تفاقم الفجوة في الأجور بين الرجال والنساء.. الإجابة رواندا!

تفاقم الفجوة في الأجور بين الرجال والنساء.. الإجابة رواندا!

رواندا من أكثر دول العالم تحقيقًا للمساواة بين الرجل والمرأة (ILO)

تتفاوت الأجور بين المرأة والرجل حول العالم، ويدخل في تباين معدلات ذلك التفاوت الكثير من العوامل الاجتماعية والاقتصادية، ومحددات أخرى تعود للخصوصية البيولوجية لكلا الجنسين.

تتفاوت الأجور بين المرأة والرجل حول العالم، ويدخل في تباين معدلات ذلك التفاوت الكثير من العوامل الاجتماعية والاقتصادية

ومع أنه في كثير من الأحيان تقوم المرأة بنفس العمل الذي يقوم به الرجل وفي نفس المكان، إلا أنها تتلقى أجرًا أقل منه. وبالجملة، فإن فجوة الأجور بين الرجل والمرأة، لا تقتصر على الراتب المقدم آخر الشهر، وإنما بعدم مراعاة دور أمومة المرأة ورعايتها لأسرتها في المنزل.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا انتفضت نساء سويسرا الآن وفي عام 1991؟

في حديث سابق لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون، قالت: "عندما تذهب النساء إلى المتاجر للشراء، لا يقدم لهن خصمًا بناءً على أجورهنّ المنخفضة، إذًا فما تصرفه النساء هو من خزينة الأسرة، وعليه فالأجر المتناقص هو متناقص بالتالي من حصة كل فرد من أفراد الأسرة، وليس فقط من حصة المرأة".

كانت كلينتون تتحدث عن وضع الأجور المتفاوتة بين الرجال والنساء في الولايات المتحدة، الدولة التي وصلت فيها فجوة الأجور لأعلى معدلاتها. 

وفي العديد من دول أوروبا الوضع ليس أفضل حالًا، ففي سويسرا، وقبل عدة أيام، خرجت مظاهرات حاشدة لنساء عاملات دخلت إضرابًا عن العمل مدة يوم، وعلى رأس مطالبهن تعديل أنظمة الأجور، لسد فجوة التفاوت بينهن وبين الرجال العاملين.

كما أن فجوة الأجور بين الرجال والنساء هو الموضوع الأهم الذي يطرح على الطاولة في صياغة التقرير السنوي لمنظمة العمل الدولية، فطبيعة عمل المرأة يعتبر من أكثر المواضيع إشكالية والذي تسعى المنظمة لإيجاد حلول مناسبة له عبر تحقيق تطبيق معايير الرعاية والمساواة بين الجنسين.

بدايةً، كيف تقاس الفجوة في الأجور؟

بالنسبة لمنظمة العمل الدولية، تقاس معدلات الأجور بين الرجال والنساء الذين يقومون بعمل محدد، كما يشمل مقياس الفجوة عدد الرجال والنساء في كل من فئات الأجور الدنيا والمتوسطة والعليا.


في معظم أنحاء العالم، تتقاضى المرأة راتبًا أقل من الرجل بـ20% على الأقل

 كما أن مقياس فجوة الأجور بين الجنسين ينظر إلى فرق متوسط ما يكسبه الرجال والنساء بغض النظر عن أدوارهم أو مناصبهم، والذي يمكن أن يكون ناتجًا عن عدد من العوامل، كما تحسب أيضًا الفروق في أنواع الوظائف التي يؤديها الرجال والنساء.

منظمة العمل الدولية.. الفجوة قائمة

"هل المرأة العاملة اليوم أفضل حالًا مما كانت عليه قبل ما يقارب 20 عامًا؟"، سؤال طرحه مدير منظمة العمل الدولية، جاي رايدر، في التقرير العالمي للأجور، الذي تصدره المنظمة سنويًّا. 

طُرح السؤال عام 2015 بهدف رصد ما وصلت إليه فوارق معدلات الأجور، وما إذا كانت مقبولة أم لا وفقًا لأهداف المنظمة وخططها. في ذلك الوقت، عام 2015، اعتبرت المنظمة أن فجوة الأجور بين الجنسين لا تُنبئ بمساواة حقيقية في الأجور، ليأتي الجواب في عامين لاحقين، وفي ذات التقرير السنويّ للمنظمة، أي في عام 2017، وليحمل معه تحذيرًا من تنامي المخاوف إزاء أثر تدني معدلات الزيادة في الأجور، على الاقتصادات الناشئة في العالم، حيث وصلت إلى أدنى مستوى لها منذ سنوات.

