تيوفيل شتاينلن/ سويسر

تضغطني الأجساد المنهكة أمام الفتحة الضيقة لشباك التذاكر بمحطة القطار بعد يوم عمل طويل، أخرج من حقيبتي الجلدية الصغيرة تحت إبطي الأيمن المصحف الأخضر المزركش، فالبطاقة المتهالكة، فالنقود لأخرج قيمة التذكرة.

أناولها للموظف ذي النظارة السميكة والعينين اللتين اصفّر بياضهما، فيناولني التذكرة في آلية، أتملص خارجًا فتتعالى الأصوات الخشنة المتذمرة بينما تضغط أصابعي أشيائي لأضعها في الحقيبة في حرص وبنفس الترتيب.

 يهدر القطار وتعلن خبطاته المنتظمة قرب بداية الرحلة اليومية، فأحث الخطى نحو عربات القطار الجاثمة فوق القضبان الحديدي الصدئ الممتد إلى الأفق.

التفت إلي شاب طويل حاد القسمات يتابعني بنظراته، فيحملق في قضبان القطار بلا داع، يرتدي قميصًا فضفاضًا وبنطلون جينز، ويحمل فوق كتفه حقيبة جلدية متوسطة الحجم تتدلى حتى وسطه.

أتناسى الأمر وأستقل العربة قبل الأخيرة، أنحشر بين الأجساد حتى أستطيع اللحاق بمقعد خال، لألقي بجسدي المتعب فوقه فلا أجد سوى مساحة ضيقة أحشر جسدي وسطها.

اعتدت رائحة العرق وأصوات ضجيج الآلات، فلم تعد تطرح في ذهني أية تساؤلات، يسري في جسدي اهتزاز العربات المعدنية واصطكاكها حين تبدأ في الحركة، تتمايل الأجساد المكدسة عبر الممر الضيق الممتد بين المقاعد.

السماوي الداكن يلقي بعباءته الثقيلة فوق المباني المرتفعة المجاورة من خلف النافذة المستطيلة محطمة الزجاج متآكلة الإطار، بينما تبدأ أعمدة الإنارة الفضية الباهتة في التسارع لتتداخل مع جذوع الأشجار وجدران المباني المبنية وسط الغيطان الخضراء.

أعيد الحقيبة تحت إبطي بعد أن أخرج منها المصحف الأخضر، أفتح صفحاته لأصل ما انقطع من تلاوة الأمس بنفس الصوت الجهير مختلسا النظر كالعادة بين الحين والآخر للبحث عن ردة الفعل المنشودة ، فتطالعنى وجوها مرهقة مرتخية العضلات وأعين مسدلة الجفون من فرط الإجهاد.

يعيشون بين ضلال الشهوات وضلال الشبهات

أقولها في نفسي وأرفع صوتي في التلاوة، نفس الشاب حاد القسمات الذي كان يراقب القضبان يراقبني في صمت، أمنّي النفس أن تكون هذه هي ردة الفعل المنشودة منذ زمن في عالم غابت عنه لذة الصحبة في اليقين، أبدأ في الترقيق من صوتي والتحسين من تلاوتي بينما أراقبه بطرف عيني، فأجد ازدياد اهتمامه وتمعنه.

يصل محصل التذاكر النحيل إلى حيث يجلس الشاب ويطلب التذكرة، فيناوله إياها وآثار الاستحسان لا تزال على وجهه، ثم يتقدم المحصل نحوي فأناوله التذكرة أنا الآخر بينما أنا مستمر في التلاوة، فيمط شفتيه ويشطب ظهرها ويعيدها، يعتدل الشاب واقفًا حاملًا حقيبته، يقف إلى جواري واضعًا حقيبته بين قدميه دون مقاطعتي بلفظة واحدة.

أخيرًا.. هناك من يبحث عن يقين!

أقولها في نفسي والنشوة تسكر عقلي، وقد قررت التحدث إليه بمجرد انتهائي من التلاوة.

تتباطئ أعمدة الإنارة وتهدأ الخبطات وأصوات الاصطكاك ليستقر القطار على رصيف المحطة التالية، فيحمل الشاب حقيبته ويعلق باسمًا بصوت خافت

أحسنت.

ثم يسير عبر الممر المزدحم ليخرج من الباب الجانبي ويذوب وسط زحام المحطة تشيعه نظراتي الظافرة الآسفة، يخف الزحام قليلًا فأتحسس حقيبتي الصغيرة تحت أبطي لأضع المصحف في فلا أجدها، تتسارع أعمدة الإنارة من جديد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

من يأتي لنا بوطن بديل؟

ساعي بريد