علي رشيد/ العراق

مرّر يده من الأسفل صعودًا إلى ذقنه، تعثرت أصابعه بتلك الكتلة التي تتوسط رقبته، لم يحبها يومًا كان يراها عاهة تفسد جمال وجهه. وجه ببشرة حنطية وعينين عسليتين، حاجبين سوداوين ولحية كثيفة بعض الشيء تخفي فكيه الغائرين.

فكّر وهو يراقب وجهه في المرآة بأن عليه أن يحلق ذقنه أو أن يخفّف من كثافتها على الأقل، فوجهه أصبح كتلة من الشعر يتوسطها أنف كبير بعض الشيء لا يفسد من جماله. تحسّس بيده من جديد رقبته ممسكًا تلك الكرة البارزة كنتوء في صخرة ملساء، ابتلع ريقه فتحركت من فوق إلى تحت عابرة الجلد.

كان قد أقلع منذ فترة عن التدخين، لكنه الآن يشعر بحاجة شديدة إلى النيكوتين، ربما بسبب التوتر الذي تملكه منذ أن آفاق. جرّ قدميه بصعوبة إلى المطبخ، صبّ ما تبقى من قهوة البارحة في كأس واتجه إلى الشرفة. أطل بنصفه العلوي على الشارع شبه الخالي إلا من رجل وثلاث قطط تنبش حاوية الفضلات.

الرابعة فجرًا، هكذا أشارت الساعة المنتصبة في شارع الحبيب بورقيبة، تعلمه بكل فجاجة أن الليل ما يزال طويلًا، وأن ساعات كثيرة تفصله عن الموعد المنتظر. رمى في جوفه دفعة واحدة ما تبقى في الكأس من قهوة وابتلعها فتدحرجت تلك الكرة في رقبته.

تجاوزت الساعة الخامسة مساء، عليها الإسراع وإلا فوّتت افتتاحية العرض، نظرت إلى وجهها في المرآة للمرة الأخيرة ثم أخذت حقيبة يدها ومفاتيح الشقة ولم تنس كيس الفضلات، فلا تريد أن تعود ليلًا لتجد المكان كحاوية قمامة تعبق منه روائح بقايا الأكل وأحشاء السمك العفن. صفقت باب التاكسي بقوة، مخبرة السائق وجهتها إلا أنه لم يحرك ساكنًا، قطبت حاجبيه فاعتلتها الحيرة إلى أن اخترقت أنفها رائحة كريهة، التفتت إلى المقعد بجانبها أين وجدت كيس القمامة عوضًا عن حقيبة يدها السوداء التي رمتها في الحاوية.

خمس عشرة دقيقة تفصله عن المسرح البلدي، غادر المجلة قبل ساعة من انتهاء دوامه حتى يتمكن من تجهيز نفسه للقائه المنتظر. مر الوقت بسرعة عكس ساعات العمل استطاع فيها لملمة مشاعره المبعثرة بين رهبة اللقاء والشوق، الذي تضخم حتى أصبح كوحش يلتهمه فاتحًا فمه مثل فرس نهر يتثاءب.

تفقد التذاكر التي يحملها منذ يومين، موجودة لم تفارق الجيب الخلفي لبنطاله، أغلق باب الشقة ونزل الدرج بسرعة متناسيًا كيس القمامة وقد بدأت رائحته تفوح من الحاوية البلاستيكية في المطبخ.

علت وجهه ابتسامة وهو يتخيل حركة كرته الغضروفية عند ابتلاع ريقه، لقد عدّل عن إزالتها بعد أن كان مصممًا على إجراء جراحة تجميلية لتخلص منها، يومها ذهب للقيام بآخر فحص وتحديد موعد العملية، استقبلته ممرضة لم يرها في المرات السابقة، لم يشده إليها جمال وجهها الطفولي أو جسدها الذي يفيض أنوثة، حتمًا أن ذلك التناقض يثيره جدًا لكن ما شده أكثر كان حديثها. فقد كانت متحدثة بارعة ناقشت معه كيف تتكون تفاحة آدم ولماذا هي عند الرجال أكثر من النساء ومخلفات العملية ونسبة نجاحها. كانت تتحدث وكان ينصت بصمت وينتفض في مكانه كالممسوس كلما مررت أصابعها على رقبته. قبل مغادرته قالت: "لوكان أبونا آدم يملك تفاحة تزين حلقه لن تكون أجمل من تلك التي لديك".

وصل أمام المسرح ضل ينتظر هذا الموعد قرابة أسبوع، استطاع أن يحصل على رقمها من إحدى الممرضات التي كان على معرفة بها، اتصل منذ يومين طالبًا منها قبول دعوته لمشاهدة عرض باليه روسي، لم تتردد قبلت الدعوة واتفقت معه على اللقاء أمام المسرح قبل العرض بنصف ساعة على الأقل.

بدت مشرقة أكثر من دون مئزرها الأبيض، قبّلها ثم صعدا درج المسرح وبعدها الدرج الذي يؤدي إلى الطابق الثاني، كان المشهد ساحرًا وهي تطل على كامل القاعة، تعجبها فكرة أن تجلس في الشرفة وأن تشاهد العرض من فوق مثل المشاهد التي كانت تراها في الأفلام المصرية القديمة.

خطر بباله وهو جالس بجانبها ما قرأه مرة لجيجيك عن خوفنا من الوقوع في الحب، هذا تمامًا ما كان يخشاه، يخاف من التغيير من أن لا يعود إلى سابق عهده وكأن لحظة الوقوع في الحب قد تم التحضير لها مسبقًا، مر في ذهنه الشريط الذي أدى به إلى الوصول إليّ هذه اللحظة العبثية التي يعيشها الآن، في السابق كانت كل علاقاته عبارة عن ممارسة للجنس بشكل مختصر، وآمن دون الوقوع في هذا التعلق المميت، أما في هذه اللحظة بالذات اكتشف أنه لم يعد بمقدوره المحافظة على مسافة الأمان تلك.

سعادة غامرة تعلو وجهها وهي تشاهد العرض، شعرها كثيف يغطي ثلثي خدها، مغرٍ أن يدفن فيه وجهه ويستنشق رائحته. رفع يده نحوتلك الخصلة وسحبها إليّ الخلف تحسسها بأصابعه ثم اقترب ليشمها عندها التفتت متعجبة لكن غير ممانعة. أحست بأنفاسه غير بعيدة عن وجهها، مرّرت يدها على لحيته الكثيفة ثم نزلت حتى تلامس رقبته بأصابعها أين تعثرت بتفاحته التي لم تستقر في مكانها بسبب توتره وبلعه المتواصل لريقه، انحنت نحوه فتأهب كل جسمه لاستقبال قبلة منها، ربما على خده، وإذا كانت كريمة ستطبعها على شفتيه، لكنها تجاوزتهما واتجهت نحو تفاحته وقبلتها مطبقة عليها بشكل لطيف "أردت أن أفعل هذا منذ أن رأيتك أول مرة، تفاحتك تغويني".

 

اقرأ/ي أيضًا:

وجوه غائمة

من حجر وإلى حجر