تمدد الانتقالي الجنوبي ودور إسرائيل في المشهد يثير تساؤلات كبرى في اليمن
12 ديسمبر 2025
تشهد الساحة اليمنية توترًا متصاعدًا، بعد تشديد رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، على ضرورة انسحاب القوات القادمة من خارج حضرموت والمهرة وتمكين السلطات المحلية من إدارة الأمن والخدمات، محذّرًا من أن التصعيد الأخير وانتهاكات المجلس الانتقالي الجنوبي يهدد بتفاقم الأزمة الاقتصادية، خصوصًا بعد تعليق صندوق النقد الدولي أنشطته. ودعا العليمي إلى فتح تحقيق شامل في الاعتقالات والانتهاكات التي رافقت التحركات الأحادية، في وقت لم يُبدِ فيه المجلس الانتقالي تجاوبًا فعليًا سوى من أجزاء رمزية، وسط استمرار التظاهرات المطالبة بالانفصال.
سيطرة المجلس الانتقالي وتوسع النفوذ في الجنوب
يواصل المجلس الانتقالي الجنوبي سيطرته على مساحات واسعة من جنوب وغرب اليمن، في مشهد يتجاوز التنافس التقليدي بين القوى المحلية. فقد انسحبت القوات الحكومية والقوات السعودية من مواقع مفصلية في عدن، بينما واصل الانتقالي تعزيز نفوذه في ثماني محافظات، ما أعاد فتح ملف الانفصال وأثار تساؤلات حول احتمال اندلاع مواجهة كبرى مع الحوثيين بعد تضييق مصادر إمدادهم. وبين اتهامات بالتمرد وتحركات عسكرية على تخوم الشمال، يقف اليمن اليوم على مفترق حساس لإعادة صياغة خرائط السيطرة وموازين القوى، وسط غياب أي مسار سياسي قادر على احتواء الانفجار المقبل.
تدخل سعودي لاحتواء التوتر في حضرموت
تزامن هذا التصعيد السياسي مع تطورات ميدانية في محافظة حضرموت، بعد انتشار قوات تابعة للمجلس الانتقالي في مواقع كانت تديرها تشكيلات محلية، ما دفع الرياض إلى تكثيف تحركاتها وإيفاد لجنة عسكرية لعقد اجتماعات مع شيوخ القبائل والسلطة المحلية، في محاولة لضبط المشهد ومنع توسع دائرة التوتر.
وخلال أحد الاجتماعات، أكد رئيس الوفد السعودي، اللواء محمد القحطاني، رفض أي تحركات عسكرية أحادية داخل حضرموت أو محاولات فرض أمر واقع بالقوة، مشددًا على "تنسيق سعودي–إماراتي لدفع العملية السياسية نحو تسوية شاملة". وأوضح أن الجنوب يمتلك "قضية عادلة"، لكن نقل قوات من خارج حضرموت والمهرة يفاقم التوترات، لافتًا إلى ضرورة إسناد حماية المواقع العسكرية والمنشآت الحيوية إلى قوات "درع الوطن" المحلية.
يواصل المجلس الانتقالي الجنوبي سيطرته على مساحات واسعة من جنوب وغرب اليمن، في مشهد يتجاوز التنافس التقليدي بين القوى المحلية
تطورات ميدانية وانسحاب جزئي للانتقالي
تفجّرت التوترات الأخيرة عقب انتشار وحدات تابعة للمجلس الانتقالي في مواقع كانت تتولى إدارتها تشكيلات أمنية حضرمية، ما أثار حفيظة حلف القبائل ودفعه إلى السيطرة على منشآت نفطية في حقول المسيلة بدعوى "صون الثروات المحلية". وتوازى ذلك مع تحليق مكثف لطائرات الأباتشي السعودية فوق مناطق العبر والخشعة لتأمين الطريق الدولي نحو منفذ الوديعة.
وفي محاولة لخفض مستوى الاحتقان، نفّذ المجلس الانتقالي الجنوبي انسحابًا جزئيًا من بعض المواقع في جنوب حضرموت وواديها، في خطوة تهدف إلى إتاحة المجال أمام المسار السياسي الجاري مع الأطراف الإقليمية. وشمل الانسحاب محيط عدد من الحقول النفطية، بالتزامن مع وصول لجنة سعودية عقدت اجتماعات مع السلطة المحلية وممثلي القبائل أفضت إلى تفاهمات تضمن استمرار تدفق النفط.
ضغوط سياسية ومواقف متباينة
وصف رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي التحرك الأخير في جنوب اليمن والسيطرة على مساحات واسعة يمثل "انتصارات ميدانية"، قائلًا إنّ المجلس سيُباشر مرحلة ما سمّاها "دولة الجنوب العربي الجديدة".
وفي الوقت ذاته، رفع الزبيدي مستوى خطابه تجاه الحوثيين، معتبرًا أن محافظة البيضاء تمثل "مفتاحًا أمنيًا حاسمًا"، مؤكدًا استعداد المجلس لتقديم قواته وخبراته القتالية لدعم تحريرها. وقال إن "الهدف التالي هو العاصمة صنعاء بكل الوسائل الممكنة"، مشددًا على أن المعارك الجانبية "لم تعد مقبولة"، وأن الجنوب يشكّل "رافعة أساسية" لأي مواجهة واسعة مع الحوثيين.
