تقرير دولي.. أكاديميو مصر في خطر

تقرير دولي.. أكاديميو مصر في خطر

إضراب لأساتذة الجامعات المصرية سنة 2008(صورة أرشيفية/كريس برونكل/أ.ف.ب)

أظهر تقرير دولي جديد حول الحريات الأكاديمية، الانتهاكات والإجراءات التعسفية التي تتم بحق الأكاديميين المصريين كنوع من العقاب على مشاركتهم في النشاط السياسي والحقوقي، بالإضافة إلى منع الرسائل العلمية وإحالة القائمين عليها للتحقيق، واشتراط الموافقة الأمنية على سفر أعضاء هيئة التدريس للخارج، والمنع من التدريس.

أشار تقرير حرية التفكير 2016 إلى رصد العديد من الهجمات على الأكاديميين في مصر، التي تشمل فقدان الوظيفة ومنع السفر والسجن والقتل

ويرصد تقرير حرية التفكير 2016، الصادر باللغة الإنجليزية والذي نشره برنامج مراقبة الحرية الأكاديمية التابع لشبكة "علماء في خطر"، 158 حالة من الإجراءات التعسفية ضد الأكاديميين في 35 بلدًا على مدى 16 شهرًا في الفترة من أيار/مايو 2015 إلى أيلول/سبتمبر 2016.

وأشار التقرير إلى رصد العديد من الهجمات على الباحثين والأكاديميين في مصر التي تشمل فقدان الوظيفة ومنع السفر والسجن والقتل. كما برزت تركيا مع 20 حالة موثقة لإجراءات تعسفية بحق أكاديميين، يرتبط أغلبها بمحاولة الانقلاب الفاشلة ضد الرئيس أردوغان في تموز/يوليو الماضي، وما نتج عنها من إجراءات ضد قطاعات كبيرة من الموظفين، شملت رجال الجيش وموظفي الخدمة المدنية والأكاديميين، الذين اعتبرتهم الحكومة يشكلون تهديدًا عليها. وفي سوريا واليمن، رصد التقرير حالات قتل أكاديميين من قبل أطراف الصراع في الحرب الدائرة في كلا البلدين.

اقرأ/ي أيضًا: الفصل التعسفي.. سلاح السلطة في وجه طلاب مصر

ويشير التقرير إلى أن قرارات منع السفر التي تتخذها السلطات المصرية بحق بعض الأكاديميين تأتي في سياق حملة أمنية وسياسية أوسع، إذ يصل عدد السجناء السياسيين في مصر إلى ما يزيد عن 40 ألف سجين، بحسب تقرير صادر في 2015 عن منظمة "هيومان رايتس ووتش"، كما أن تلك الإجراءات التعسفية لا تختص ولا تقف عند حدود الأكاديميين وحدهم بل تطال فئات أخرى من المواطنين المصريين.

وكانت السلطات المصرية قد استحدثت نظامًا للسفر يقضي بالحصول على موافقة أمنية مسبقة قبل سفر أي من مواطنيها إلى دول تركيا وقطر وليبيا وسوريا وكوريا الجنوبية، وذلك بسبب مخاوف النظام الحاكم في مصر من هذه الدول التي يعتبرها مأوى لجماعة الإخوان المسلمين، كما في حالة قطر وتركيا وكوريا الجنوبية، أو دولاً مُصدرة للمتطرفين الدينيين، كما في حالة سوريا وليبيا.

وعلى الرغم من الوجود الأمني المكثف في الجامعات الحكومية المصرية، والذي تزايد بصورة واضحة في العامين الأخيرين، إلا أن التدابير العقابية التي تنتهجها الأجهزة الأمنية المصرية ضد الأكاديميين شهدت ازديادًا منذ صدور الطبعة الأولى من هذا التقرير في عام 2015، بحسب حسين مجدي، أحد المساهمين في إعداد التقرير.

ففي أيار/مايو 2015، بدأت وزارة التعليم العالي باشتراط الحصول على موافقة أمنية للأساتذة الراغبين بالسفر. وتم رصد شكاوى من جامعة القاهرة، التي أصدرت قرارًا يُلزم أساتذة الجامعة الراغبين بالسفر للخارج بدفع رسوم لا تقل عن عشرة آلاف جنيه مصري، وينص القرار على تسديد مبلغ عشرة آلاف جنيه كتبرع من كل عضو هيئة تدريس أو أستاذ يرغب في السفر للخارج تحت أي مسمى سواء الندب أو الإجازة أو الإعارة من السنة الأولى حتى السنة العاشرة، وتحصيل مبلغ عشرين ألف جنيهًا لنفس السبب من السنة الحادية عشر وما فوق. ورغم ذلك، لا يزال بمقدور الأجهزة الأمنية منع أي شخص من السفر بشكل منفصل، ومن دون الحاجة إلى أسباب. وبدورها، تدافع الحكومة المصرية عن هذه الإجراءات بوصفها وسيلة لحماية البلاد من الوقوع في فوضى كالتي تشهدها سوريا وليبيا، حسب تعبيرها.

