توحش الشرطة المصرية (1).. محمية الميري

توحش الشرطة المصرية (1).. محمية الميري

من مشاهد جمعة الغضب 28 يناير 2011 (Getty)

في علم الاجتماع العسكري تُسمى العملية الممنهجة لتحويل الإنسان العادي إلى إنسان عسكري بـ"تمثّل الأدوار العسكرية"، ووفقًا لهذا العلم الفقير عربيًا، فإن هذه العملية تنقسم لثلاث مراحل تراتبية: الأولى مرحلة الانتقاء، والثانية التدريب، ثُم أخيرًا مرحلة التجنيد أو البدء في تنفيذ المهمة. في النهاية الغرض هو أن يكون عضو النسق العسكري مُلتزمًا بالسلوك الاجتماعي لهذا النسق، سواءً داخله أو خارجه. وفي النهاية أيضًا يُصبح هذا النسق، بمجموع أفراده، مُجتمعًا مُغلقًا داخل المُجتمع العام، أو ما يُمكن تسميته بالجماعة الوظيفية.

سنين من الفشل المتراكم الممزوج بالسلطان المُطلق، أدت إلى خلق مسخ طفيلي يتغذى على ريع الدولة، هو جهاز الشرطة

وفيما يبدو هذا مُبررًا بالنسبة للدولة القومية الحديثة؛ أن يكون تنظيمها العسكري على هذا النمط، إلا أن القيم المُفترَضة لهذه الدولة تزعم أن جهازًا أمنيًا آخر -يرتبط أثر فعله المُباشر على المجتمع ومواطني الدولة- هو جهازٌ مدني، أو على الأقل في مصر التي تنص المادة 206 من دستورها المعدل في 2014 على أنّ الشرطة "هيئة مدنية نظامية"، ثُمّ تؤكد مرة أخرى المادة الأولى من قانون هيئة الشرطة رقم 109 لعام 1971 على أنّ "الشرطة هيئة مدنية"، لكنّ سنين من الفشل المتراكم الممزوج بالسلطان المُطلق، أدت إلى خلق مسخ طفيلي يتغذى على ريع الدولة، هو جهاز الشرطة.

قطعًا لا يُمكن القول إن جهاز الشرطة المصرية أصبح بدوره نسقًا عسكريًا آخر داخل المجتمع بالكلية، في النهاية تمتلك المؤسسة العسكرية المصرية أسباب بقائها ذاتيًا عبر مواردها الخاصة/ المُستلبة ووسائل إنتاجها التي تحقق لها الوفرة. فالمؤسسة العسكرية إذًا باتت كقبيلة قائمة بذاتها، تتفاعل مع الدولة تفاعل المُستَفيد، لكنها منفصلة عنها في نفس الوقت. 

أما النسق الشرطي أو ما سنسميه بـ"المحمية الميري"، فرغم تكريسه لانعزاله عن الجمهور (سبب وجوده الوظيفي حقيقةً) إلا أن أسباب وجوده الواقعية الآن أصبحت مُتمثلة فيما يقدمه من أدوار مكروهة-مطلوبة لأصحاب النفوذ، ولا يبدو أنه يُعامَل في إطار ذلك كأكثر من مأجور، ولربما كانت قضية الفساد المتهم فيها حبيب العادلي وزير الداخلية في عهد مبارك، المتعلقة بمكتبة الإسكندرية، والتي كان نصيبه فيها 4 ملايين جنيه مصري؛ دليلٌ على كيف كان يُنظر لوزارة الداخلية من رأسها لأخمص قدميها: ليس إلا كمجرد جماعة وظيفية منبوذة لكنها وحدها المستعدة لتنفيذ هذه الوظائف، جنبًا إلى جنب مع المأجورين.

إذًا، كان لابد للجهاز أن يخلق "مفرخته" الخاصة لنموذج الشرطي التقليدي وفقًا للدور الضالع فيه، فتبدأ مراحل التفريخ الأولى من القبول في أكاديمية الشرطة، وهي عملية لا تنبني على شروط الكفاءة البدنية والنفسية، بقدر الواسطة والمحسوبية فضلًا عن الرشوة التي يُقدر متوسطها بـ70 ألف جنيه وفقًا لتقرير استقصائي مُستقل أجري عام 2012. 

تبدأ مراحل التفريخ الأولى من القبول في أكاديمية الشرطة، وهي عملية لا تنبني على شروط الكفاءة البدنية والنفسية، بقدر الواسطة والمحسوبية

الإشكالية بدايةً في وسيلة القبول هذه هي نفي العقيدة الأمنية/ الوظيفية للجهاز، فبدلًا من كونه جهازًا مُضطلعًا بمكافحة الجريمة أو حفظ الأمن العام كما ينص القانون المصري، أصبح جهازًا لممارسة السلطة البديلة، أي بالنيابة عن النظام المترهل الفاقد لأسباب بقائه الشرعية، ونحن نتحدث هنا تحديدًا عن النظام في عهد الرئيس المخلوع حسني مُبارك. لذا يُصبح مفهومًا ومتوقعًا انقلاب الشرطة على محمد مرسي الذي لم يُمثّل له الظهير السياسي القادر على حمايته في مُقابل إطلاق يده. 

عمومًا كانت اللحظة الثورية التي بدأت مع 28 يناير وامتدت حتى بناء مُؤسسات حكم مُنتخبة؛ لحظة انتكاسة حقيقية لجهاز الشرطة الذي قال عنه وزير الداخلية الأسبق منصور العيسوي، إنّه "انتقل إلى رحمة الله في 28 يناير". 

ومن المشاهد الكاشفة للعقلية الأمنية والمُجيبة –في هذا الصدد- على سؤال "كيف اعتادت أن تعمل المحمية الميري؟، هو هجوم ضباط الشرطة على وزير داخليتهم محمد إبراهيم إبان تشييع جنازة قتيل الشرطة أحمد البلكي، الذي راح ضحية أحداث اقتحام سجن بورسعيد في يناير 2013. قبل هذا الهجوم كانت صفحات الشرطة غير الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي تتهم وزير الداخلية بعقد صفقة مع نظام الإخوان! ببساطة شعر ضباط الشرطة أن مصدر أمنهم وغطاء ممارساتهم قد انقلب عليهم أو تركهم عُرضةً للشارع وطبيعة وظائفهم التي لم يكونوا يومًا أكفاء لها. 

هذه العقلية التي يُسميها الدكتور أسامة القفاش بعقلية "الضابط/الحذاء" كتمثيل نماذجي لذهنية أفراد الجهاز، الذين يرون أن ولاءهم مُرتبط أساسًا بمصدر سُلطتهم المُسببة، فهي بذلك (هذه العقلية) ترى أن من يمنحها أسباب السيادة بمثابة الحذاء الأعلى، وهي حذاءٌ أعلى على من تراهم الأضعف في ذاتهم. 

والحق أن الضعفاء المنبوذين في قاموس الشرطة المصرية، هم أسباب وجودها العملية، فلولا المسود لما كان السيّد، وهكذا "لو الوزير اتشال.. أنا مدير الأمن هروح فين؟" كما قال مدير أمن البحيرة السابق، مجدي أبو قمر، في تسريب مُصور له في 2011. 

اقرأ/ي أيضًا: 

لوحة الموت قبل الأخير في مصر

إسراء الطويل تطيح بأكذوبة مصر الأم الحنون