ويضع المجلس الانتقالي نفسه في مواجهة مع مختلف القوى التي تُعدّ حليفة له، إذ إنه عضو في مجلس القيادة الرئاسي والحكومة التي يرأسها رشاد العليمي، الذي يرفض أي محاولة للتقسيم. كما وقّع 11 حزبًا ومكوّنًا سياسيًا يمنيًا بيانًا يندد بتحركات الانتقالي، مطالبين بوضع حد لـ"الاعتداء" على صلاحيات الحكومة الشرعية.
وبموازاة ذلك، يفاقم موقف الانتقالي الشرخ مع الحوثي، خصمه التقليدي، نتيجة رفض الجماعة لأي مشروع لتقسيم اليمن.
وتتسق تصريحات الانتقالي الأخيرة تجاه الحوثيين مع مواقف القوى الجنوبية، وتأتي كمحاولة لتخفيف حدّة الخلافات بين الأطراف الفاعلة في ظل انقسام واضح حول مستقبل الجنوب. كما تعكس سعي المجلس الانتقالي إلى إعادة توجيه المشهدين السياسي والعسكري، في وقت تُفسَّر فيه تهديدات العليمي للمجلس باعتبارها تصعيدًا خطيرًا، ما يدفع الانتقالي إلى الهروب إلى الأمام عبر توجيه البوصلة نحو الحوثيين.
إسرائيل في المشهد اليمني
يُعَدّ المجلس الانتقالي الجنوبي إحدى القوى اليمنية التي تمتلك قنوات تواصل مع الاحتلال الإسرائيلي، ويسعى ـ وفق تصريحات سابقة لرئيسه عيدروس الزبيدي ـ إلى التطبيع وإقامة علاقات رسمية مع تل أبيب. وقد أكد الزبيدي، في لقاءات سابقة، أن "إقامة دولة جنوبية ستمكّن من بناء علاقات رسمية مع إسرائيل والانضمام إلى اتفاقيات أبراهام"، معتبرًا أن شروط قيام دولة جنوبية مستقلة باتت متوافرة، وأن الانفصال عن الشمال سيمنح الجنوب حرية صياغة سياسة خارجية مستقلة، بما في ذلك الانضمام إلى "اتفاقيات أبراهام".
وبحسب صحيفة "التايمز"، أبلغ مسؤولو المجلس الانتقالي الجنوبي دبلوماسيين غربيين، خلال الأيام الأخيرة، أن اليمن لن يكون موحّدًا بعد الآن، وأنهم يستعدّون لإعلان دولة مستقلة في الجنوب. وأضافت الصحيفة أن قادة المجلس أرسلوا وفدًا للقاء مسؤولين إسرائيليين، لبحث ما وصفوه بـ"القضية المشتركة" ضد الحوثيين، في وقت يأمل فيه المجلس الحصول على دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يسعى إلى توسيع اتفاقيات أبراهام. ونقلت التايمز عن مصدرين أن المجلس وعد بالاعتراف بإسرائيل في حال الاعتراف باستقلال الجنوب.
ويعني ذلك أن سيطرة المجلس الانتقالي على الجنوب، وإمكان إعلانه دولة جنوبية مستقلة، قد يمنح إسرائيل نفوذًا مباشرًا في اليمن، ولا سيما في مناطق استراتيجية مطلّة على مضيق باب المندب وقريبة من الخليج العربي، ما يشكّل تحوّلًا جيوسياسيًا بالغ الخطورة، إذ يفتح الباب أمام نفوذ استخباراتي وعسكري على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
أبلغ مسؤولو المجلس الانتقالي الجنوبي دبلوماسيين غربيين، خلال الأيام الأخيرة، أن اليمن لن يكون موحّدًا بعد الآن، وأنهم يستعدّون لإعلان دولة مستقلة في الجنوب
احتجاجات جنوبية متواصلة
وفي خضمّ هذا المشهد، تتواصل في محافظة الضالع وعدن لليوم السابع على التوالي تظاهرات تطالب بإعلان استقلال الجنوب، في وقت يتعمّق فيه الجدل حول مستقبل المحافظات الجنوبية وسط مطالب سياسية متصاعدة، وضغوط اقتصادية وأمنية، ومحاولات إقليمية لحصر التوتر ومنع تمدده إلى مناطق جديدة.
في ضوء هذه التطورات المتسارعة، يبدو الجنوب أمام مرحلة غير محسومة بعد، إذ تتداخل الضغوط الإقليمية مع الحسابات الداخلية للمجلس الانتقالي، بينما تواصل القوى المحلية إعادة تموضعها بانتظار ما ستسفر عنه المفاوضات ومسارات القوة على الأرض. وبين انسحابات جزئية تُقرأ كخطوات لخفض التوتر، وتصعيد ميداني يشي باستعدادات لمعركة أوسع شمالًا، يبقى المشهد مفتوحًا على كل الاحتمالات.
فهل يمضي المجلس الانتقالي في مشروعه نحو الانفصال مستفيدًا من السيطرة الجغرافية والزخم الشعبي؟ أم يتراجع خطوة إلى الخلف ريثما تتضح ملامح الترتيبات الجديدة؟ سؤال تتوقف إجابته على اللحظة التالية في بلد اعتاد أن تتغير خرائطه مع كل تطور سياسي أو عسكري.