في أيار/ مايو 2015، بدأت وزارة التعليم العالي باشتراط الحصول على موافقة أمنية للأساتذة الراغبين بالسفر

تدخلات أمنية

من الحالات التي يرصدها التقرير، قضية خلود صابر، المدرس المساعد بكلية الآداب في جامعة القاهرة والتي قررت الجامعة إلغاء بعثتها للدراسة بالخارج، عن طريق إرسال بريد إلكتروني في نهاية عام 2015 يخبرها بإلغاء الإجازة الدراسية للحصول على الدكتوراه والتي بدأتها منذ الأول من تشرين الأول/أكتوبر لعام 2015، وذلك استجابة من الجامعة لإفادة "الإدارة العامة للاستطلاع والمعلومات" المعنية بشؤون الأمن فى وزارة التعليم العالي، التي خاطبت الجامعة في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، لإبلاغها عدم الموافقة على منح خلود صابر إجازة دراسية للحصول على درجة الدكتوراه. أبلغت إدارة الجامعة صابر أن منحتها قد أُلغيت ويتوجب عليها العودة إلى مصر وإلا ستفقد منصبها الوظيفي في الجامعة، ولم تقدم الجامعة أي سبب لقرارها.

نجحت صابر في لفت الانتباه إلى قضيتها كونها معروفة كمدافعة عن حقوق المرأة والحرية الأكاديمية في مصر، كما أنها ناشطة مع مجموعة المساعدة القانونية في مؤسسة حرية الفكر والتعبير. وأصدرت حينها مجموعات حقوقية بيانًا يدين قرار إدارة جامعة القاهرة، مطالبةً بوقف كافة أشكال التدخلات الأمنية في شؤون أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة، والحفاظ على الالتزامات المتعلقة بصون استقلال الجامعة والحريات الأكاديمية.

وأقامت صابر دعوى قضائية أمام المحكمة اﻹدارية في شباط/فبراير 2016، اختصمت فيها كلا من وزير التعليم العالي ورئيس جامعة القاهرة وعميد كلية اﻵداب ومدير اﻹدارة العامة للاستطلاع والمعلومات بوزارة التعليم العالي ومدير اﻹدارة العامة للعلاقات الثقافية بجامعة القاهرة، طعنًا على قرار إلغاء الإجازة الدراسية لها، وللمطالبة بوقف هذا القرار، مع ما يترتب على ذلك من آثار. ورغم محاولات جابر نصار، رئيس جامعة القاهرة، إجبار وزير التعليم العالي على تأييد قراره، تم الحكم لصالح صابر في النهاية، حيث عادت لاستكمال منحتها الدراسية مع الاحتفاظ بمنصبها الوظيفي.

وعقب صدور الحكم، قالت صابر إن القضية في المقام الأول قضية استقلال جامعات، وليس فقط انتهاكًا للحريات الأكاديمية، من أجل إعاقة البحث العلمي الأكاديمي، وأن ما حدث معها كان استثنائيًا نظرًا لمعرفتها العديد من الناشطين في الجامعات الذين مُنعوا من السفر خلال الفترة الماضية. وأكدت صابر على أن الحكم يعتبر جزءًا من المعركة بين جماعات حقوق الإنسان والحكومة، كما أوضحت أن الشخص الخاضع لحظر السفر قد يحصل على موافقة بالسفر، لكن فعليًا يتم منعه من ذلك في المطار دون إعطاء أي سبب للحظر.

ويشير التقرير إلى قضية مماثلة، حيث تم منع محمد حسن سليمان، المدرس بكلية الهندسة فى جامعة عين شمس، من السفر إلى الولايات المتحدة في تموز/يوليو الماضى، لعدم تلقيه رد بموافقة الأجهزة اﻷمنية، بحسب الأوراق الرسمية للجامعة. وكان سليمان قد حصل على منحة من هيئة فولبرايت الأمريكية لحضور المؤتمر الأبرز في مجال تخصصه في جامعة دنفر اﻷمريكية، واستطاع الحصول على موافقة مجلس القسم ومجلس كلية الهندسة ورتب أوراقه حتى حصل على تأشيرة الدخول للولايات المتحدة، لكن طلبه للسفر تم رفضه من قبل إدارة الجامعة، وبالتالي ألغت مؤسسة فولبرايت المنحة المقدمة له. وكما جرت العادة، لم يتمكن سليمان من معرفة السبب وراء رفض طلبه.

وتعود الأسباب الخفية وراء قضية سليمان إلى أيار/مايو 2015 وموقف المدرس الجامعي من رواية وزارة الداخلية بشأن مقتل الطالب إسلام عطيتو، الذي قام مجهولون باختطافه عقب أدائه الامتحان في المادة التي يدرّسها له سليمان بالكلية.

