توتّر بين الولايات المتحدة وإسرائيل: غضب حقيقيّ أم عتاب حلفاء؟
7 يوليو 2026
"يرتكب المؤيّدون لإسرائيل في الولايات المتّحدة خطأين فادحين. الخطأ الأوّل، هو عدم التّميّيز بين مصالح أميركا ومصالح إسرائيل، لأنّها ليست متطابقة دائمًا. أمّا الخطأ الثّاني، فهو الخلط بين انتقاد حكومة معيّنة وكراهيّة اليهود. علينا أن نكون حذرين للغاية حتّى لا نتّهم شخصًا ما بتهمة معاداة السّاميّة لمجرّد خدمة هدف معيّن في السّياسة الخارجيّة".
هذا التّصريح اللّافت لم يصدر عن أستاذَي علوم السّياسة، جون ميرشايمر وستيف فالت، الّذين نبّها، قبل عشرين عامًا، إلى تعاظم دور اللّوبي الصّهيونيّ في الولايات المتّحدة، في مقال شهير، حوّلاه، بعد عام، إلى كتاب مثير، لقي رواجًا واسعًا، آنذاك، قبل أن يستعيد أهمّيته البالغة، غداة السّابع من تشرين الأوّل/أكتوبر 2023، بل جاء على لسان نائب الرّئيس الأميركيّ، جي دي فانس، في مقابلة مع المعلّقة المحافظة، ألي بيث ستاكي.
ومع ذلك، يتقاطع كلام فانس مع ما كتبه ميرشايمر وفالت من أنّ "هذا الكرم غير العاديّ قد يكون مفهومًا لو كانت إسرائيل تمثّل رصيدًا استراتيجيًّا حيويًّا أو لو كانت هناك حُجّة أخلاقيّة مقنعة لدعم الولايات المتّحدة المستمرّ. لكن، أيًّا من المنطقين لا يبدو مقنعًا". كما أنّهما لفتا إلى أنّ "النّقاش بشأن إسرائيل قُمع بشكل غير صحّي على الديمقراطيّة"، واعتبرا أنّ "الإشارة إلى أنّ المُنتقدين معادون للسّاميّة ينتهك مبدأ النّقاش المفتوح الّذي تستند إليه الدّيمقراطيّة".
لكنّ تصريحات فانس، على أهمّيتها، جاءت متأخّرة بنحو ثلاث سنوات وأكثر من 73 ألف شهيد فلسطينيّ، ناهيك عن الدّمار الهائل الّذي حلّ بقطاع غزّة، خاصّة أنّ إدارة جو بايدن، وبعدها إدارة دونالد ترامب، مسؤولتان بشكل مباشر عن حرب الإبادة الّتي شنّتها إسرائيل، ولا تزال.
يتقاطع كلام فانس مع ما كتبه ميرشايمر وفالت من أنّ "هذا الكرم غير العاديّ قد يكون مفهومًا لو كانت إسرائيل تمثّل رصيدًا استراتيجيًّا حيويًّا أو لو كانت هناك حُجّة أخلاقيّة مقنعة لدعم الولايات المتّحدة المستمرّ
بل أخطر من ذلك، يأتي هذا التّطوّر في الخطاب الرّسميّ كجزء من "سوء تفاهم" بين الولايات المتّحدة وإسرائيل بشأن الملفّ الإيرانيّ، وليس كمحاولة أميركيّة للتّكفير عن خطاياها في غزّة.
فالتّلاسن بين واشنطن وتلّ أبيب انطلق، الشّهر الماضي، في قمّة مجموعة السّبع، في إيفيان، حين قال ترامب إنّه "لولا الولايات المتّحدة، لما كانت إسرائيل"، في ردّ على هجمات شنّها جيش الاحتلال على لبنان، خشي البيت الأبيض أن تُقوّض ترتيبات الوساطة الباكستانيّة القطريّة لعقد مباحثات أميركيّة إيرانيّة في سويسرا.
ومن المفارقات أنّ الرّد الإسرائيليّ على تصريحات ترامب جاء على لسان سفير الولايات المتّحدة لدى إسرائيل، مايك هاكابي، الّذي صرّح بأنّه "لولاكم – أي الإسرائيليّين – ولولا تاريخكم ولولا حفاظكم على مقاصد الرّبّ وشريعته لما كانت الحضارة الغربيّة موجودة".
