ي أيضًا:

مارلين مونرو.. طوبى للجمال الخالد

Warcraft.. من اللعبة الشهيرة إلى الفيلم