وأعلنت المنظمة بأن الفجوة في الأجور بين الجنسين لا تزال كبيرة بشكل صارخ، مشيرةً إلى أن المرأة الأوروبية تكسب في الساعة نحو 20% أقل من الرجل، وترتفع إلى 45% بين كل 1% من ذوي الأجور العالية.

وفي التقرير العالمي للأجور الأخير، الصادر نهاية العام الماضي 2018، قالت المنظمة إن نمو الأجور انخفض في أغلب دول العالم خلال هذه السنة إلى أقل معدلاته منذ عام 2008، مقارنةً بمستويات ما قبل الأزمة المالية العالمية، بينما ما تزال فجوة  الأجور بين الرجال والنساء بنسبة 20%.

يوضح هذا أن التفاوت بين الجنسين في ميدان العمل لم يشهد أي تحسن يُذكر منذ نحو 20 عامًا، وعليه فإن حال المرأة العاملة إن تغير منذ ذلك الحين، فهو لم يتغير بحسب أهداف المنظمة ومخططاتها.

ما أسباب تدني أجور النساء بالنسبة للرجال في العالم؟

يعود ذلك إلى سلسلة من المعايير الثقافية حول الأدوار الاجتماعية والقدرات الجسدية لكل جنس، من بينها الرؤية التقليدية لدور المرأة التي تؤطرها في أدوار الحمل والولادة وتربية الأبناء وتكريس وقتها للعائلة فقط، لذا فإنه عادةً ما ينظر للمرأة على أن لديها عملًا أساسيًا هو كل ما يتعلق بأسرتها. في المقابل، ينظر للرجل على أنه العنصر الأكثر فاعلية في الأدوار المهنية.

المرأة العاملة
في 2018 كانت هناك 1.3 مليار امرأة عاملة مقارنة بملياري رجل

تلك الصورة النمطية تدخل أيضًا في اختيار العمل الذي تزاوله المرأة، فالعمل الأكثر شيوعًا للنساء كان في قطاع التعليم، إلى جانب أعمال روتينيّة أخرى في المعامل والورش التي تحتاج إلى عمل يدويّ دقيقة خاصة العزل والنسيج. وهذا النمط من الأعمال يُفضل توظيف بسبب مقولات سائدة عن أن النساء بارعات في الأعمال التي تحتاج للدقة والصبر. 

عقوبة إجازة الأمومة!

بحسب تقرير منظمة العمل الدولية، فإن بعض التفسيرات التقليدية للفروقات في الأجور، مثل الاختلافات في مستويات التعليم بين الرجال والنساء، ليس لها إلاّ دورًا محدودًا في تبرير الفجوة في الأجور.

ويلاحظ التقرير أن الأمهات يحصلن على أجور أقل بسبب انقطاعهنّ عن العمل، أو العمل ساعات منخفضة، وعوامل أخرى مثل اختيار الأمهات العاملات وظائف ذات أجور منخفضة، ملائمة أكثر  للظروف الأُسريّة. وهكذا تبدو الأمومة وكأنها عقاب للمرأة العاملة التي قررت أن تنجب طفلًا.

وأشار تقرير للمنظمة صدر في اليوم العالمي للمرأة هذا العام، إلى أن 1.3 مليار امرأة كن يعملن في 2018 مقارنة بملياري رجل، وهو ما يمثل تحسنا أقل من 2% خلال الـ27 سنة الماضية.

في ذات التقرير، أوضحت مانويلا تومي، مديرة إدارة ظروف العمل والمساواة في منظمة العمل الدولية أن "هناك عدد من العوامل التي تعوق المساواة في التوظيف، وما سيلعب الدور الأكبر فيها هو تقديم الرعاية ومساعدة الرجل في الأعمال المنزلية". 

وأشارت تومي إلى أنه في السنوات الـ20 الأخيرة، لم ينخفض مقدار الوقت الذي تقضيه النساء في الرعاية غير مدفوعة الأجر والعمل المنزلي، بشكل حاد، بينما الوقت الذي يقضيه الرجال لا يتعدى ثماني دقائق فقط في اليوم. وبهذه الوتيرة من التغيير، سيستغرق تحقيق المساواة أكثر من 200 عام".

