تنميط بعلبك إعلاميًا وفي الخطاب الطائفي الرسمي

تنميط بعلبك إعلاميًا وفي الخطاب الطائفي الرسمي

مزرعة حشيش في بعلبك (رمزي حيدر)

خلال البحث عبر يوتيوب عن مدينة بعلبك، ستقفز أمامك مقابلات وتقارير صحفية حول شخصيات بعلبكية أو سلوكيات عامة لأهل بعلبك، تعبر عن حال وأحوال المنطقة، وأغلبها تصل بالمشاهد إلى خلاصة واحدة، هي: سكان منطقة بعلب الهرمل خارجون على القانون، وأنها منطقة مخيفة وغير آمنة.

يُغذّي الإعلام اللبناني صورة طائفية عن أهل بعلبك، وترسم صورة لـ"سلوكيات عامة" لأهلها بالتقارير الصحفية

وتطلق الألقاب على شخصيات عشائرية مثل "بارون المخدرات" و"اللورد اللبناني". وكذلك يغذي الإعلام صورة طائفية عن أهل بعلبك، مثل طرح عنوان: "اشتباكات في بعلبك واعتداء عشيرة شيعية على عشيرة سنية".

اقرأ/ي أيضًا: ما يحدث في بعلبك.. سياحة دينية أم تبشير؟

الخارجون عن القانون في بعلبك!

ومن خلال البحث ستجد مقابلات مع نوح زعيتر بعنوان "روبن هود البقاع"، تصفه بأنه رجل خارج عن القانون، لكن أبناء عشيرته يحبونه ويقدمون له الحماية اللازمة، لأنه في المقابل يقدم لهم المساعدات التي لا تقدمها لهم الدولة اللبنانية، وبالتالي إعطاء مشروعية لأعماله في زراعة الحشيش، ووصفه بأنه "نصير الفقراء والمظلومين".

تبدأ الكاميرا بالتنقل ضمن الأراضي الزراعية لتصوير زراعة نبتة الحشيش في مناطق واسعة من البقاع، ثم يبدأ "روبن هود" هذا، أو نوح زعيتر، بالقول: "الدولة لا تؤمّن زراعات بديلة، لذا نحن مضطرون لزراعة الحشيش، ويجب على الدولة اللبنانية تشريع زراعتها، لأنها تدر أموالًا لخزينة الدولة وللمواطنين إذا اشترت المحاصيل وقامت باستخدامها في صنع الأدوية أو تصديرها إلى الخارج"، ليستنتج المشاهد تلقائيًا، أن أراضي بعلبك الهرمل، مزروعة بالكامل بنبتة الحشيش.

وهكذا، يصور الإعلام أهالي المنطقة بأنهم مؤيدون للخارجين على القانون، ويفتح الهواء في مقابلات مدتها ساعات في النشرات والبرامج المسائية؛ مثلًا نجد أن إحدى المقابلات على قناة الجديد مع تاجر مخدرات اسمه علي زعيتر، حصدت أكثر من نصف مليون مشاهدة على يوتيوب.

كذلك فإن "تلفزيون لبنان"، وهي قناة حكومية يفترض أنها جامعة لكل اللبنانيين، وخاضعة لرقابة الحكومة، تقوم باستضافة نوح زعيتر في برنامج كوميدي مدته ساعة وربع الساعة. وتساهم القنوات العربية في ترسيخ هذه الصورة من خلال تقاريرها التي تصب في نفس السياق. ثم تأتي التقارير الإعلامية للقنوات الغربية انعكاسًا لما صوّره الإعلام اللبناني والعربي عن بعلبك.

"ريد زون"

تم تصنيف منطقة بعلبك الهرمل كمنطقة أمنية حمراء، ما أدى إلى تراجع في نسبة السياح الوافدين إلى المنطقة بسبب تحذيرات السفارات الأوروبية لمواطنيهم بعدم الذهاب إلى المنطقة باعتبارها منطقة غير آمنة.

وهذه الإجراءات، هي انعكاس لواقع الحال الإعلامي الذي يقوم بتغذية هذه النظرة باعتبار المنطقة خارجة عن سلطة الدولة، وبأن القوى الأمنية والجيش غير قادر على حماية أحد من السرقة والخطف والقتل وغيرها من المخاطر، خاصة وأن الوسائل الإعلامية، لا يهمها سوى المشاهدات، فبينما يخصص ساعات لبعض المجرمين والخارجين على القانون في المقابلات التلفزيونية؛ يكاد الباحث لا يعثر على تغطية إعلامية لمؤتمر سياحي أو زراعي أو اقتصادي تنموي لمنطقة بعلبك الهرمل.

