تمام عزام/ سوريا

انْحَنَيتُ وتقوّستُ على كوْم التراب، قبّبتُ ظهري عليه، فرشتُ ذراعيّ، احتضنتُ التراب، احتضنته جدًا بقدر ما كان يضمّني بين ذراعيه على جرف شط الشامية. هذه أمنيته التي لم أحققها له. هذه أنا أحققها الآن. حتى إنني نمتُ معه حتى الصباح.

لا يُطرب روحي في هذا الوجود شيء سوى هفيف اقدامه الهارعة إليّ. هسهسة حريرية كـزفرات هواء خارجة من فم طفل رضيع. يأتيني مُتعبًا من أهوالِ الحرب التي يخوضها في صفوف الجيش العراقي لطرد زُمر الإرهاب التي تريد هدم الإنسان والأوطان. كان دائمًا ما يقول لي في أيام إجازته: أن هذه الزمر تحاول تدمير أي بلدٍ من رواد الحضارة الإنسانية وعزلها عن مسيرة الازدهار الإنساني، عصابات إجرامية تُعيث بالحضارات، تُلغم الحياة بمفخخات الموت، تشنق الرافض لوحشيتها من المواطنين الضعفاء، تُفخخ الأطفال وتجندها للعمليات الانتحارية في الأسواق والحدائق العامة، تغتصب العقول وتلوث هواء الروح بزفرات الكراهية والدمار، تسبي النساء وتسرق وجود الإنسان تحت لافتات الدين. هذه الزمر مهمتها ان تحرق المواطنين بنيران الغيب بعد ان يصيّروا منه حطب يا حبيبتي.

يأتيني بشوقٍ دافق بعد أن يعبر المدن والانهار والصحراء والاخطار، شوقٌ واضح، كنجمة وحيدة تهرول في ليلٍ مُعتم. رائحة البارود عالقة بثيابه ولكن رائحة اشتياقه لي تتغلب عليها في مسافة الهواء الذي بيننا، أستنشقها من بعيد، أشعر وكأن كل القرية تنتظره، المزرعة، نخيل الديري، حقول العنبر، الجدات، الأطفال، بيوت الطين والقصب، النهر، حديقتنا والثّيل الذي يحيط بها. كأنه مرآة سعادتي حيث يتجلى فيه إله الحياة بكل فيضه. حين أشهق زفير خطواته ينتابني سُكر. أهرول نحو الحديقة الخارجية لأستقبله، يتلصص بنظرِه فيراني، يقذف حقيبته العسكرية ويتقدم إليَّ بخطواتٍ غير منتظمة، يدغدغني بشوقِه في الحديقة ونُدحرج أجسادنا على الثّيل. يتوسط حقول الشلب ويغني لي وللأرض والماء. نسكرُ برائحة رز العنبر الممزوجة بهواء ريفنا الساحر. ريف الشامية الذي ولدنا وترعرعنا فيه. يخلع الحزن الذي يلتحف أجفاني بأصابع بشاشته، يركل كريات الهم السمراء من أوردة أفكاري نحو العدم. ينظر اليّ كأول نظرة أم الى طفلها الوحيد بعد الولادة، نظرة تجعل جلد الضحك يقشعر، تتبثر القهقهات داخل خصلات مشاعري، يتسلق بنظرته على وجهي، يتعثر في كل نقطة ويعاود التسلق، يدنو ليضمّني بين أضلاعه فأتزحلق من بين ذراعيه، دلعي يغويني فأنحني، أتمايل وأتقوّس حين يحاول احتضاني بقوة، ينحني عليَ ويتقوّس جدًا، يلتوي حولي، تهطل زخات كلماتِه على سطح أعماقي فتتبلّل روحي قبل أن يرشقني بقُبلة من شفتيه الدافئتيّن. بأطراف أصابعه يستنطق خصري. يسرق مني قُبلة، تتعثر شفتيه بخالٍ يتوسط رقبتي فيبقى عالقًا، ما أن يُحرك شفتيه حول رقبتي حتى يتعثر بخصلة من شعري فيسرق قُبلة أخرى قبل أن يستقيم، يغمرني بحنانِه، تسكر أرواحنا بخمرة مستخلصة من مسك العنبر وأصوات البلابل التي تتناسل في هذه الطبيعة، إنها نشوة الوجود خارج الجسد. يقذف على وجهي ضحكته الكبيرة، يُداعبني ويقول:

-يا محبوبتي جوهرة متى تتقوسين أنت عليّ؟ قضيت عمري وأنا أتقوّس عليكِ وألتوي...