بين قلة المعلومات والعمل غير الرسمي 

 مشكلة أخرى في قضية الفجوة في الأجور بين الرجال والنساء، أكثر الكثير من النساء لا يعلمن أنهن يتقاضين أجورًا أقل من زملائهن من الرجال، رغم تمتعهن بنفس المؤهلات والكفاءات ويؤدين نفس العمل.

لذلك يعتبر نقص المعلومات إحدى العوامل التي تزيد من نمو الفجوة في الأجور بين النساء والرجال. يعاني من مشكلة نقص المعلومات، على وجه الخصوص، العاملات المستقلات مثل جليسات الأطفال وعاملات النظافة في البيوت.

ويمكن الوقوف عند النساء المهاجرات إلى دول أوروبية، اللواتي يعملنّ فيما تسمى بـ"الأعمال السوداء"، أيّ دون عقد عمل يحدد أجر ثابت أو ساعات عمل محددة.

وبالجملة، فالهاجرون هم الأكثر تضررًا وعرضة لظروف عمل تتخللها انتهاكات، والنساء هن الأكثر عرضة لمثل ذلك من بين المهاجرين. يؤدي ذلك بالضرورة لتنامي فجوة الأجور بين النساء والرجال، وتغطي عليها قلة المعلومات.

وبحسب تقرير عام 2019 لمنظمة العمل الدولية، فإن النساء أكثر عرضة للعمل في مهن محدودة المهارة ومنخفضة الأجر، لذلك هن في مواجهة ظروف عمل أسوأ من الرجال.

وذكر التقرير أن النساء أكثر عرضة للوظائف غير الرسمية التي تفتقر إلى الحماية الاجتماعية في أكثر من 90% من بلدان أفريقيا، و89% من دول جنوب آسيا، ونحو 75 % من دول أمريكا اللاتينية. بينما تميل النساء في كندا بشكل أكبر إلى البحث عن فرص عمل تتناقض إلى حد كبير مع فرص عمل الرجال، فحوالي 20% من النساء في الفئة العمرية ما بين 25 إلى 54 عامًا يكسبون 12 دولارًا أمريكيًا في الساعة، وتبلغ نسبتهنّ ضعف نسبة الرجال الذين يوظفون في نفس الوظائف قليلة الأجر.

المرأة العاملة
بسبب النظرة التقليدية، حصرت كثير من النساء في أنماط معينة من الأعمال مثل الغزل والنسيج

وبحسب المفوضية الأوروبية، فإن الفجوة في الأجور بين الجنسين لها آثار بعيدة المدى، خاصة فيما يتعلق بمعاشات التقاعد، وكون المرأة تُحصّل دخلًا شهريًا يقل عادة عن الرجال بنسبة 17.5% (اعتبارًا من 2008)، فإن ذلك بالضرورة يؤدي لحصولها على معاش تقاعد أقل. وعليه تصبح النساء كبيرات السن أكثر عرضة لمواجهة آثار الفقر، وهو ما خلصت إليه المفوضية التي قالت إن 22% من النساء اللاتي تبلغ أعمارهن 65 عامًا، مهددات  بخطر الفقر مقابل 16٪ من الرجال.

النموذج الرواندي

رواندا، الدولة الأفريقية النامية، والتي مرت بواحدة من أقسى تجارب الحروب الأهلية في العالم، خلال فترة التسعينات، والتي راح ضحيتها ما يفوق المليون ما بين قتيل وجريح ومشرد ومُغتَصب؛ الآن هي نموذج فريد في الحد من انعدام المساواة بين الرجل والمرأة، خاصة في الأجور.

في راوندا تم القضاء تمامًا على تلك الفجوة في الأجور، الأمر لا يعود فقط لنضال النسويّات في المجتمع، إنمّا لتغيير عقلية المجتمع كاملًا بعد الإبادة الجماعية المعروفة عام 1994، عندما وقف المجتمع أمام أخطائه، وفكر في حلولٍ لإعادة بناء الدولة، عندها كان موضوع تمثيل المرأة في المجتمع ودورها في بناء دولة حديثة هو أمر في غاية الأهمية.