وكان زملاء عطيتو قد أكدوا اختطاف زميلهم عقب أدائه الامتحان بصحبة مجهول كان في انتظاره أمام باب لجنة الامتحان، ثم وُجدت جثته مقتولاً في الصحراء، قبل أن يعلن بيان لوزارة الداخلية عن تمكنها من تصفية أحد المتورطين (عطيتو) في اغتيال ضابط كبير بمصلحة الأمن العام، بعد مبادلته إطلاق الأعيرة النارية وضبط السلاح الآلي الذي كان يستخدمه، حيث كان مختبئًا فى أحد الأوكار الإجرامية. وأعلن سليمان حينها أنه لم يعد هناك مجال للحديث عن رواية كاذبة أو تجاوز للأدوار، وطالب إدارة الكلية والجامعة أن تبُرئ ذمتها من المشاركة فيما حدث، وأن تفتح تحقيقًا لكشف المسؤول عن تتبّع الطلاب داخل الحرم الجامعي.

ويلفت تقرير "علماء في خطر" الانتباه إلى وجود آلاف الطلاب ومئات من العلماء داخل السجن لفترة طويلة تمتد لما قبل الفترة التي يشملها التقرير بسبب ممارستهم السلمية لحقهم في حرية التعبير وتكوين الجمعيات. وتشمل إجراءات القمع الحكومي القتل والاعتقالات، وكذلك زيادة القيود على السفر ضد كل من العلماء والطلاب المصريين وغير المصريين.

اقرأ/ي أيضًا: الاختفاء القسري في مصر.. تنكيل السلطة بالطلاب

انتهاك لاستقلال الجامعة

يعتبر تدخل وزارة التعليم العالي أو اﻷجهزة اﻷمنية في تسيير شؤون الجامعات المصرية مخالفة واضحة للدستور واعتداء على استقلال الجامعة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات وغيرها مخالف للقوانين المنظمة لعمل الجامعات المصرية، والتي تنص على استقلال الجامعة بمختلف مستوياتها الإدارية في اتخاذ القرارات المتعلقة بسفر الأكاديميين إلى الخارج. كما أن الدستور المصري في مادته (21) ينص على أن تكفل الدولة استقلال الجامعات، فمؤسسات التعليم العالي مسؤولة عن إدارة شؤونها العلمية والإدارية، ما يجعل من تدخل وزارة التعليم العالي أو اﻷجهزة اﻷمنية مخالفة واضحة للدستور، واعتداء واضحًا على استقلال الجامعة.

ووفقًا لمحمد عبدالسلام، مسؤول ملف الحرية الأكاديمية بمؤسسة حرية الفكر والتعبير بالقاهرة، فإن الخوف من حظر السفر يؤثر سلبًا على الأكاديميين وخططهم للسفر إلى الخارج لحضور مؤتمر أو لإجراء البحوث لعدم يقينهم من إمكانية السماح لهم بمغادرة البلاد. كما أن الضرر المترتب على هذه اﻹجراءات لا يتوقف فقط عند أعضاء هيئة التدريس والباحثين، الذين يفقدون فرصًا جيدة للبحث والتعلم وتبادل الخبرات فى الخارج ولكن الضرر يمتد أيضًا إلى الجامعات التي تخسر استقلالية قرارها، وتنعزل شيئًا فشيئًا عن محيطها الإقليمي والدولي، بل إن الدولة ذاتها تفقد فرصة كبيرة للاستفادة من هؤلاء اﻷكاديميين فى مشروعاتها البحثية وفي خططها للتنمية، على حد قول عبد السلام، إضافة إلى الصورة السيئة التي تظهر بها مصر أمام الجامعات والمراكز البحثية كدولة تتصدى فيها أجهزة اﻷمن للقرارات العلمية والأكاديمية، وهذا عبء آخر يُضاف للتحذيرات اﻷمنية الصادرة من مؤسسات علمية وبحثية لطلابها وباحثيها من العمل البحثي في مصر، على خلفية حادثة مقتل طالب الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني.

يُذكر أن تقريرًا سابقًا صدر عن مؤسسة حرية الفكر والتعبير في أغسطس/آب الماضي رصد عددًا من الانتهاكات بحق الطلاب بالجامعات المختلفة بالعام الدراسي 2015-2016، على خلفية مشاركتهم في أنشطة وفعاليات سياسية داخل جامعاتهم. وأشار التقرير إلى تنوع الاتهامات الموجهة لهؤلاء الطلاب بين الانتماء لجماعة إرهابية والترويج لأفكارها الإرهابية من خلال المنشورات والتواجد في جامعات غير جامعاتهم والتجمهر وحيازة مفرقعات والتظاهر، الذي أدى لتعطيل الإنتاج ومصالح المواطنين وعرضهم للخطر. وكذلك البلطجة واستعراض القوة والجهر بالصياح لإثارة الفتن والتعدي بالضرب على مواطنين وتكدير السلم العام والأمن العام والسكينة العامة.

اقرأ/ي أيضًا:

الجامعات العربية.. الحصاد المر

جامعة القاهرة.. طقوس الصلوات السرية