وبإصرار الحكومة الإسرائيليّة على رفض أيّ ترتيب أميركيّ إيرانيّ يتضمّن، تلميحًا أو تصريحًا، سحب قوّات الاحتلال من لبنان، بشكل بلغ حدّ التّهديد، وقد قال وزير الأمن القوميّ الإسرائيليّ إيتمار بن غفير، إنّ تلّ أبيب "هي من تتّخذ القرارات"، خرج فانس مُجدّدًا، ليردّ: "لو كنتُ عضوًا بالحكومة الإسرائيليّة، لما كنتُ لأهاجم الحليف القويّ الوحيد المتبقيّ لي في العالم".
عقّب رئيس الوزراء الإسرائيليّ، بنيامين نتنياهو، على فانس، بالتّشديد على ضرورة فكّ الارتباط مع واشنطن، على الأقلّ فيما يتعلّق بالتّسليح، فذكر أنّ مستقبل إسرائيل خلال الثّلاثين سنة المقبلة "سيحدّدها مدى قوّتنا، وهو ما نبنيه حاليًا".
لكنّ نتنياهو والإسرائيليّين كافّة يُدركون أنّ أيّ ابتعاد عن واشنطن، حتّى وإن بشكل طفيف، من شأنه أن يُفقد تلّ أبيب توازنها. فبعيدًا عن هذه النّبرة المتاهفة، لا تزال الولايات المتّحدة – وعلى الأرجح أنّها ستبقى – المُزوّد الأوّل لجيش الاحتلال بالأسلحة، وأهمّ داعم ماليّ لتلّ أبيب، بمساعدات فاقت 22 مليار دولار، منذ خريف عام 2023، وأكبر غطاء سياسيّ لها، بدءًا بالاستخدام الممنهج لحقّ النّقض في مجلس الأمن الدّوليّ.
تشهد العلاقات الأميركيّة الإسرائيليّة فتورًا كبيرًا، خلال النّصف الثّاني من الفترة الثّانية لأيّ ساكن بالبيت الأبيض، انطلاقًا من إدارة رونالد ريغان، دون أن يمسّ ذلك من ثوابت الدّعم الأميركيّ لتلّ أبيب
وما الغضب الإسرائيليّ الحاليّ سوى ردّ فعل يائس حيال مذكّرة التّفاهم الأميركيّة الإيرانيّة، على هشاشتها، غضب بلغ صداه إلى جماعات الضّغط الدّاعمة لإسرائيل في الولايات المتّحدة. ففي تقدير موقف، نشره عقب الاتّفاق بين واشنطن وطهران، قال منتدى الشّرق الأوسط، أحد أكثر مراكز البحث تطرّفًا لتلّ أبيب: "أحصِ ما تتنازل عنه إيران، وستجد نفسك أمام صفر، تقريبًا. ثمّ أحصِ ما تتنازل عنه الولايات المتّحدة ولن تستطيع حصر أصابعك."
هذا التّباين في الخطاب يعكس أزمة ثقة متنامية بين الطّرفين. فواشنطن، الّتي تسعى إلى إعادة ترتيب أولويّاتها في الشّرق الأوسط، تجد نفسها مضطرّة لموازنة دعمها لإسرائيل مع مصالحها الأوسع، بما في ذلك تجنّب الانزلاق إلى مواجهة إقليميّة شاملة. أمّا إسرائيل، فهي ترى في أيّ إشارة إلى تقليص الدّعم الأميركيّ تهديدًا وجوديًّا.
وتاريخيًّا، تشهد العلاقات الأميركيّة الإسرائيليّة فتورًا كبيرًا، خلال النّصف الثّاني من الفترة الثّانية لأيّ ساكن بالبيت الأبيض، انطلاقًا من إدارة رونالد ريغان، دون أن يمسّ ذلك من ثوابت الدّعم الأميركيّ لتلّ أبيب.
لكن، ما لا يمكن للجانبين تجاهله هو أنّ الولايات المتّحدة تشهد تحوّلًا تاريخيًّا يتمثّل في تقاطع معظم عمليّات سبر الآراء حول تجاوز حجم تعاطف الأميركيّين مع الفلسطينيّين، ولأوّل مرّة، تعاطفهم مع الإسرائيليّين، 43 %مقابل 36 %، حسب معهد "غالوب" ، مع الإصرار على التّساؤل: من يتحّكم بمن؟