تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية: سيناريو يُرسم في إسرائيل
19 ابريل 2026
نشر مؤخرًا معهد الأمن القومي الإسرائيلي دراسة مطولة بعنوان: "الانزلاق نحو واقع الدولة الواحدة – المسرّعات الفاعلة والعوامل المحتملة للفرملة، دراسة العملية وسبل كبحها"، أعدها الباحث أودي ديكل، العقيد في خدمة الاحتياط ورئيس برنامج "من الصراع حتى التوصل إلى التسوية". تكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة لكونها المرة الأولى التي يصدر فيها مركز أبحاث استراتيجي اسرائيلي رفيع المستوى دراسة تفصيلية ترسم ملامح سيناريو التطهير العرقي والتهجير المحتمل في الضفة الغربية. فهي تقدم رؤية معمقة للمستقبل السياسي والديموغرافي والأمني، وتسلط الضوء على المخاطر المحتملة قبل وقوعها، مما يجعلها وثيقة استراتيجية هامة لصانعي القرار والباحثين والمجتمع الدولي على حد سواء.
توضح الدراسة أن الضفة الغربية تقف اليوم على مفترق طرق بين انهيار النظام والتحول التدريجي نحو شراكة محدودة، حيث سيكون لمسار الأحداث تأثير كبير على المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي، مع تداعيات ديموغرافية وأمنية عميقة.
تضع الدراسة إطارًا متكاملًا لفهم المخاطر المستقبلية، وتدفع الدراسة القارئ الفلسطيني إلى الاستنتاج أن هناك نية استراتيجية إسرائيلية لإعادة تشكيل الواقع السكاني في الضفة الغربية.
لكن الأخطر في الدراسة يكمن في التشخيص الضمني لمعدّيها المقربين من دوائر صنع القرار، القائم على مسلمة مفادها أن المستوطنين في الضفة الغربية قادرون من الناحية العسكرية والتنظيمية على تنفيذ التطهير العرقي والتهجير الجماعي. هذا التشخيص يشير إلى وجود رهان عملي على إمكانية قيام المستوطنين، بأدواتهم التسليحية وبشبكاتهم التنظيمية الذاتية، بمبادرة عمليات تهجير ممنهجة، مع احتمال تبرير إسرائيل لاحقًا بأن ما حدث كان نتيجة "فقدان للسيطرة" وليس سياسةً مُقرَّرة رسميًا. هذه الفرضية تجعل من الدراسة أكثر خطورة، لأنها لا تكتفي بتحليل مخاطر التهجير، بل تُظهر ضمنًا وبدون تصريح كيف أن تعاظم القدرات التسليحية للمستوطنين ستُستخدم لاحقًا لتبرير انتهاكات واسعة بحق الفلسطينيين تصفها الدراسة بالتطهير العرقي والتهجير الجماعي.
وتستند هذه المسلمة التي تستعرضها الدراسة تلميحًا إلى الحقائق التالية التي لم توردها الدراسة المتعلقة بالقوات المسلحة الاستيطانية في الضفة الغربية؛ فهي معلومة لصانعي القرار في إسرائيل وتغيب عن الرأي العام العربي والدولي وحتى الفلسطيني. منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في 7 أكتوبر 2023، شهدت الضفة الغربية تحوّلًا أمنيًا خطيرًا مع تعاظم دور "القوات المكانية"، وهي تشكيلات عسكرية من المستوطنين بدأ تشكيها بذريعة تقديم الحماية المستوطنات لكنها تحوّلت إلى ذراع هجومي ضمن بنية الجيش الإسرائيلي، يمارس العنف ضد الفلسطينيين ويوسّع السيطرة الميدانية. هذا التطور جاء نتيجة سنوات من التسليح والتدريب، بحيث صارت الضفة ميدانًا لجيش موازٍ من المستوطنين بالتنسيق الكامل مع الجيش. بعد هجمات 7 أكتوبر، أطلق وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير مشروعًا واسعًا لتسليح آلاف المستوطنين ضمن "حرس مدني قومي"، وتحويل القوات المكانية من دور ردعي إلى أداة هجومية خاصة في المناطق "ج" الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
عدد أفراد هذه القوات تضاعف خمس مرات منذ الحرب، من نحو 1,000 قبلها إلى أكثر من 5,300 حاليًا، موزعين في ألوية مستقلة مثل "شمشون" في متيه بنيامين(وسط الضفة الغربية وشمال غرب القدس)، و"إفرايم" شمال الضفة، و"غوش عتصيون" جنوب بيت لحم، بالإضافة إلى ألوية في الأغوار والخليل وشمالي القدس. تعمل هذه الوحدات تحت إشراف الجيش لكنها تخضع عمليًا لأجندة المستوطنين، وتنفذ عمليات ضد الفلسطينيين بدوافع أيديولوجية تحت حجج الردع والتحذير.
