تمرد بلوشستان يهدد طموحات أميركا في ثروات باكستان المعدنية
4 مايو 2026
دخلت الولايات المتحدة سباق الاستثمار في ثروات باكستان المعدنية عبر مشروع ضخم في إقليم بلوشستان، لكن هذا الرهان الاقتصادي والأمني يواجه تهديدًا متصاعدًا من جماعة "جيش تحرير بلوشستان" الانفصالية وذلك حسب تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز". حيث كثفت الجماعة هجماتها خلال الأشهر الأخيرة واستهدفت مناطق حيوية مرتبطة بمشروعات التعدين والبنية التحتية.
وتسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تعزيز حضورها الاقتصادي في باكستان عبر استثمارات تتجاوز 1.3 مليار دولار في مشاريع النحاس والذهب، في خطوة يُنظر إليها باعتبارها محاولة لمنافسة النفوذ الصيني الطويل داخل قطاع التعدين الباكستاني. إلا أن تصاعد العنف في بلوشستان يهدد بتحويل تلك الطموحات إلى مشروع محفوف بالمخاطر.
استثمارات أميركية وسط صراع معقّد
بدأ التقارب الاقتصادي بين واشنطن وإسلام آباد يأخذ منحى جديدًا بعد لقاء جمع ترمب بقائد الجيش الباكستاني المشير سيد عاصم منير داخل المكتب البيضاوي في أيلول/سبتمبر الماضي، حيث قدّم الأخير صندوقًا يحتوي على معادن وأحجار كريمة في رسالة رمزية حول الفرص التعدينية التي تمتلكها باكستان.
وبعد أشهر من ذلك اللقاء، أعلنت إدارة ترمب استثمارات بقيمة 1.3 مليار دولار في بلوشستان، الإقليم الذي يضم أحد أكبر الاحتياطيات غير المستغلة من الذهب والنحاس في العالم، وعلى رأسها مشروع "ريكو ديك".
يحتوي منجم "ريكو ديك" على نحو 13 مليون طن من النحاس و17 مليون أوقية من الذهب، مع توقعات بتحقيق أرباح تصل إلى 70 مليار دولار خلال العقود المقبلة
وترى واشنطن في المشروع فرصة استراتيجية لتأمين معادن حيوية تدخل في الصناعات التكنولوجية والطاقة، في وقت تتزايد فيه المنافسة العالمية على الموارد الطبيعية.
لكن هذه الاستثمارات جاءت في لحظة تشهد فيها بلوشستان تصعيدًا غير مسبوق من الجماعات المسلحة الانفصالية، وفي مقدمتها "جيش تحرير بلوشستان"، الذي بات يشكل أحد أخطر التحديات الأمنية أمام الدولة الباكستانية.
هجوم واسع هزّ بلوشستان
في 31 كانون الثاني/يناير الماضي، شنّ أكثر من 500 مسلح من "جيش تحرير بلوشستان" هجومًا منسقًا استهدف 18 موقعًا في 12 منطقة مختلفة داخل الإقليم، ما أسفر عن مقتل 58 شخصًا على الأقل، بينهم مدنيون وعناصر أمن.
وبحسب تقارير وتحليلات ميدانية، فإن الهجمات لم تقتصر على المنشآت الأمنية، بل طالت أيضًا طرقًا ومرافق مرتبطة بمشروع "ريكو ديك"، ما تسبب في تعطيل العمليات مؤقتًا.
واستخدم المهاجمون أسلحة أوتوماتيكية وقاذفات قنابل، بعضها من معدات عسكرية تركتها الولايات المتحدة في أفغانستان بعد انسحابها عام 2021. ويرى محللون أن العملية كشفت تطورًا نوعيًا في قدرات الجماعة، سواء من حيث التنسيق أو الانتشار أو القدرة على تنفيذ هجمات واسعة في وضح النهار.
"ريكو ديك".. كنز المعادن ومركز الصراع
يقع منجم "ريكو ديك" قرب الحدود الإيرانية والأفغانية، ويُقدّر أنه يحتوي على نحو 13 مليون طن من النحاس و17 مليون أوقية من الذهب، مع توقعات بتحقيق أرباح تصل إلى 70 مليار دولار خلال العقود المقبلة.