بهذه الكلمات يحدثني وضحكته تذوّب كل ما يكّدرني. يُلملمني بين ذراعيه ويقذفني عاليًا، يتمدد على الثّيل سريعًا فأسقط على صدره ضاحكة. وأنا أتغنى بألطاف روحِه الرائجة قال لي:

-حبيبتي جوهرة، سأرجع الآن إلى واجبي العسكري؛ قاطع فرقتنا فيه إنذار وأوقفوا الإجازات.

-لكن، يا حبيبي أنت اليوم وصلت لنا ومرّ عليّ واحد وعشرين يوم أنتظرك كطفلة ضائعة في الصحراء تترقب أمها! ظَلّ معي ولو هذه الليلة فقط، لخاطري وخاطر جنينك الذي في بطني لا تذهب اليوم يا صالح.

انهمرت دموعي، مسحها براحة كفِه الطفولية وقال:

-حبيبتي جوهرة، صدّقيني لا أستطيع، أتيت لأطمئنكِ حتى لا تقلقي عليّ، أصلًا لا أعرف كيف استطعت الوصول لك؛ وضع الحرب متأزم جدًا، لكن شيئا بداخلي كان يهرول لكِ مثل طفلٍ يهرع نحو ثديّ أمه من شدة الجوعِ فأتيت معه.

أخذ مني قُبلة متحركة ثم ضمّني إلى صدرهِ الفائض بالأمان، مسحّ قبعته العسكرية بالقطراتِ البلورية التي تتساقط من مآقي عيّني؛ لتسقيه حين يعطش رأسه في الحرب، أخذْ شَعرة من ضفيرتي، لفّها على عنقه ومضى.

قبل أن أرشق خلفه الماء رشقت وجنتاي بالدمعِ، أشعلتُ شمع الآهات في عُتمة حنجرتي، بدأت تتزاحم أقدام الخوف من الحربِ في قلبي من جديد، رجعت إلى غرفتي وكأنها تحولتْ إلى ناي تنفخ فيّ تراتيل سفر المحبوب، رحت أناجي الرب وادعوه أن يُرجع لي صالح سالمًا من الحربِ فأنا خائفة جدًا، مرّتْ عليّ ليّلتان ولم أتناول سوى الاكتئاب من وحدتي وغياب إنس إنسانيتي.

ما أن حلّ صباح اليوم الخامس على ذهاب صالح حتى أيقظني صِراخ أطفال القرية قرب الخان، نهضتُ مُرتبكة، خرجتُ من الغرفة وتلصصت من ثقب الحائط الطيني، الرجال تتراكض، النساء تترادم، انتابني شعور ليس له أسم في مِعجم الوجدان، الأطفال تهرول باتجاهٍ واحد، فتحت الباب الخارجي وسألت أحدهم: ماذا هناك؟ ولِمْ تركضوا وتصرخوا؟ قالتْ لي طفلة:

-سمعتُ أمي تقول هناك سيارة عسكرية قادمة، عليها نعش مُغطى بعلم العراق، السيارة مرّتْ من خلف البستان باتجاه القرية. أكملت الطفلة هرولتها، سقط نيزك من فضاء تصوراتي على أقدام حركتي، هرعتُ من الحريق، سقط أمامي نيزك آخر، ارتطم به ذهني وسقطتُ على وجهي، نهضتُ مجددًا من شِدة لهيب النار الذي قذفته عليّ فضاء التصورات. أتعثرّ بأحجار ظنوني ثم اقفز عليها وأكمل، القرية كُلها تصرخ، هناك جنازة لشهيد، الأطفال يبكون، النساء جميعهنَّ يلطمنَّ على وجُوهِهنَّ وكأنه ولدُهنَّ جميعًا، اقتربت بينهم، سقطتْ روحي دُفعة واحدة.

