تلك السيارة الزرقاء

تلك السيارة الزرقاء

وفا حوراني/ فلسطين

لم أجد أعجب وأغرب من مفهوم الحياة وأهوالها سوى مفهوم الموت المبهم! الليلة الماضية تلقيت خبر وفاة صبية، قضت ثلاثين عامًا لم تكتب لها سواها وتركت خلفها في دنيانا الرثة ثلاثة أطفال كبيرهم يبدل أسنانه، وصغيرهم لم ينطق اسمها بعد، تركتهم برفقة زوج يرق له القلب لدماثة خلقه وحسن طالعه، رجل تحدق في وجهه فترى السلام على محياه.

أدعو لولو صبية لأنها كانت ولبثت صبية في نظري، عرفتها في صباها، فقد كنا في ذات المدرسة وكنا ننتظر الحافلة كل صباح على نفس المحطة القريبة من حارتنا، لا أذكر إن تحدث أحدنا مع الآخر مباشرة في حياتنا، ربما حدث ذلك مرة واحدة ولكنني لا أذكر السياق، فلم أحتج قبل اليوم بأن أستذكر ذلك الموقف، إن كان أصلًا، فبات ضبابيًا.

كانت حسناء سمراء رقيقة، خجولة هادئة وقوية، لم أجرؤ كما لم يجرؤ أحد من الصبيان على الدنو منها والتحدث إليها، فقد أحاطتها هالة من النور العلوي أزاغت عيون الناظرين فأفزعتهم. أذكرها واقفة واثقة مستقرة بانتظار الحافلة، ثم جالسة بوقار على مقعدها المعروف في طريقي الذهاب والإياب.

منذ زمن بعيد انتهى عهد المدرسة، ولكنني بقيت أراها في طريقي الى العمل كل صباح، كل يوم.. كانت أكثر شيء طبيعي أصادفه على الطريق. لم أحدثها، فقد كانت هي في عالمها الدافئ الشفوق المستقر مع عائلتها المحبة، وأنا في عالمي السريع الملتهب المتأجج المضطرب كما عرفته هي وكما عرفه كل من عرفني منذ عهد المدرسة.

لم أحمل في قلبي نحوها سوى ود واحترام ومهابة.

ليلة أمس هزني خبر وفاتها إثر نوبة قلبية عندما أخبرتني بذلك أمي، كررت سؤالي بإلحاح إن كانت متأكدة مما تقول! تأكد الخبر ولكنني ما زلت غير قادر بأن أتصور كيف لن أراها بعد الآن في سيارتها الزرقاء تمر مقابلي غير عابسة وغير مبتسمة.

لم أفكر بذلك من ذي قبل، ولم أكن أبالي عندما كنت أراها. ولكن.. كيف انتهت؟ 

كيف تلاشت؟ 

أإلى الأبد؟! 

ما هو ذلك الأبد؟

وأين هو؟

أهو بعيد؟

وما الحكمة في المغادرة إلى هناك؟

وما حكمة الخلود إلى ذلك الأبد؟

اقرأ/ي أيضًا:

من شاعرٍ شاب إلى محمود درويش

الخريف من معارفي