توحيد خطبة الجمعة في المغرب.. انتقادات لـ"ضبط الوعظ"
19 يناير 2026
أثار قرار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب اعتماد خطبة جمعة موحدة، ضمن ما أطلقت عليه "خطة تسديد التبليغ"، جدلًا واسعًا في البلاد، خصوصًا لدى المعارضين للخطوة، لما تنطوي عليه من نزوع نحو الضبط المركزي للوعظ الديني.
وتسعى الوزارة من خطة تسديد التبليغ إلى "النهوض بأمانات العلماء في واجب تبليغ الدين من أجل تحقيق مقومات الحياة الطيبة في المعيشة اليومية للناس".
وتفاوتت ردود الأفعال حول تنفيذ الخطبة الموحدة بين رفض كلي وترحيب، لكن الأمر ازداد حدة مع موجة توقيفات قامت بها الوزارة الوصية، طالت خطباء جمعة لم يلتزموا بالخطبة الموحدة التي تصدر نصوصها الوزارة بشكل دوري عبر موقعها الرسمي.
محاصرة تصريف المواقف
في الجانب المدافع عن خطة وزارة الأوقاف، يؤكد الأستاذ والباحث في الجماعات الإسلامية محمد الشيخ بانن أن "هيكلة الحقل الديني بما يبعده عن الصراع السياسي ويركزه على المجال التعبدي الأصيل، تجعل توحيد خطبة الجمعة أمرًا مقبولًا ومطلوبًا، في إطار ارتباط الخطبة بمستجدات الناس الدينية وحاجياتهم الإيمانية".
وأوضح في حديثه لـ"الترا صوت" أن "خطيب الجمعة شكل تعبيرًا عن تطلعات الناس تجاه القضايا والمستجدات الناشئة عبر تطورهم التاريخي، وكان وقتها مستقلاً سياسيًا ومعبّرًا تلقائيًا عن تطلعات مجتمعه الصغير". وأضاف: "في الراهن المعيشي، أصبح للعديد من الفقهاء منابر مرتبطة بتنظيمات سياسية عدة، ما جعل هم الخطباء الأساسي هو تصريف مواقف سياسية هنا وهناك".
لم ير المنتقدون في خطبة وزارة الأوقاف الموحدة سوى اختزال دور الإمام في تلاوة نص معد سلفًا، بما يفرغ خطبة الجمعة في جوامع المملكة من بعدها التفاعلي والوجداني، ويضعف قدرتها على مخاطبة السياقات المحلية وهموم المصلين، ويحدّ من أثرها التربوي والأخلاقي
لكنه أشار أيضًا إلى أن "إذا انحرف هذا التوحيد المعلن نحو الانتقائية والابتعاد عن هموم المجتمع، فلن يلبي التوقعات والأهداف المعلنة، وسيدخل التدين، لا الدين، في تخبط جديد".
تسويغ رأي واحد
لم ير المنتقدون في خطبة وزارة الأوقاف الموحدة سوى اختزال دور الإمام في تلاوة نص معد سلفًا، بما يفرغ خطبة الجمعة في جوامع المملكة من بعدها التفاعلي والوجداني، ويضعف قدرتها على مخاطبة السياقات المحلية وهموم المصلين، ويحدّ من أثرها التربوي والأخلاقي.
ويزداد الجدل حدّة حين تُطرح تساؤلات حول مشروعية تحويل خطبة الجمعة إلى أداة لتسويغ اختيارات عمومية أو توجيه الوعي الجماعي في اتجاه واحد، مستفيدة من الرمزية الدينية للمنبر، وما يطرحه ذلك من إشكالات تتعلق بالتعدد، والاجتهاد، وحدود الفصل بين الديني والسياسي.
يسجل الباحث والفاعل الحقوقي عبد الإله الخضري أن "خطبة الجمعة شُرعت لتكون منبرا للتذكير بالله، وتعليم الناس أمور دينهم، وربط النص الإلهي بحاجاتهم اليومية ومشكلاتهم الأخلاقية والاجتماعية".
وأوضح الخضري لـ"الترا صوت": "لم تكن الخطبة يومًا خطابًا جامدًا أو قالبًا موحدًا، بل مجالًا للاجتهاد، يراعي فيه الخطيب حال المصلين ومستوى وعيهم والظروف التي يعيشونها".
وأضاف: "تسخير المنبر لتبرير اختيارات بشرية أو تمرير سياسات جاهزة يفرغ الخطبة من بعدها الرسالي، ويحوّل الدين من أداة هداية وتقويم إلى وسيلة تبرير وضبط. فالمنبر في الإسلام وضع ليكون صوتًا للقيم والعدل والنصيحة، لا أداة لتوجيه الوعي قسرا أو خلق إجماع مصطنع".
الوزير يهاجم الرافضين
وكان وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، قد أكد سابقًا في مجلس النواب على "حقهم" (يقصد المجلس العلمي الأعلى) في توحيد خطبة الجمعة، باعتبارهم "جماعة العلماء الذين يمثلون إمامة البلد"، مهاجمًا الرافضين للخطبة الموحدة ووصفهم بـ"المجرمين".
وفي مناسبة أخرى، أدلى الوزير بتصريح لافت، حيث وصف بعض خطباء الجمعة والأئمة بـ"الخوارج" بسبب رفضهم نظام الخطبة الموحدة الذي تفرضه الوزارة.
وفي هذا السياق، اعتبر أستاذ القانون بجامعة عبد المالك السعدي بطنجة، محمد حامي الدين، أن "كل منحى يصف المخالفين بدعاة الفتنة والخوارج هو توجه يزري بسماحة الإسلام وبتاريخ المغرب، ويضع إدارة الشأن الديني في موقع يمكن مقارنته بالظلم الكنسي".
وتساءل حامي الدين في تدوينة على صفحته في فيسبوك: "كيف يكون التبليغ مُسدّدًا وهو يصف الخطيب بأنه من الخوارج، فقط لأنه اختار أن يلتحم بقضايا حيه ومدينته، ويقيم خطبة من صميم واقع المسجد، دون أن ينكر معلومة من الدين، أو يطعن في ثوابته، أو يهدد الاستقرار والنظام العام؟"