تشير الدراسة إلى أن التحولات البنيوية المستمرة في الضفة الغربية تجعل من الانزلاق نحو واقع دولة واحدة غير متكافئة احتمالًا متزايدًا. ويشرح الباحث أودي ديكل: "السيناريو الأكثر احتمالية، إذا لم يتم كبح العوامل المسرّعة، هو تزايد السيطرة الإسرائيلية على الأرض بما يؤدي إلى تهجير الفلسطينيين وتغيير التوازن الديموغرافي." وتؤكد الدراسة أن هذا السياق لا يحدث في فراغ، بل هو نتيجة تراكم سياسات طويلة الأمد تشمل التوسع الاستيطاني المستمر، وتعزيز النفوذ الإسرائيلي على المناطق الفلسطينية، وتراجع فعالية المؤسسات الفلسطينية المحلية، مما يخلق أرضية صالحة لتطبيق سياسات الإخلاء والتهجير على مراحل.
تحدد الدراسة عدة سيناريوهات محتملة، تعكس أطرافًا متناقضة من واقع الدولة الواحدة، وتضع تصورًا واضحًا لتداعيات كل مسار. السيناريو الأول يتمثل في الانهيار الكامل والنزاع العنيف، حيث يشير الباحث أودي ديكل إلى: "هذا السيناريو يؤدي إلى تصاعد العنف والفوضى، ويشمل عمليات إخلاء قسري للفلسطينيين وتهجير منظم، ما قد يترتب عليه أزمات إنسانية كبيرة".
ويبرز هذا السيناريو المخاطر الجسيمة على المدنيين، إذ يخلق بيئة غير مستقرة تسمح بتكثيف عمليات التطهير والتهجير وتغييرات ديموغرافية تهدد التوازن الاجتماعي والسياسي في الضفة الغربية، كما يمكن أن يؤدي إلى تصاعد المقاومة المحلية وزيادة الضغط الأمني على إسرائيل.
أما السيناريو الثاني فيتمثل بالتحول التدريجي نحو شراكة محدودة، الذي يرى الباحث أنه: "في هذا السيناريو، قد تمنح بعض الحقوق للفلسطينيين في مناطق محددة، لكن السيطرة على القرار الاستراتيجي ستبقى بيد السلطات الإسرائيلية". وفي هذا المسار، تستمر الهيمنة الإسرائيلية على الأرض والموارد، فيما يتم منح الفلسطينيين حقوقًا رمزية، وهو ما يعكس عدم التكافؤ في السلطة ويضمن استمرار الاحتكاكات الأمنية والسياسية على المدى المتوسط.
أخيرًا، هناك سيناريو التوازن المتدرج، الذي يعتمد على آليات احترازية لتخفيف حدة الصراع وإشراك الفلسطينيين في بعض القرارات المحلية مع الحفاظ على الهيمنة الإسرائيلية. وتشير الدراسة إلى أن نجاح هذا السيناريو يعتمد على فعالية الإجراءات الإدارية والسياسية في الحد من التصعيد، وإلا فإن احتمالات الانهيار تعود للارتفاع مجددًا.
توضح الدراسة أن هناك عدة عوامل رئيسية تسهم في تسريع الانزلاق نحو السيناريوهات الأكثر خطورة، أبرزها استمرار ما تصفه بـ النزاعات العسكرية بين الجيش الإسرائيلي والفلسطينيين، ضعف البنى الإدارية الفلسطينية، الضغوط الداخلية الإسرائيلية لتوسيع المستوطنات، والتوترات الإقليمية والدولية التي قد تؤثر على سرعة اتخاذ القرارات. ويشير الباحث ديكل: "تزايد التوترات الداخلية والإقليمية يزيد من احتمالات فرض سياسات التطهير والتهجير". ويؤكد التحليل أن هذه العوامل، إذا تضافرت، تجعل من سيناريو الانهيار الكامل احتمالًا أكثر قربًا للواقع، فيما يحد النجاح في إدارة النزاعات والسيطرة على الأرض من مخاطر الانزلاق.
