تغيّر دراماتيكي في خريطة اليمن: بين مشاريع الانفصال والحرب الكبرى
9 ديسمبر 2025
يستمرّ المجلس الانتقالي الجنوبي في السيطرة على مناطق جديدة جنوب اليمن كانت خاضعة للحكومة الشرعية، بالتزامن مع انسحاب قوات الحكومة اليمنية والقوات السعودية الداعمة لها من غرب عدن، بعد مغادرة الرئيس رشاد العليمي قصر المعاشيق.
المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات العربية المتحدة والذي يسعى لإعلان استقلال جنوب اليمن كدولة مستقلة كما كان قبل الوحدة عام 1990، أو كما كانت تُسمّى رسميًا "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية"، يوسّع نطاق سيطرته جنوب وغرب البلاد، وبات يسيطر على 8 محافظات للمرة الأولى بعد أن كانت سيطرته لا تتجاوز 20% من مساحة اليمن سابقًا.
هذا التوسّع يطرح سلسلة من الأسئلة حول أهداف هذا التغيّر المفاجئ والسريع: هل يمهّد لعمل عسكري ضد أنصار الله (الحوثيين) في شمال اليمن؟ أم يشكّل خطوة جديدة في طريق المجلس الانتقالي نحو إعلان دولة الجنوب؟
حرب جديدة مع الحوثي
كان الحوثيون يعتمدون على البحر عبر ميناء الحديدة، وعلى الجو عبر مطار صنعاء، للحصول على الإمدادات العسكرية والمدنية. كما اعتمدوا على خط تهريب بري عبر مناطق تحت سيطرة الحكومة الشرعية، خصوصًا عبر طرق المهرة وشبوة. لكن الضربات الإسرائيلية والأميركية أخرجت المطار عن الخدمة ودمّرت الطيران المدني في صنعاء، كما دمّرت أجزاء واسعة من ميناء الحديدة، ما عطّل الخطوط البحرية والجوية. ومع سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على مناطق واسعة جنوب وغرب اليمن، ومنها خطوط التهريب وأبرزها شبوة، أصبح شمال اليمن تحت حصار خانق برًا وبحرًا وجوًا.
هذا التوسّع يطرح سلسلة من الأسئلة حول أهداف هذا التغيّر المفاجئ والسريع: هل يمهّد لعمل عسكري ضد أنصار الله (الحوثيين) في شمال اليمن؟ أم يشكّل خطوة جديدة في طريق المجلس الانتقالي نحو إعلان دولة الجنوب؟
يتزامن هذا التقدّم مع تحركات عسكرية للانتقالي على حدود مناطق الحوثيين شمالًا، ما يشير إلى احتمال تحضير لعمل عسكري واسع، وهو ما أكّده نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح بقوله إن "ما يجري في حضرموت يندرج في إطار ترتيب مسرح العمليات العسكرية استعدادًا لمرحلة حاسمة تستهدف استعادة صنعاء وتحريرها".
وفي السياق ذاته، عقد عضو مجلس القيادة الرئاسي سلطان العرادة اجتماعًا موسّعًا للقيادات العسكرية في مأرب، بحضور رئيس هيئة الأركان العامة قائد العمليات المشتركة، الفريق الركن صغير بن عزيز، حيث شدد على "رفع الجاهزية القتالية وتعزيز الانضباط والتنسيق والعمل الاستخباراتي".
كما عقدت السلطات المحلية التابعة لأنصار الله الحوثيين في الحديدة اجتماعًا برئاسة المحافظ عبدالله عطيفي، ناقش مستوى الجهوزية الأمنية وخطط التعبئة والتحشيد للمرحلة المقبلة، إضافة إلى تطورات المحافظات "المحتلة" وفق وصفهم، وما تشهده من" صراعات وفوضى ".
هذه المؤشرات تضع اليمن أمام احتمال عودة المعارك بعد توقف دام ثلاثة أعوام منذ 2022، وتفتح الباب لجولة جديدة من التصعيد غير واضحة المآلات.
صراع جديد أم تبادل أدوار؟
في اليوم الأول، بدا المشهد وكأنه تسليم منسّق للمناطق من القوات الحكومية إلى قوات الانتقالي، خصوصًا أن العملية جرت دون اشتباكات. لكن مع مرور الأيام، ظهرت مؤشرات على أن ما جرى كان تمرّدًا من الانتقالي، فيما تجنّبت القوات الحكومية المواجهة العسكرية لتفادي صدام دموي يفاقم الأزمة.
