تمارين على المنفى

تمارين على المنفى

فيصل سمرة/ السعودية

عام مليء بالأحداث الفارغة، لفظت من بلدي بإرادتي.. ليلة الثامن والعشرين من شباط، العام الماضي، علمت أنها ليلتي الأخيرة تحت سماء دمشق الرمادية. لم أقبل أبي.. ودعته على الهاتف، وصل متأخرًا وكان علي اللحاق بالتاكسي الذي سيقلني إلى مطار بيروت، أمي في عملها انتظرتني. ارتديت معطفي الأحمر الذي حولته إلى بطانية فيما بعد، وكنزة صوفية، أزعجتني أكمامها فقصصتها!

جلست مع أمي في بهو المؤسسة، بعد رحيل الموظفين. لا صوت إلا صدى الأمطار التي بدت حزينة، وبعض الأضواء الباهتة التي استقرت على أطراف الأثاث لتزيد من وحشة المكان. قالت لي: "لا تعودي.. انطلقي وابحثي عن نفسك". ربما خذلتها في هذه الجزئية رغم ثقتها الكاملة بي. فلم أجد نفسي لليوم. بل أضعتها أكثر خلال الأشهر القليلة الماضية.

أتذكر أيامي الأولى في مدينة كرتونية، ملونة! مجموعة قمامة على هيئة بشر، اختلطت بهم. نجاني الله من البقاء معهم لفترة أطول، لكن في قلبي حبة انتقام تجاههم تكبر، أريد أن أمحوها، فلا تعلق آثارها علي. بدوت قاسية، لئيمة، ووقحة، لا أجيد التمثيل. كرهت أشكالهم، كلماتهم التي جاءت على شكل قيح ينز من فخذ معزة ملتهب، غباء وفراغ، لم أتودد لأحد. لذلك تعبت في تأمين فرصة عمل.

أشتاق إلى البداية، رغم رغبتي النارية بلكم كل من التقيت به أولًا، وشواء عيونه في حقل قمح، حسنًا ليس لهذه الدرجة. أيام لا تختلف كثيرًا عن اللحظة، فما زلت أشعر أني ورقة معلقة على غصن شجرة، الرب يشدني للتماسك، والرياح تلعب بي، لا أعرف هل سأسقط، أم سأتحول لفراشة وأطير بعيدًا عن الوحل.

خفت كثيرًا ألا يبقى في جيبي نقود للعودة، وأنا أنتظر عملًا بنهم. ليال قضيتها أنظر إلى سقف البيت النبيذي، الحمام الذي لا أعرف من استخدمه قبلي. من ألقى أعقاب سيجارته بزاوية النافذة، من نام على السرير لاصقًا جسده عليه، قتلتني فكرة أن جسدي يطفو فوق بقايا جلد غريب! أنزل الشارع بسترة خفيفة وشعر معقوف ككرة الصوف. وأبدأ البكاء بصوت مرتفع، لم يهمني أحد، دموع غريبة أمتعتني.

حيطان الأبنية هنا تخترقها الأصوات والتنهيدات، مكشوفون نحن لدى الجميع بكل حركاتنا، حاولت كتم أنفاسي كي لا يسمع أحد بكائي، كان حادًا صاخبًا، كتلك الليلة التي فضلت أمي، أختي عند ذهابها لزفاف أحد الأقارب، وتركتني وحيدة في المنزل، بكيت حد الانفجار. راودتني أفكار مجنونة هستيرية، أيقنت أني لن أنفذها، لكنها أحبت دومًا اللعب في مخيلتي، المهم لا أريد العودة إلى المكان الذي أحب وأعشق، لأكثر من جرحني وخانني "دمشق".

ثقتي بنفسي كبيرة جدًا بعكس ما أظهره، ربما تحولي لطفلة لا تفهم الكثير، خائفة، غبية في بعض الأحيان، وتحتاج إلى الحماية الدائمة حيلة أتلاعب بها بمن حولي، لأخفف أعباء علي القيام بها بنفسي. حيلتي الجميلة تنجح دائمًا. لدرجة أنها لم تعد حيلة، أصبت بها وصار صعباً علي التخلص منها.