ويمثل المشروع حجر الأساس في الشراكة التعدينية الأميركية الباكستانية، كما يُنظر إليه باعتباره أحد أهم مشاريع المعادن الاستراتيجية عالميًا. لكن شركة "باريك ماينينغ" الكندية، المالكة لنصف المشروع، أعلنت تباطؤ تطويره حتى منتصف عام 2027 بسبب المخاوف الأمنية في باكستان والمنطقة. كما تحدث موظفون داخل المشروع عن تقليص العمليات بعد تعرض قوافل الإمداد والمعدات لهجمات متكررة من قبل المسلحين.
وترى غراسيلين باسكاران، الخبيرة في المعادن الحيوية بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن "جيش تحرير بلوشستان ليس تهديدًا هامشيًا، بل خطر رئيسي قد يحدد مستقبل المشروع بالكامل".
الحرب في إيران تزيد المخاوف
تتخوف السلطات الباكستانية من أن يؤدي التصعيد العسكري في إيران إلى تفاقم الوضع الأمني في بلوشستان، خاصة أن الحدود الممتدة بين البلدين تُعد من أكثر المناطق هشاشة وصعوبة في السيطرة.
ويعتقد مسؤولون باكستانيون أن أي فراغ أمني شرق إيران قد يمنح الجماعات المسلحة مساحة أكبر للتحرك وإعادة تنظيم صفوفها، فضلًا عن استهداف طرق نقل المعادن والمعدات المرتبطة بالمشاريع الأجنبية.
كما تنشط في الإقليم جماعات أخرى مثل "طالبان الباكستانية" وفرع تنظيم "داعش"، ما يزيد تعقيد المشهد الأمني ويضاعف الضغوط على الحكومة الباكستانية.
جذور التمرد البلوشي
يعود التمرد في بلوشستان إلى عام 1948، بعد ضم الإقليم إلى الدولة الباكستانية الحديثة رغم مطالب بالحكم الذاتي.
ومنذ ذلك الحين، تتهم جماعات بلوشية الحكومات الباكستانية المتعاقبة باستغلال ثروات الإقليم دون تنمية حقيقية، في ظل ارتفاع معدلات الفقر وضعف البنية التحتية والخدمات الأساسية.
ويقول سكان محليون إن الثروات المعدنية الضخمة لم تنعكس على حياتهم اليومية، بينما تستفيد الشركات الأجنبية والنخب السياسية من عائدات التعدين.
وخلال السنوات الأخيرة، تحوّل التمرد من حركة قبلية تقليدية إلى جماعات أكثر تنظيمًا تضم شبابًا متعلمين يتبنون خطابًا سياسيًا يربط بين "استغلال الموارد" و"الاستعمار الاقتصادي".
في المقابل، تواجه الحكومة الباكستانية اتهامات بانتهاكات واسعة في الإقليم، تشمل الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري بحق ناشطين ومشتبه بانتمائهم للجماعات المسلحة.
وتقول السلطات إن عدد المفقودين يبلغ نحو 195 شخصًا، بينما تؤكد منظمات حقوقية أن العدد الحقيقي أكبر بكثير. وأشارت الناشطة سامي دين بلوش إلى أن منظمتها وثقت أكثر من 1200 حالة اختفاء خلال عام واحد فقط، مضيفة أن عددًا محدودًا منهم عاد لاحقًا.
ويرى سياسيون محليون أن هذه السياسات عمّقت مشاعر الغضب والتهميش، وأسهمت في تعزيز نفوذ الجماعات الانفصالية بين الشباب.
مشروع أميركي على حافة الخطر
ورغم تصنيف واشنطن "جيش تحرير بلوشستان" منظمة إرهابية قبل أشهر من إعلان الاستثمار، فإن الهجمات المتكررة تطرح تساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة وباكستان على حماية المشروع الأهم في الإقليم.
ويؤكد محللون لنيويورك تايمز أن أي تصعيد طويل الأمد في بلوشستان أو توسع للحرب في إيران قد يؤدي إلى تجميد الاستثمارات الأجنبية بالكامل، ما سيشكل ضربة قاسية لطموحات باكستان الاقتصادية.
ومع اعتماد الشراكة الأميركية الباكستانية على مشروع "ريكو ديك"، يبدو مستقبل التعاون بين البلدين مرتبطًا إلى حد كبير بقدرة إسلام آباد على احتواء التمرد المتصاعد في بلوشستان، وهي مهمة تبدو أكثر صعوبة من أي وقت مضى.