وقد ظهر ذلك في تصريحات رشاد العليمي خلال زيارته السعودية، حين أكد "ضرورة عودة أي قوات مستقدمة من خارج المحافظات الشرقية إلى ثكناتها بموجب توجيهات القائد الأعلى للقوات المسلحة ومرجعيات المرحلة الانتقالية، وتمكين السلطات المحلية من أداء مهامها في حفظ الأمن"، معتبرًا أن التحركات العسكرية الأحادية في المحافظات الشرقية "تمثل تحديًا مباشرًا لجهود التهدئة".
وهذا يعني أن سيطرة الانتقالي الجنوبي لم تكن بالتوافق مع قوات "درع الوطن" التابعة للعليمي.
أما المؤشر الثاني فتمثّل في موجة الاعتصامات الشعبية في عدن وعدد من المحافظات الخاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي، حيث رُفعت أعلام الانفصال وطالب المحتجون قيادة المجلس بإصدار "البيان رقم واحد" لإعلان الانفصال، ولا سيما بعد أن باتت الظروف الجغرافية مواتية مع السيطرة على نحو ثماني محافظات.
المؤشر الثالث يتعلق بالطريقة التي جرى بها الاستيلاء على قصر المعاشيق، مقر إقامة وقيادة رشاد العليمي في العاصمة المؤقتة عدن. فقد تمت العملية عبر السيطرة المباشرة على القصر، وإنزال العلم اليمني ورفع علم الانفصال مكانه، ما دفع العليمي إلى المغادرة بعد إصدار أوامر بحرق المستندات والملفات الحساسة، وسحب الأسلحة والمركبات التابعة للرئاسة وإخراجها برفقة الجنود السعوديين والسودانيين، بالتزامن مع انسحاب وحدات سعودية من مواقعها في جزيرة ميون القريبة من باب المندب.
ومع غياب أي مسار سياسي واضح لاحتواء الانفجار المحتمل، يبقى المشهد مفتوحًا على جميع السيناريوهات: دولة جنوبية تتبلور، مواجهة كبرى مع الحوثيين، أو إعادة رسم كاملة لخريطة الوحدة اليمنية كما استقرّت منذ 1990
وتعكس هذه التطورات عمق الخلاف بين العليمي ورئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي، نتيجة تضارب الأهداف بين طرف يدفع نحو الانفصال وآخر يرفضه بشكل قاطع. وهو ما يشير إلى أن الخلاف المؤجَّل بدأ يتحول اليوم إلى صراع ذي أبعاد عسكرية وجغرافية، وفي حال مضيّ الانتقالي نحو إعلان استقلال الجنوب، فإن اليمن سيكون أمام مرحلة جديدة من التحولات الدراماتيكية.
اليمن أمام مفترق غير مسبوق
تبدو خارطة اليمن اليوم أمام مفترق حاسم لم تشهده منذ اندلاع الحرب، إذ يكشف تمدّد المجلس الانتقالي الجنوبي عن مرحلة جديدة تتجاوز إطار الصراع المحلي التقليدي نحو إعادة تشكيل جذرية لموازين القوى، تتداخل فيها الحسابات الإقليمية مع المشاريع الانفصالية والتحضيرات العسكرية، المعلَنة منها والخفية. وبين حصار يشتدّ على الشمال، وانقسام يتعمّق في الجنوب، وصراع نفوذ خارجي يتكثّف في الخلفية، تدخل البلاد منعطفًا قد يعيد إشعال الحرب على نطاق أوسع مما عرفه اليمن خلال العقد الماضي.
ومع غياب أي مسار سياسي واضح لاحتواء الانفجار المحتمل، يبقى المشهد مفتوحًا على جميع السيناريوهات: دولة جنوبية تتبلور، مواجهة كبرى مع الحوثيين، أو إعادة رسم كاملة لخريطة الوحدة اليمنية كما استقرّت منذ 1990. وفي ظل هذا التشابك، يبدو أن البلاد مقبلة على فصل بالغ التعقيد، لن تتحدد ملامحه إلا مع اتجاه الرصاصة الأولى التي ستُطلق شرارة الجولة المقبلة.






