تفاصيل عالقة

تفاصيل عالقة

مظاهرة في دمشق، 2012 (عدسة شاب دمشقي)

مُذْ علمت مي بلائحة تبادل الأسرى والمعتقلين، التي اُتفق عليها بين المعارضة والنظام، عملت جاهدةً مع أصدقائها، ممن تبعثروا في دولٍ أوروبيةٍ مختلفةٍ، ليُدرج اسم زياد ضمن قائمة المفرج عنهم عام 2014. في الأثناء كانت تتنقل بين غرفةٍ وأخرى مغرقةً الشقةَ بضبابٍ كثيفٍ من دخان السجائر، دون أن تلقيَ بالًا لمرض القلب الذي ولدت به. تجلس على السرير وتشعل سيجارةً، على الكرسي، وتشعل أخرى، على الطاولة، على السلم، وفي زوايا الغرفة المكشوفة. تقف خلف النوافذ وتذرو الرماد من الطابق الخامس، وتمعن التفكير في الاحتمالات القادمة.

كانت تمسح الدماء من فوق عينها وحاجبها الأيسرين، جراء اصطدامها بباب الغرفة، عندما اتصل فراس ليخبرها عن الإيقاع بزياد واعتقاله. قبل أسبوعين من تلك الحادثة، كانوا قد اجتمعوا في حي القيمرية في مظاهرةٍ طيّارةٍ، علت فيها أصوات قرابة عشرين شابًا وفتاة مرددين: "تعلى وتتعمر يا دار، محمية براجك، والعسكر داير من دار، توقف ع سياجك". 

بغتة، خرج شبيحةٌ يحملون العصي الخشبية، ركضوا وراء المتظاهرين ليفرقوهم، أطلقت مي وسلمى سيقانهما للريح، لحق بهما رجلٌ، يبدو في العقد الرابع، مهددًا وواصفًا إياهما ببنات القحبة، خلعت مي حذاءها واستمرت في الركض مع صديقتها في شوارع دمشق القديمة. ولما ولجتا زقاقًا فارغًا وشبه مظلم، توقفتا وخطفتا أنفاسهما بصعوبة، عبر موجة الضحك الهستيرية التي أصابتهما، وضعت مي كفها على قلبها وتمنت ألا تتعرض لأزمةٍ قلبيةٍ مفاجئةٍ. بعد فترة وجيزة استدعيت لتحقيق في فرع المخابرات لساعاتٍ طويلةٍ، قدموا لها القهوة والشاي، وسمحوا لها بالتدخين. جهِدَ المحقق في إقناعها بحماية النظام للأقليات، واستمراره في التطوير وعمليات الإصلاح. على إثر ذلك، جهزت مي أمتعتها للمغادرة إلى بيروت، لكن اعتقال زياد حال دون رحيلها.

دخلت مي المنزل وتوجهت مباشرة إلى المطبخ، وضعت كيس المشتريات على الطاولة البلاستيكية المدورة، المغطاة بمفرشٍ من النايلون، تزينه ورودٌ حمراءُ كبيرةٌ. وزعت الأغراض في أمكنتها، ساخطةً على الغلاء والتقشف المقرفين، خصوصًا متى شملا شؤونها النسائية. أعدت وجبةً سريعةً، وتمددت على الأريكة، قلبت بين القنوات الإخبارية، وتنقلت بين كل البُرُد الإلكترونية خاصتها. دخنت السجائر واحتست الشاي، ثم قرأت صفحاتٍ من سيرة القوقعة، وقارنتها برواية يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش، وبدت الأخيرة تافهةً، ولا تستحق الشهرة التي حصدتها في سردها للعذاب والتعذيب في السجون. تأملت، من فوق جسدها وقدميها، كل المعلقات التي تصر والدتها على تشويه الجدران بها، كصورة والدها، الذي اعتاد ضرب أمها بضراوة، وذنبها يكمن في جمالها الفتّان، وبشرتها البيضاء اللمّاعة، وعينيها الخضراوين اللتين تطلان على جرف غواية. كان والدها يغار عليها من النسيم إن لامس أرنبة أنفها، وفي حالات جنونه المستعرة يجمع ثيابها الداخلية ويرميها في الحمام، يسكب عليها الزيت ويضرم فيها النار. رحل باكرًا بسبب مرض القلب المتوارث في العائلة. 

قطع سيل أفكارها انقطاع الكهرباء، أشعلت شمعةً، وبقيت لساعاتٍ أخرى تزفر الدخان، وتحسب الخطوات المقبلة للجوء إلى أوروبا، ما إن يخرج زياد. عامان مرا وهو في المعتقل، عامان مرا وهي محشورةٌ في رقعةٍ ضيقةٍ تمارس الانتظار، وانتظار الانتظار. قد يخرج في أي لحظة إن كان على قيد الحياة، فيتصل بها أو يأتيها. غير أنها تمر مرور الكرام على أسئلةٍ أنى تتفتقْ تتجاهلها، لمَ لمْ تعتنِ بشعرها؟ لمَ لمْ تضع "الماسكات" والكريمات لتخفف من وهن بشرتها الشاحبة؟ لمَ لمْ تنزع الشعر عن جسدها بالسكر، وتنقعه بماء الورد؟ لمَ لمْ تشترِ شيئاً جديداً، بلون الكرز، يكشف عن عنقها وظهرها الذي أحب؟   

تأملت الظلال على الحائط تتغير مع حركة اللهب، لعبت بقدميها، فركتهما ببعض، وراقبت كيف الجلد يحتك بالجلد، واللحم يضغط برقة على اللحم، والأصابع تفرك بعضها، اتّقدت كينونتها وأصاخت إليها، غمرت وجهها بمسند الأريكة، ومسحت بقماشها التنهدات الرطبة.

في الصباح الباكر زحفت نسائمُ باردةٌ فوق جسدها، فنهضت لإغلاق النافذة المفتوحة، وقفت أمامها عاريةً تمامًا، لاحت لها دمشقُ كأغصان شجرة، مكتظة بالأشرطة الملونة، بالأجراس، والرغبات. أرادت الصياح، بشيء ما، عن الله والثورة والأنثى، لكن بعض الكلمات مثل أوراق النعناع فوق سطح الماء، ما إن تبتل تغوص إلى الأسفل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

صخرة موسى

إعادة تدوير