عندما رمى شيخ العشيرة عقاله وقال إنه البطل الغيور صالح، أستشهد بعد إنقاذ صاحبه من رصاصة القناص، الصرخة التي في صدري حبستها جيدًا لأنهم خاطئون: أنه ليس حبيبي صالح ووطني الدافئ. أليْس عيبًا عليكم أن تكذبوا! أنهُ ليس حبيبي، افتحوا التابوت حتى أُبيِّن لكم زيفكم هذا، هيا ارفعوا العلم.

رفعوا العلم عن وجهه، آه، صرختُ بحنجرتيّن واحدة لي والأخرى للجنين الذي في أحشائي، آه يا صالح آه يا الله لقد اختنق الهواء الذي نفخته فيّ من روحك، منعوني من احتضانه، ندبته وخمشت وجهي عسى أن يستيقظ؛ كان يخشى على خدّيّ من خشونة الهواء. أصحابه يلطمون على وجوههم براحة أيديهِم كما تلطم النساء في طقوس العاشر من محرم؛ جميعهِم تبلّلوا بقّبلته وتلذّذوا ببشاشته، النساء تصرخ، الأطفال يسيلُ من مآقي عيونهِم الدمع على شكل ذكرياتٍ بلّوريّة؛ كان الوحيد الذي يلعب معهم الكرة ويأخذهم للسباحة في شط الشامية أثناء إجازته. آه يا وطني وصالح وجودي.

رفعوا الجثة على أكتافهِم، مضوا بها حيث مثواها الأخير، الصراخ يتعالى ولا زلت أكذب ما يحدث، لا أستطيع تصديق هذا يا صالح، تعال وقل لهم إن هذا مجرد مزاح منك، تعال قبل أن يخنُقك التراب يا حبيبي، كل الأطفال لعبت معهم، لماذا لم تلعب مع طفلك الذي سيأتي إلى الدنيا؟ من سيراه في لحظة دخوله لهذا العالم؟ منْ يُغرس الضحك في غمازة خدِه يا حبيبي؟ منْ يمرح معه؟ منْ يهزّ مهده حين يبكي وأنا أحضّر له زجاجة الحليب؟ من يسقيه ماء الأُبُوَّة؟ آه يا صالح، طفلك سيولد معاقًا من دون كلمة بابا... لماذا يا صالح رحلت؟ ألمْ اقل لك ابقّ من أجلنا ولا تذهب هذه المرةَّ، ولكن كُنت تحب العراق جداً يا حبيبي، وتهمّ لديمومة بشاشة أطفال هذه البلاد لدرجة لا يُسعفني الذهن على أن أتصور عُمق حُبك للأطفال عندما كنت تسرد لي حزنك لحظة مشاهدتك مخيمات الاطفال وتركهم لمدارسهم وبيوتهم بسبب الحرب.

 بعد مواراته الثرى، ذهبَ الجميع إلى بيوتهِم، أنها ليلة الوحشة على حبيبي وعلى القرية كلها، هرولتُ نحو القبر لأحقّق أمنيته التي كان يرددها حين يمدني على ثّيل الحديقة وحين كان يحضنّني بين حقول العنبر وترقص فوقنا الفراشات، كنتُ مستعدة لأحققها له في إجازته لكن الحياة ركلتني بموته، وها أنا أحقّقها الآن. تقوّستُ على قبره، انْحَنَيتْ، قبّبتُ ظهري عليه، فرشتُ ذراعيّ، احتضنتُ التراب، احتضنته جداً بقدر ما كان يحضنُ خصري على جرف شط الشامية، نمتُ هناك، أمطرتْ السماء، همستُ لهُ: حبيبي صالح تعال وغطيني، المطر كثيف والبرد لا يرحم، ألا تخاف على طفلتك وجوهرتك الوحيدة أن تمرض؟ الا تخاف على الجنين الذي سيحمل اسمك؟

آه يا صالح، الحرب وحدها كافرة، لقد قتلتْ المحبوب والحبيبة وطفلهما، لقد جرحت البستان وأوجعت الشط وأبكت أطفال القرية وعجائزها، الحرب قتلتني يا صالح، سيضحك لك الموت بأسنان الخلود يا حبيبي، أما نحن فالحياة لا تضحك لنا بعد رحيلك، وأن ضحكت فستكون ضحكتها بأسنانٍ متوحشة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تلك الدماء للتلوين

كيف لأحلامنا الكبيرة أن تموتَ معنا بنصفِ عمر؟