كنت قد بدأت التدخين على سبيل التسلية، ترافق ذلك مع رياح تصفق داخل جدران عقلي، لا أريد الكتابة ولا التصوير، ولا حتى مشاهدة الأفلام. لا أرغب بشيء، أريد فقط أن آكل وأنام. أجلس أمام شاشتي الصغيرة أتتبع أخبار فنية سخيفة، كمراهقة في الثالثة عشرة من عمرها تلاحق نجمها المفضل، ربما لو وجدت مسابقة عالمية لتضييع الوقت حتمًا لنِلت المرتبة الأولى، لم يكن هناك معنى لوقتي، تفاصيلي، أبحث عن شيء جديد أتعلق به لأستطيع الإكمال. قد تكون إحدى أكبر مآسي حياتي، أني أربط سعادتي بشيء آخر.. شخص أو حدث، لا أخلقها بنفسي. 

عندما تأتي إلى تركيا وأنت صحفي ستدرك أكثر حجم الفجوة بين ما يجري على الأرض في سورية، من موت مجاني رخيص، دماء وأجساد مستباحة للجميع، قسوة معيشة وعذابات لا تبدأ بمدفأة حطب صغيرة ولا تنتهي بمجازر جماعية.. وبين حياة سوريي الخارج.

هنا يأتون لعقد دورات سلم أهلي، مناصرة وحشد، وأشياء أخرى لا معنى لها، أعمال إنسانية صبغت بالتجارة والتسويق، وتكديس المزيد من الأموال، ونساء "قياديات" برؤوسهن المنكوشة، يعلمن سيدات جائعات أميات معنى السياسة واتخاذ القرارات بخطوات ثلاث. الحياة بسيطة!

فيأتي المعذب من أرياف سورية، بثياب رثة تغطي بدنه، مع حذاء معفر مغبر، ثنى آخره ليلائم كعب قدمه المتشققة، لا يصدق نفسه، يقف متلعثمًا خجلًا، لا يعرف التصرف في الفندق الفخم الذي سيبيت به أيام قليلة، انبهار يخرج من عينيه، محاولًا كتمه، والأخيرتين تفضحانه، يظهر ذلك جليًا في تصويره لكل زاوية من الفندق، حتى أحجار الزينة في الزوايا، وعلب الماء والمحارم!

يأخذ دروسًا لا تقدم ولا تأخر، عن مدى الإجرام والوحشية التي تحصل على الأرض، وتحويلها إلى أحلام وردية، كيف تصبح القذيفة إناء للأزهار؟ وغيرها من الأشياء المبتذلة. 

لا يعنيه الأمر في شيء، لكنه يريد الاستراحة من رحلة القتل السورية في مكان مريح، مع وجبات مليئة باللحوم التي يشتهيها في الداخل، وهكذا إلى أن يعتاد الأمر ويصبح من المنظمين لتلك المؤتمرات والتدريبات. فتشاهده مرة أخرى، مستلقيًا أمام المسبح، وقد تضاعف بطنه مرات عديدة، يمسح شعر جسمه الكثيف بالزيوت، يدخن الحشيش، ويشرب كوبًا من عصير برتقال، مع شمسية ملونة علقت بطرف الكأس، يتحدث عن تضحيات الثورة السورية، منظرًا عما يعيشه أهله في الداخل. مع بضع كلمات إنجليزية حفظها من داعميه. مفارقات مضحكة حد البكاء. نسي قضيته، لم يعد يهمه إلا تكديس بعض الدولارات للتوجه إلى أوروبا.

أن ترى ذلك بعينك، يشعرك للحظات بخيانتك لنفسك، لوطنك الذي نذرت أن تفديه بنفسك إن استطعت. أستيقظ كل ليلة بلا شعور، أريد فقط أن أرتدي ثيابًا مريحة، أغطي وجهي وأنزل لقتل من يقتل الضحكات في بلدي، لأنهي عذابات أشعر بها، وأيام أخرى، أتذكر حلمي الذي بدأ يتبدد بفوضى اللا شيء. مئات الأحرف تتكثف في رأسي مشكلة أسئلة لا جواب لها اليوم، أنتظر وأنتظر، لأثق بخياري وما أريد أن أكون، واثقة بوصولي.