تعويم العملة.. الغول الذي أطاح بوزيرة المالية لمياء الزريبي في تونس

تعويم العملة.. الغول الذي أطاح بوزيرة المالية لمياء الزريبي في تونس

وزيرة المالية السابقة لمياء الزريبي (دورسون أيدمير/ الأناضول)

"البنك المركزي سيخفض تدريجيًا تدخله لدعم الدينار ولكن لن يعوّمه كما حصل بمصر"، هو مضمون تصريح إعلامي لوزيرة المالية التونسية لمياء الزريبي وهو الذي كلّفها منصبها في النهاية، حيث سبب هذا التصريح انخفاضًا قياسيًا للدينار التونسي مما ألزم البنك المركزي بضخّ 100 مليون دولار لإيقاف نزيف الخسائر الكبيرة.

سبب تصريح لوزيرة المالية السابقة في تونس انخفاضًا قياسيًا للدينار مما ألزم البنك المركزي بضخ 100 مليون دولار لإيقاف نزيف الخسائر

ولم تكن الوزيرة السابقة لمياء الزريبي، المستقلة ضمن الحكومة لكنها مقربة من حزب نداء تونس، تعلم أن تصريحها سيسبّب انخفاضًا قياسيًا في قيمة الدينار بلغ 4 في المئة في ظرف ثلاثة أيام أمام اليورو، بسبب تصريح فُهم أنه اتجاه نحو تعويم العملة، خاصة مع تزامنه مع زيارة وفد من صندوق النقد الدولي.

اقرأ/ي أيضًا: أهم 5 أحكام في قانون المالية المثير للجدل في تونس

لم يتردّد محافظ البنك المركزي بتحميل مسؤولية الانخفاض لتصريح وزيرة المالية وما تم "تأويله بطريقة غير سليمة"، فيما وصف اتحاد الأعراف هذا التصريح بالـ"السلبي"، وهو الموقف ذاته الذي عبر عنه الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر منظمة نقابية في تونس، حيث اعتبره "غير مسؤول" و"مربك" للاقتصاد. كما اتهم الخبراء الاقتصاديون والناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي الوزيرة بالتسبب في خسائر جديدة للاقتصاد التونسي لمجرّد خطأ اتصالي صدر عنها.

من جهتها، سارعت الوزيرة لمياء الزريبي لاحقًا بتدارك الأمر بالقول إنها لم تكن تقصد الاتجاه نحو تعويم الدينار التونسي خاصة وأن حديث "التعويم" بات شبحًا بالنظر لتجربة تعويم الجنيه المصري قبل أشهر، التي سببت انهيارًا تاريخيًا لقيمة العملة. غير أن تدارك الوزيرة لم يشفع لها حيث تم إعفاؤها من منصبها وتم تكليف وزير التنمية والاستثمار فاضل عبد الكافي لإدارة الوزارة بالنيابة.

يأخذ المسؤولون الاقتصاديون احتياطاتهم عادة عند التصريح إعلاميًا للانعكاسات المهمة لما يقولونه على حال بلدانهم

ولم يكن تصريح وزيرة المالية المعفاة لمياء الزريبي هو الأول من نوعه، فقبل شهرين، صرحت لوكالة "رويترز" أن صندوق النقد الدولي "جمد منح تونس القسط الثاني من قرض" بسبب عدم قيام تونس بعدد من "الإصلاحات الاقتصادية" المتفق حولها، وهو ما أثار جدلًا في الأوساط الاقتصادية التونسية، لتتدخل الوزيرة لاحقًا عبر وسائل إعلام محلية وتنفي ما ورد في الوكالة العالمية، وتقول إنه" تم تأجيل وليس تجميد منح القسط الثاني من القرض".

اقرأ/ي أيضًا: 6 سنوات في مسار ثورة تونس.. تحديات تنموية حارقة

ويؤكد الخطأ الاتصالي الأخير للوزيرة لمياء الزريبي مدى أهمية المعلومة وتأثيرها في الأسواق المالية. وفي هذا الجانب، دائمًا ما تُستذكر واقعة شهيرة لرئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي آلان غرينسبان، حينما استوقفه صحفي اقتصادي وقام بتحيته وسأله عن أحواله، فردّ المسؤول الأرفع عن العملة الأمريكية التحية غير أنه استنكف الإجابة عن أحواله متوجهًا للصحفي "بحكم مسؤولياتي، وبحكم مهنتك، لا أستطيع الإجابة عن أحوالي اليوم". وهو ما يكشف حرص المسؤولين الاقتصاديين والماليين على التحفظ على المعلومة والدقة في التصريح بها لوسائل الإعلام.

ويُعرف غرنيسبان، الذي تولى قيادة المجلس الاحتياطي الأمريكي من 1987 إلى 2006 في ثاني أطول مدة للبقاء في هذا المنصب، بقولته الشهيرة "يجب أن أحذركم أنه إذا كانت تصريحاتي واضحة لكم فلابد أنكم قد أسأتم فهمها".

ويبدو أن وزيرة المالية التونسية لمياء الزريبي لم تتعظ من ذلك، حيث كلف تصريحها بلادها ملايين الدولارات وذلك زيادة على ما يعانيه الاقتصاد التونسي من صعوبات بطبعه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مجلة الاستثمار.. خفايا القانون الأكثر ريبة في تونس

"قوانين صندوق النقد الدولي" تؤرق البرلمان التونسي