وما زاد من الطين بلة، خروج وزير الداخلية السابق مروان شربل، قائلًا إن "هناك 33 ألف مذكرة استدعاء بحق مطلوبين في منطقة بعلبك". وبعيدًا عن صحة الرقم؛ هل يجوز لوزارة الداخلية إطلاق هكذا تصاريح دون البحث في نتائجها على السياحة وعلى نظرة المجتمع الدولي للمنطقة، وعلى نظرة باقي المواطنين اللبنانيين إلى بعلبك؟

الصورة ودلالاتها

تُفرّغ هذه الصورة منطقة بعلبك من تونع سكانها، فيُحصرون في كادر واحد نمطي تعميمي، ويعمل الإعلام على ترسيخ هذه الصورة من خلال الإضاءة على كل ما هو سلبي ومُنفر.

وعبر البحث أيضًا، نجد أن التقارير تُركز على إظهار صور لأطفال ومراهقين لا تتجاوز أعمارهم الـ15، يحملون الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، ويلبسون أزياء عسكرية ويضعون الأقنعة ويقودون سيارات رباعية الدفع دون لوحات وبزجاج مُعتّم. 

وهكذا يتم تضخيم الأخبار لتصبح المنطقة بؤرة مخيفة في نظر المشاهدين، ما يثير الخوف من زيارتها، ويخلق أحكامًا مسبقة بحق كل من أهالي بعلبك وإحالتهم إلى "بعبع".

فأصبحت صورة البعلبكي في الإعلام مترافقة مع المافيا والمسلحين والعصابات المختبئة في أعالي الجرود، ولديها مخابئ للأسلحة والمخدرات، ولديها معابر غير شرعية للتجارة بكل ما هو غير قانوني، وتهريب المواد من لبنان إلى سوريا ومن سوريا إلى لبنان. وارتبطت صورة البعلبكي بالقوة والبطش وألقاب وقبض الخوات والسرقة والتشليح بواسطة القوة والتهديد.

توظيف سياسي للثقافة

هل هناك خروج على القانون في بعلبك الهرمل؟ الإجابة: نعم. لكن هل هذا الخروج تعميمي؟ الإجابة: لا. فمن المسؤول عن هذا التدهور أو الثبات في الثقافة الشعبية منذ عام 1992 حيث تاريخ انتهاء الحرب الأهلية، وتاريخ أول انتخابات نيابية بعد الحرب؟

ما يقارب 30 سنة، ولم تعمل الأحزاب الفائزة على الدوام في منطقة بعلبك الهرمل، على تعديل مجرى الثقافة الشعبية بالتوعية على خطورة حمل الأسلحة، والأخذ بالثأر، والحد من جرائم الشرف بحق النساء، واستبدال بعض السلوكيات العشائرية بأخرى أكثر تقدمية.

على العكس من ذلك تم التعامل مع المنطقة على أنها غير موجودة على الخريطة من قبل أحزاب المنطقة، ففي لبنان لا وجود لما يُسمى "الدولة" خارج كيان الأحزاب الطائفية. 

وفي بعلبك لا وجود لفرع للجامعة اللبنانية الوطنية كي يتعلم أبناءها، وعليهم في المقابل أن يقصدوا زحلة أو بيروت لتلقي العلم والتخصص. على إثر ذلك، يمكن القول إنه ما جرى منذ عام 1992 في منطقة بعلبك الهرمل، هو خطة ممنهجة ضمن سياسة ترسيخ الفقر والجهل.

تسكت الدولة (القوى الأمنية والجيش اللبناني) عن خروقات بعض مكونات العشائر في بعلبك، بسبب قرار الأحزاب السياسية الحاكمة في المنطقة. ولسان حال الأحزاب: أي مواجهة بين الجيش اللبناني وبعض العناصر الخارجة على القانون سيؤدي إلى تململ الناس وخسارة أصوات انتخابية، ولذا تبقى الأمور على حالها كما بقيت على مدار 30 عامًا.

تُستغل بعلبك وتستخدم لخدمة مشاريع حربية وعسكرية، مع اعتبارها منبع للشباب المقاتل، لذا ليس ثمة أي مشاريع تنموية بها

كل ذلك يؤدي إلى خلاصة مفادها: تُستغل بعلبك وتستخدم لخدمة مشاريع حربية وعسكرية، مع اعتبارها مصدر للشباب المقاتل، لذا ليس ثمة أي مشاريع تنموية في المنطقة، ولا يبدو أنه سيكون قريبًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مساعٍ لبنانية لتقنين الحشيش.. تخدير المواطن مرتين!

الثأر في لبنان.. "مرحبًا" دولة!