تقرير هولندي: كيف تغذي تجارة الصمغ العربي الحرب في السودان؟
28 نوفمبر 2025
كشف تقرير نشرته منظمة "PAX" الهولندية، في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، صورة معمّقة لكيفية تحوّل تجارة الصمغ العربي في السودان من قطاع زراعي تقليدي يعتاش عليه ملايين السكان، إلى عنصر حاسم في اقتصاد الحرب ورافد مالي مباشر لأطراف الصراع—خصوصًا قوات الدعم السريع—من خلال النهب والجبايات والتهريب، وصولًا إلى سلاسل الإمداد الأوروبية التي تواصل استقبال الصمغ السوداني رغم الحرب وآثارها المأساوية.
ويشير التقرير الذي أصدرته المنظمة الهولندية، التي تعني بحماية المدنيين من عنف الحروب، إلى أن الصمغ العربي، المستخرج من أشجار الهشاب والطلح، يُعد مادة لا غنى عنها في الصناعات الغذائية والدوائية ومستحضرات التجميل، إذ يدخل في إنتاج المشروبات الغازية والشوكولاتة والأدوية ومعاجين الأسنان والمنتجات الغذائية والطبية. ويعتمد العالم بدرجة كبيرة على السودان، الذي كان ينتج قبل الحرب نحو 70–80% من الإمداد العالمي.
الصمغ في قلب الحرب السودانية
منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، أدى الصراع إلى مقتل أكثر من 150 ألف شخص وتشريد ما يزيد على 12 مليونًا، في ما وصفته الأمم المتحدة بأنه أكبر أزمة إنسانية في العالم. وفي هذا السياق، أصبحت السيطرة على الموارد—ومنها الصمغ العربي—جزءًا أساسيًا من الاقتصاد الحربي. ويُظهر التقرير أن مناطق إنتاج الصمغ في كردفان ودارفور تقع بمعظمها تحت سيطرة قوات الدعم السريع، ما أتاح لها التحكم في التجارة والجبايات ومسارات العبور.
قوات الدعم السريع والسيطرة المنهجية
قام عناصر قوات الدعم السريع بنهب ما يقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان من مخازن الصمغ، بما في ذلك ثلاثة آلاف طن من مخازن شركة "أفريتِك". كما فرضوا رسوم عبور تتراوح بين 500 و2500 دولار للشاحنة، بالإضافة إلى "الزكاة" المفروضة على التجار. وقد حوّلت هذه الجبايات، إلى جانب سيطرتهم على طرق النقل، تجارة الصمغ العربي إلى نشاط تديره جماعات مسلّحة بطرق منظمة.
منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، أصبحت السيطرة على الموارد، ومنها الصمغ العربي، جزءًا أساسيًا من الاقتصاد الحربي
التهريب إلى دول الجوار
بسبب المخاطر الأمنية والرسوم الباهظة، لجأ التجار إلى تهريب الصمغ عبر تشاد وجنوب السودان ومصر وليبيا، وهي طرق كانت موجودة قبل الحرب لكنها تحوّلت اليوم إلى جزء من اقتصاد ظل واسع. ويشير التقرير إلى أن ما يصل إلى 70 ألف طن من الصمغ يعبر سنويًا من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع باتجاه الحدود التشادية، بينما يصل نحو 40 ألف طن إلى مصر وليبيا عبر طرق صحراوية.
ويُباع الصمغ في هذه الدول بوصفه إنتاجًا محليًا، رغم أن معظمه يأتي من السودان، ما يتيح للتجار الأوروبيين استيراده بشكل "نظيف" من الناحية الورقية دون الحاجة لإثبات صلته بالحرب.
الأسواق الأوروبية ودور الشركات
يُسلّط التقرير الضوء على أن شركات فرنسية وألمانية، مثل (Nexira) و(Alland) و(Robert) و( Wolff)، تهيمن على أكثر من نصف عمليات معالجة الصمغ على مستوى العالم. ورغم تأكيد هذه الشركات التزامها بسلسلة توريد "مسؤولة"، تشير الأدلة إلى صعوبة التحقق فعليًا من مصادر الصمغ، خاصة في ظل انتشار التهريب وخلط الصمغ السوداني بمنتجات دول الجوار.
وتؤكد هذه الشركات أنها لا تشتري "صمغًا مهرّبًا"، إلا أن تجارًا محليين يؤكدون أن معظم الصمغ المتداول خارج السودان هو في الأصل سوداني، جرى تمريره عبر طرق غير قانونية، ولا يمكن تمييزه عن الإنتاج المحلي لدول الجوار بسبب غياب الوثائق الرسمية.
التشريعات الدولية وضعف الرقابة
يبيّن التقرير أن التشريعات الأوروبية المتعلقة بسلاسل التوريد—مثل قانون اليقظة الفرنسي (Loi de vigilance) والتوجيه الأوروبي الجديد للالتزام بالاستدامة—لا تزال غير فعّالة في التعامل مع سلاسل التوريد القادمة من مناطق النزاع، إذ تركز على الجوانب البيئية والعمالية دون معالجة اقتصاد الحرب أو التمويل غير المباشر للجماعات المسلحة.
ورغم أن شركات كبرى مثل "لوريال" (L'oréal)ملزمة قانونيًا بتطبيق معايير صارمة، فإن تقاريرها لا تشير إلى الصمغ السوداني، ما يكشف فجوات كبيرة في التطبيق والشفافية.
دعوات لمحاسبة الشركات وضمان عدم تورّط سلاسل التوريد في الحرب
يخلص التقرير إلى أن الصمغ العربي أصبح مصدرًا ماليًا رئيسيًا في الحرب السودانية، وأن أجزاء واسعة من سلاسل التوريد العالمية باتت متورطة—بشكل مباشر أو غير مباشر—في تمويل جماعات مسلحة. ويطالب التقرير بتحرك أوروبي وعالمي لإلزام الشركات بالشفافية، وإجراء تدقيق مستقل، وفرض تدابير تمنع مرور الصمغ عبر قنوات تموّل الحرب، مع الحفاظ على معيشة ملايين المزارعين السودانيين.