تتعمق الدراسة أيضًا في تحليل التداعيات المحتملة على الأمن والاستقرار في حال تطبيق أي سيناريو يتضمن تهجير الفلسطينيين، إذ يشمل ذلك ارتفاع معدلات العنف والفوضى مع تهديد مباشر لحياة المدنيين، بالإضافة إلى تغييرات ديموغرافية كبيرة تعيد تشكيل التوازن السكاني وتكرس الهيمنة الإسرائيلية، كما يؤدي إلى تعميق الانقسام بين المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني وزيادة التوترات الإقليمية. ويرى ديكل: "تعميق الانقسام بين المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني يخلق مخاطر طويلة الأمد على الأمن والاستقرار في المنطقة." ويبرز التحليل أن هذه التداعيات تمتد لتشمل مستويات إنسانية وسياسية بعيدة المدى، مما يجعل من الضروري التفكير في إجراءات وقائية دولية وفلسطينية عاجلة.
تشدد الدراسة على أن أي خطوة نحو التهجير القسري أو تغيير التوازن السكاني ستواجه تحديات قانونية وأخلاقية كبيرة. ويضيف الباحث: "أي خطوة نحو التهجير القسري للفلسطينيين ستكون مراقبة عن كثب من المجتمع الدولي وقد تؤدي إلى عواقب سياسية وقانونية وخيمة". ويبرز هذا الجانب أهمية الدور الدولي والمجتمع المدني في مراقبة أي خطوات على الأرض، وإمكانية استخدام القانون الدولي للحد من أي تجاوزات.
في هذا السيناريو المتشائم، بحسب الدراسة، تفشل الدولة الواحدة في احتواء التوترات، ويتدهور الوضع إلى مستويات متصاعدة من العنف وشلل مؤسسات الحكم. الانتفاضة الفلسطينية قد تتحول إلى عصيان مدني دائم يشمل الإضرابات والمظاهرات، في حين تحاول إسرائيل قمع هذه الظواهر بالقوة، ما يؤدي إلى دائرة دم لا تنتهي. "في الحالات القصوى، قد تفقد الحكومة السيطرة على مناطق معينة، خصوصًا الفلسطينية منها، لتتحول إلى جيوب خارجة عن السيطرة أو مناطق فراغ أمني. وإذا وصل العنف الاستيطاني إلى حد التطهير العرقي أو تهجير جماعي من جانب المستوطنين، فمن المتوقع تدخل دولي حاد"، بحسب السيناريو المستقبلي. نتيجة هذا السيناريو يمكن أن تكون انهيارًا شاملاً للنظام أو فرض حل خارجي كإعادة الانتخابات أو الانفصال بين الكيانين، مع تغييرات جوهرية في هوية إسرائيل.
تربط الدراسة التحليل النظري بالواقع الميداني في الضفة الغربية، مشيرة إلى أن السيطرة الإسرائيلية على المستوطنات، أضعف المؤسسات الفلسطينية، والتوترات الأمنية تجعل سيناريوهات التطهير والتهجير أكثر احتمالًا. ويقول ديكل: "التحولات الديموغرافية المتسارعة والممارسات الإدارية على الأرض تعزز من فرص تطبيق سيناريوهات التطهير والتهجير على مراحل". ويضيف التحليل أن فهم الواقع الميداني أساسي لتقييم احتمالات حدوث السيناريوهات المختلفة، ويتيح لصانعي القرار الدولي اتخاذ خطوات وقائية مناسبة.
تضع الدراسة إطارًا متكاملًا لفهم المخاطر المستقبلية، وتدفع الدراسة القارئ الفلسطيني إلى الاستنتاج أن هناك نية استراتيجية إسرائيلية لإعادة تشكيل الواقع السكاني في الضفة الغربية. وتقدم الدراسة قراءة فريدة للمرحلة القادمة في الضفة الغربية، من خلال رسم ملامح سيناريو التطهير العرقي والتهجير الجماعي. فهي ليست مجرد تحليل أكاديمي، بل وثيقة استراتيجية إسرائيلية ترسم ملامح المستقبل، ويجب أن تشكل تحذيرًا للفلسطينيين من المخاطر المحتملة، وتفتح الباب أمام نقاش معمق حول السبل الممكنة لتجنب المصير المظلم الذي ينتظرهم بحسب كل السيناريوهات التي توقعتها الدراسة.