تفكيك قسم النزاهة العامة في وزارة العدل: هل يسعى ترامب لتصفية حساباته السياسية؟
9 يونيو 2025
بعد أكثر من أربعة عقود من مكافحة الفساد السياسي في الولايات المتحدة، أصبح قسم النزاهة العامة في وزارة العدل الأميركية – الذي أُنشئ في أعقاب فضيحة "ووترغيت" لحماية نزاهة النظام السياسي – في حالة شلل شبه تام تحت ولاية دونالد ترامب الثانية. في تحول غير مسبوق، تم تجريده من سلطاته، وتقلّص عدد محاميه من أكثر من ثلاثين إلى خمسة فقط، كما تم تعليق دوره المركزي في مراجعة القضايا الجنائية ضد أعضاء الكونغرس وكبار المسؤولين.
وفقًا لتحقيق أجرته وكالة "رويترز"، فإن إدارة ترامب تعكف على إعادة هيكلة وزارة العدل بطرق تهدد بتقويض الضوابط المؤسسية التي صُممت لمنع تسييس العدالة. أبرز هذه التغييرات، التي لم يُكشف عنها سابقًا، هو تعليق القاعدة التي توجب على المدّعين الفيدراليين الحصول على موافقة قسم النزاهة العامة قبل توجيه تهم جنائية إلى أعضاء الكونغرس أو مسؤولي الحكومة.
تفكيك متعمّد لحارس النزاهة
أكدت ثلاثة مصادر مطلعة على عمل وزارة العدل أن تعليق هذه القاعدة بدأ في أوائل أيار/مايو، ما يمنح المقرّبين السياسيين من ترامب حرية توجيه اتهامات جنائية لمسؤولين منتخبين دون مراجعة مستقلة، وهو ما يفتح الباب أمام ملاحقات ذات دوافع سياسية. كما لم يعد القسم مسؤولًا عن الإشراف على قضايا تزوير الانتخابات، بما في ذلك التحقيق في حملات التضليل الانتخابي.
إدارة ترامب تعكف على إعادة هيكلة وزارة العدل بطرق تهدد بتقويض الضوابط المؤسسية التي صُممت لمنع تسييس العدالة
ورغم تأكيد متحدث باسم وزارة العدل أن "القواعد قيد المراجعة"، إلا أنه لم تُتخذ قرارات نهائية بعد. وأضاف أن المدعين العامين المحليين "أقرب إلى الوقائع وإلى المجتمعات التي يخدمونها، وبالتالي هم أفضل من يقرر ما إذا كانت التهم الجنائية مناسبة". غير أن هؤلاء المدعين يُعيَّنون مباشرة من قبل الرئيس، مما يثير تساؤلات خطيرة بشأن استقلالية عملهم.
واعتبر مسؤولون سابقون وخبراء في القانون الدستوري أن هذه التغييرات تمثّل تهديدًا خطيرًا لاستقلال القضاء. وقال ستيوارت غيرسون، الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة العدل في عهد الرئيسين جورج بوش الأب وبيل كلينتون: "نحن أمام تسييس صريح للنظام القضائي. إن سيادة القانون في خطر".
إعادة تعريف دور الوزارة: من مكافحة الفساد إلى مكافحة الهجرة والجريمة
تدافع وزارة العدل عن هذه التغييرات باعتبارها جزءًا من "جهودها لإنهاء تسييس الحكومة"، وفق تعبير المتحدث الرسمي. وقالت المدعية العامة الجديدة بامي بوندي، المقربة من ترامب، إن "الوزارة ستركّز على مكافحة الجريمة العنيفة والهجرة غير الشرعية"، معتبرة أن قسم النزاهة العامة كان يملك "سلطة مفرطة".
وتأتي هذه التحولات في وقت يخضع فيه ترامب لعدة تحقيقات جنائية تتعلق بإخفاء وثائق سرية وتدخله في نتائج انتخابات 2020. ورغم تأكيد وزارة العدل مرارًا أن تحقيقاتها لم تتأثر بأي ضغوط سياسية، إلا أن تفكيك قسم النزاهة العامة يثير مخاوف جدية من استغلال السلطة التنفيذية لتصفية الحسابات السياسية.

تصفية حسابات ومنح عفو للحلفاء
وثّقت "رويترز" مغادرة ما لا يقل عن 28 موظفًا من قسم النزاهة العامة خلال الأشهر الخمسة الماضية، بينهم عشرة استقالوا بالكامل. من المتوقع أن ينخفض عدد العاملين في القسم إلى محاميين أو ثلاثة فقط، ما يعني فعليًا القضاء على قدرته على أداء مهامه.
