تفاحة مخملباف وعوالم أخرى

تفاحة مخملباف وعوالم أخرى

من فيلم تفاح (IMDB)

من الجلي للمختصين أنَّ السينما الإيرانية أفادت أيما فائدة من التجارب الإيطالية الواقعية ونظرياتها، وظهر هذا التأثر في أفلام المؤسّسين الأوائل أمثال إبراهيم كلستان، وبقرة داريوش ميهرجويي، وكيارستمي في أُولى تجاربه، ولا سيما في فيلم "المصوّر"، وصولًا إلى مستعمرة الجذام لفرخزاد الذي لا يخلو من اندفاق شعري، هذه الأفلام جميعًا هي من شرعت باب التجريب لسينما تقوم على الواقعية السحرية، وتُعنى بالانغماس في الفكرة الرئيسة للفيلم، مع مراعاة تنوع المشارب الفكرية والأُسلوبية لكل مخرج.

تقوم أفلام سميرة مخملباف على تمجيد الحسّ الشعري في اصطياد العابر والجزئي من حيوات الفرد، والعمل على جعله كليةً راهنة

تجيء تجربة سميرة مخملباف على رأس قائمة المُحدثين الجدد في صناعة الفيلم الإيراني، إذ استطاعت وبزمن لافت من تأكيد حضورها بين أسماء وازنة في مهرجانات عالمية نالت فيها العديد من الجوائز الهامة.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "طهران تابو".. الجنس عدسة مقرّبة على المجتمع الإيراني

وعلى الرغم من تأثيرات مخملباف الأب وتعاونهما في كتابة سيناريوهات، إلا أنَّ تجربتها تشير إلى أنَّنا أمام مُحتَرف فيلمي مستغرق في الخصوصية والفرادة، وهذا متأتٍ من تمجيدها الحسّ الشعري في اصطياد العابر والجزئي من حيوات الفرد، والعمل على جعله كليةً راهنة، إذ تنطلق من جزئية الثيمي إلى المعالج الإخراجي، منسجمةً بذلك ونظريات سينما الموجة الإيرانية الجديدة، القائلة بالتركيز على الفكرة، والسماح للتداعي البصري بالتدفق بانسيابية عالية، ما يمنح المخرج حرية التنقل البصري داخل الفكرة الواحدة، ويستلزم هذا توافر مخيال مُحفَّز بصورية الواقع التخييلي الذي يستطيع عِبره الفنان أن يلمس سحرية المعيش بالتوهج الفني، ما يؤدي أحيانًا إلى اجتراح سوريالية حَدثية وليست مشهدية، أي الاعتماد على الحادثة في تحفيز المخيال، وهذه سوريالية ذاتية، فيما المشهدية منها، فيبرز فيها الرهان المرجعي، ما يُورط الفنان في نظريات الأسلاف الغابرة، وهنا يُصاب المعمل الحاسي بأعطال.


سميرة مخملباف

نستخلص من هذا أنَّ مخملباف مأخوذة بشحذ فكرة الواقع بالمخيال الذاتي، فالاحتماء بالسبورات المتنقلة من رصاص الحرب، وتراصفها مع بعضها بهيأة طيور منكمشة على صغارها هو تكوين سوريالي منبثق من التخييل الذاتي للحادثة، الفيلم الذي جسّد أحدى شخصياته المخرج بهمن قبادي، ويروي قصة معلمين جوالين، يقررون الذهاب بسبورات محمولة على الظهور إلى قرى جبال متاخمة للشمال العراقي، رغبة منهم في تعليم الصغار هناك، ما يمكّنهم من البقاء على قيد الحياة، لكنهم يُستقبلون بأقسى مما يعانون، فيجد أحد المعلمين نفسه بين مهاجرين أكراد يرومون دخول الأراضي العراقية تحت نيران الدولتين، وقد ناقش الفيلم موضوعة الاضطهاد الهوياتي.

إنّ انهماك المخرجة في ملاحقة الحوادث المموّهة، أضفى على مخيالها الفيلمي سمات التفرد في ملامستها غياب الإنساني في تلاشي المصائر، أي إنها تتبنى المأزق الفردي لتلمس بوساطته الانهيار القيمي للمجتمع، ومثال ذلك فيلم "حصان"، ففيه عَبرت من الحادثة إلى الحكاية، أي من الفردي إلى الاجتماعي، ذلك لأنَّ انحسار الحادثة في شخص ما، يخلع عنها الطابع الحكائي، ولا تتزيا الحادثة بالحكاية ما لم تُروَ إلى آخرٍ يُسهم في فك شيفراتها في الإصغاء والقول، مترصدةً ذلك من خلال حملها لكاميرا ذاتية في عرضها للسؤال المأزق، فما معنى أن يصبح طفلٌ حصانًا لابن غني، يحمله على ظهره يومًا كاملًا، ليس لشيء سوى أنه ابن لأسرة متعففة!

مشهد التشبث بتفاحة مدلاة من الأعلى بتخابث لعبي بين يدي الطفلتين، هو تلميحٌ بورطة وجودية داخلية في فيلم سميرة مخملباف

اقرأ/ي أيضًا: الرحلة في ثلاثية الشمال الإيراني لعباس كيارستمي

فيما جاءت المعالجة الإخراجية موازية إن لم أقل قد فاقت الثيمة الحكائية للفيلم، من حيث سرعة الكاميرا المتوافقة وسرعة الحدث، والملاحظ أنّها أرادت أن تضع فاصلة بين فيلم وآخر، ومع حفظ رائحة السرّية المتغلغلة في مشغلها السينمائي، لا تنبّه إلا لسينما سيميرة مخملباف فحسب، وتأكدت هذه الرائحة في رائعتها "التفاح" الفيلم الذي رسّخ من حضورها في العالم الفيلمي، ثمة أمر لا بد من التنبّه إليه يكمن في لغزية اللعب على التفاحة بوصفها ثيمةً في مناقشة قضية أُسرة إيرانية تعاني من الانسحاق المعيشي، إنَّ مشهد التشبث بتفاحة مدلاة من الأعلى بتخابث لعبي بين يدي الطفلتين، هو تلميحٌ بورطة وجودية داخلية، وقد برعت المخرجة أيما براعة في اقتناص العفوي في حياة الطفلتين.

اقرأ/ي أيضًا:

محسن مخلمباف.. الثورة بعيون الدكتاتور وحفيده

سينما كيارستمي المحبة للحياة الباحثة عن مباهجها