رواندا التي تمر الآن بفترة ازدهار كبيرة في النمو الاقتصادي، كانت قبل عقود قليلة واحدة من أفقر دول العالم، ولم يكن دور المرأة فيها إلا هامشيًا. لكن الإبادة الجماعية وتبعاتها، دفعت بالمرأة إلى الواجهة في مرحلة ما بعد الإبادة، التي عنيت بالعدالة الانتقالية وإعادة بناء البلاد.

شغلت النساء وظائف في الجيش والشرطة، وفي البلديات وأماكن مختلفة، فارتفعت نسبة تمثيل المرأة الرواندية من خلال وجودها في مراكز قرار أثرت على تغيير المجتمع. هذا التأثير تطلب إجراء تعديلات دستورية بما يخص المساواة في الأجور بين المرأة والرجل، وقد نص الدستور على أن 30% من الممثلين للحكومة في جميع مستوياتها، سيكنّ من النساء.

وبحسب صحيفة الإندبندنت البريطانية، تشغل المرأة الرواندية الآن أكثر من 60% من البرلمان، وهي النسبة الأعلى في العالم. أمّا عن الوظائف والقوة العاملة في المجتمع، فتمثل المرأة النسبة الأكبر من القوى العاملة بواقع أكثر من 51% بحسب البنك الدولي. وقد تم توظيف ما يسمى بمراقب الجنس (Gender Monitoring Office) لضمان تحقيق المساواة العادلة بين الجنسين في المجتمع.

التحول الثقافي بما يتعلق بموضوع الجندر في المجتمع الرواندي بدأ كآلية دفاعية للبقاء على قيد الحياة بعد الإبادة، عندها اضطر المجتمع لأن يغير عقليته ويواجه نفسه، ويتمسك بالممكن.

أمّا في أيسلندا فكان طريق المرأة مختلف عنه في رواندا، ففي عام 1975 شهدت البلد مظاهرة شعبية حاشدة تطالب بالمساواة بين الرجل والمرأة في أجور العمل، والمطالبة بازدياد تمثيل المرأة في الحكومة وأماكن اتخاذ القرارات، وبعد فترة من الوقت، وصلت إلى الرئاسة أول امرأة أيسلندية منتخبة ديمقراطيًّا من قبل الشعب. 

وعبر نضال المنظمات النسويّة استطاعت الأم الأيسلنديّة أن تحصل على ما يقارب ست أشهر إجازة أمومة مدفوعة، كما تم إقرار ما يسمى بإجازة الأبوة، فبعد الولادة يمكن للأب أن يحصل على إجازة مدفوعة للبقاء مع أسرته أيضًا.

وفي الثامن من آذار/مارس عام 2017، تم إقرار قانون جديد في البلاد، يفرض عقوبات على عدم تطبيق المساواة في الأجور بين النساء والرجال. وبموجب هذا القانون، فُرض على الشركات الحصول على شهادة حكومية تثبت مساواة الأجور بين الجنسين. 

ساعد هذا الأمر ساعد في خفض معدل الفجوة بين الأجور، ليصبح 91% للمرأة مقابل كل 1 دولار يحصل عليه الرجل. وتتصدر أيسلندا قائمة الدول الـ20 من حيث فجوة الأجور بين النساء والرجال، وتليها النرويج والسويد وفنلندا، وتتصدر رواند قائمة الدول الأفريقية بانعدام الفروق بين الأجور، والفلبيين هي الدولة الوحيدة من دول آسيا التي تكاد تتقارب فيها فروقات الأجور بين الجنسين.

تعد رواندا واحدة من أكثر دول العالم تحقيقًا للمساواة في الأجور بين الرجل والمرأة، والمساواة عمومًا بين الجنسين

يرى نشطاء ومعنيون بقضايا المرأة، أن النموذج الرواندي، يؤكد أن تحقيق المساواة في الأجور ليس أمرًا مستحيلًا، وأن انعدام المساواة هي معضلة اجتماعية لها بعد سياسي مرتبط بشكل مباشر بخطط الدولة لتنظيم الأسرة والمجتمع، وأدوار أفراده.

 

اقرأ/ي أيضًا:

نساء الفراولة.. ثورة مغربيات عاملات في الحقول الإسبانية

المساواة في الميراث بالمغرب.. تمسك بالشريعة أم "جبن" سياسي؟