وفي موازاة ذلك، بدأ ترامب بإلغاء إرث هذا القسم عبر إصدار عفو رئاسي عن عدد من المدانين في قضايا فساد كانت من نتائج عمله. ومنذ كانون الثاني/يناير الماضي، أصدرت الإدارة أربعة قرارات عفو بحق أشخاص أدينوا في قضايا فساد كانت قد نظرت فيها وحدة النزاهة العامة في وزارة العدل. كما يسعى خمسة مدانين آخرين إلى نيل العفو، فيما تنشط مجموعة عمل جديدة داخل الوزارة، يقودها المحامي المحافظ إد مارتن، لمراجعة التحقيقات السابقة بحق حلفاء الرئيس.
هذا التوجه لا يقتصر على وزارة العدل. فقد أقال ترامب أيضًا مفتشين عامين مستقلين في عدد من الوكالات الفيدرالية، وهي مناصب رقابية تهدف إلى الكشف عن الفساد وسوء الإدارة، ما يوسّع من دائرة محاولاته لزعزعة المؤسسات المستقلة.
يقول أستاذ القانون الدستوري في جامعة "فوردهام"، أندرو كينت: "ما يحدث الآن غير مسبوق على الإطلاق. هذه خطوات خطيرة للغاية بالنسبة لديمقراطية يفترض أنها عريقة".
من التحقيق في قضايا الفساد إلى "لا صلاحيات"
كانت وحدة النزاهة العامة في وزارة العدل قد أُسست في سبعينيات القرن الماضي عقب فضيحة "ووترغيت"، بهدف إعادة الثقة في مؤسسات الدولة.
وبمرور السنين، أصبحت هذه الوحدة مسؤولة عن بعض من أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية في ملفات الفساد السياسي. وكانت تشرف على القضايا الجنائية المتعلقة بالمسؤولين المنتخبين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، كما شاركت استشاريًا في تحقيقات المدعي الخاص جاك سميث في قضايا تتعلق بترامب، إلا أنها لم تكن الجهة المباشرة في الترافع.
كما أدارت الوحدة فريقًا خاصًا للتحقيق في التهديدات ضد مسؤولي الانتخابات بعد انتخابات 2020، والتي شهدت موجة من التهديدات العنيفة من أنصار ترامب. وقد أدت هذه التحقيقات إلى محاكمة أكثر من اثني عشر شخصًا.
وثّقت "رويترز" مغادرة ما لا يقل عن 28 موظفًا من قسم النزاهة العامة خلال الأشهر الخمسة الماضية، بينهم عشرة استقالوا بالكامل. من المتوقع أن ينخفض عدد العاملين في القسم إلى محاميين أو ثلاثة فقط
قضايا حديثة تكشف فقدان القسم لصلاحياته
في حادثة وقعت في بداية الولاية الجديدة، حاول إد مارتن – المعين حديثًا كمدّعٍ عام مؤقت في دائرة كولومبيا – توجيه اتهامات ضد زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، بزعم أنه أدلى بتصريح يرقى إلى التهديد الجنائي عام 2020 ضد قضاة المحكمة العليا. إلا أن قسم النزاهة العامة رفض هذه المساعي، واعتبرها استهدافًا سياسيًا لخطاب محمي بموجب التعديل الأول للدستور. بعد مراجعة داخلية، أُغلقت القضية.
وفي مثال آخر، وجّهت وزارة العدل تهمًا جنائية ضد النائبة الديمقراطية لامونيكا ماكآيفر إثر مشادة في مركز احتجاز مهاجرين بولاية نيوجيرسي، حيث اتهمتها بتعطيل عمل ضابطين فيدراليين. اللافت أن المدّعية العامة التي رفعت القضية، ألينا حبا – وهي محامية سابقة لترامب – لم تطلب موافقة قسم النزاهة العامة، في انتهاك صريح للإجراءات التي كانت معتمدة حتى وقت قريب.
نحو عدالة مسيّسة؟
تشير هذه التطورات، كما يقول خبراء القانون، إلى انزلاق خطير نحو تسييس العدالة واستخدام أجهزة الدولة لتصفية الحسابات. وإن كان ترامب يبرر هذه الخطوات بأنها تهدف إلى "تطهير" وزارة العدل من "الراديكاليين"، فإن النتيجة قد تكون تقويضًا تامًا لفكرة استقلال القضاء، وتحويل وزارة العدل إلى أداة طيّعة في يد السلطة التنفيذية.
في ظل هذه المعطيات، يحذر مراقبون من أن الولايات المتحدة – التي لطالما اعتبرت نفسها حامية للديمقراطية وسيادة القانون – باتت على عتبة تحوّل عميق قد يُفقد مؤسساتها طابعها الجمهوري لصالح نمط حكم شخصي استبدادي الطابع.