تقرير رويترز عن سليماني.. تسويق البطولة

تقرير رويترز عن سليماني.. تسويق البطولة

غرافيتي في بلدة بنش التابعة لإدلب (AP)

ما إن صدر تقرير رويترز (9 كانون الثاني/يناير 2020) المتعلق بفحوى تحقيقات الأمن العراقي حول مقتل الجنرال سُليماني، الذي تم اغتياله في الثالث من الشهر الجاري بأوامر مباشرة من ترامب، حتى سارعت معظم المواقع الإخبارية السورية المعارضة إلى إعادة تدويره، سواء عبر اكتفاء البعض بنشره كما جاء من المصدر، أو لجوء البعض لتصديره بعناوين مثيرة على شاكلة "الـ 36 ساعة الأخيرة في حياة الجنرال سليماني"، أو "جواسيس في دمشق وفي بغداد أيضًا"، وما كل ذلك على ما يبدو سوى احتفاء بالتشققات والتصدعات التي قد تصيب محور "الشر" الإيراني، بضلعيه العراقي والسوري، جراء الفشل في حماية راعيه ومؤسسه من الغدر الأمريكي، ومحاولة إلقاء كل طرف المسؤولية على الآخر.

التسريبات الأمنية التي أفصح عنها رجال الأمن العراقيين، حول اغتيال سليماني، لمحققي رويترز تقول بوجود شبكة منسقة من العملاء السوريين والعراقيين

التسريبات الأمنية التي أفصح عنها رجال الأمن العراقيين لمحققي رويترز تقول بوجود شبكة منسقة من العملاء السوريين (موظفين من شركة أجنحة الشام للطيران) والعملاء العراقيين (رجلي أمن من حماية منشآت مطار بغداد).

اقرأ/ي أيضًا: المواجهة العسكرية بين أمريكا وإيران.. حرب معقدة قد تهزم الجميع

قامت المجموعة السورية بإبلاغ الأمريكان عن صعود سليماني الطائرة فيما قامت الثانية بتأكيد نزوله في مطار بغداد، قد تبدو للوهلة جزءًا من تتبع المسار التآمري الذي قاد لمقتل الجنرال على يد الأمريكان. إلا أن نفي أحد القائمين بأعمال شركة أجنحة الشام في دمشق لأحد صحفيي "القدس العربي" بإجراء أية تحقيقات مع أي من موظفي الشركة على النحو الذي تم تسريبه في التقرير، يدحض نظرية الشبكة الأمنية التي يصر الجانب العراقي على تصديرها لأتباع المحور الإيراني، ذلك أن المسؤول الإداري ينفي نفيًا مطلقًا علم أي من موظفي شركته بوجود سليماني أو أي من مرافيقه على متن الرحلة إلى بغداد، خاصة إذا ما عرفنا أن سُليماني لم يكن مسجلًا على قائمة الركاب، وإن الشخصيات الهامة ذات الخصوصية الأمنية العالية، غالبًا ما يتم تأمين صعودهم في اللحظات الأخيرة التي تسبق إقلاع الطائرة، من قبل رجال أمن خاصين كي لا يتم التعرف على هوياتهم من قبل المسافرين أو موظفي الشركة على الأرض.

تبدو نظرية شبكة العملاء التي يحاول الجانب العراقي تظهيرها لتكون القصة الوحيدة المقبولة لدى أنصاره، مليئة بالادعاءات المتناقضة، فمن ناحية يدعي التقرير أن في حوزة المحققين أدلة دامغة على تورط أعضاء الشبكة، ومن ناحية أخرى يدعي إنه لم يتم التحقيق مع أي منهم حتى لحظة صدور التقرير للتأكد من صحة تلك الأدلة، الأمر الذي يضع إتهامات المحققين العراقيين المحسوبين على رجالات الحشد الشعبي، لرجال أمن المطار نوعًا من الكيد السياسي تجاه فريق محسوب على الجانب الأمريكي، في توطئة على ما يبدو لاستبعاد أي قوة أمنية عراقية بحماية المطار غير محسوبة على رجالات الحشد.

في محاولة لفهم إصرار الطرف العراقي ومن خلفه الإيراني على تصدير سردية خيانة الجنرال من الداخل، نتعرف على الرغبة الدفينة لدى كل منهم في رفع سليماني إلى مستوى البطل الشعبي الخارق، الذي لم يستطيع الأعداء مواجهته وجهًا لوجه فلجؤوا إلى الغدر به من حيث لا يحتسب، الأمر الذي لا يرفعه إلى مصاف القديسين والشهداء وحسب، بل إلى مصاف منزلة شهادة الحسين الكبرى في كربلاء، التي لم يكن أن تتم لولا تخلي أنصاره عنه وتركه يواجه مصيره المأساوي بمفرده.

يرفض الإيرانيون الاعتراف بحقيقة تخلف التكنولوجيا التي يرغبون بواسطتها السيطرة على عواصم أربع دول عربية

أما عن الغاية الأخرى من هذا الإصرار، فنلمسها في رغبة تلك الأطراف بالتبخيس من قيمة التكنولوجيا الأمريكية، التي ما كان لها أن تعمل لولا عملاء الداخل، متناسين عمدًا التطورات التقنية العالية التي أصبحت عليها تلك التكنولوجيا، التي صار بوسعها الاستغناء عن عمل الوكلاء على الأرض. فما حاجتها للعملاء وقد صار بمقدورها وفقا للمعلومات الاستخبارية التي كشفت عنها شبكة "إن بي سي نيوز"، بتتبع إشارات الهواتف النقالة لسليماني ومرافقيه بقصد التأكد من هوياتهم على نحو لا لبس فيه، ناهيك عن الصورة الملتقطة لأبي مهدي المهندس وهو يحيي فيها قائده سليماني عقب نزوله من سلم الطائرة في مطار بغداد، بواسطة كاميرات المراقبة التي حملتها الطائرات المسيرة المكلفة برصده ومن ثم اغتياله.

اقرأ/ي أيضًا: تقدير موقف: الأزمة الأمريكية – الإيرانية.. كيف ترد إيران على مقتل سليماني؟

يرفض الإيرانيون الاعتراف بحقيقة تخلف التكنولوجيا التي يرغبون بواسطتها السيطرة على عواصم أربع دول عربية، دون أن ينتبهوا لفضيحة عجزها عن التمييز بين طائرة الركاب الأوكرانية وصاروخ كروز. ما المجد الذي تسعى إليه الأيديولوجيا الإيرانية القائمة على فكرة الخلاص الآخروي لتسويقه في عقول ووجدان أبناء تلك العواصم سوى الوهم المفضي للموت، الأمر الذي نلمسه متحققًا في لامبالاة الملالي حيالة حياة الناس، سواء أولئك الذين شاركوا في جنازة بطلهم القومي، أو أولئك التي صدّقوا أن براءتهم كفيلة بحمايتهم من الجنون.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"ظننا أنها صاروخ كروز".. غضب في الشارع الإيراني بعد إسقاط الطائرة الأوكرانية

إيران وضربة الذئب للأسد