تعرّف على 3 من أهم كتب السيرة العربية

تعرّف على 3 من أهم كتب السيرة العربية

أسعد عرابي/ سوريا

تقوم السيرة الذاتية على كشفٍ ذاتيّ، يخلط الاعتراف والوعي والتكوين والذكاء والانكسار، والفضيحة أيضًا. هي استحضار لزمنٍ مضى لأجل مساءلته واستيلاد خبرة منه، ولجعل التجربة الخاصة متاحة، كما لو أن فكرة العيش تقوم على التشارك، حتى في أكثر الأسرار حساسيةً. وهي فن الذات والحوار معها، كشفها وتعريتها، جسارتها وضعفها، صعودها وهبوطها. نتوقّف عند ثلاث من أبرز السير الذاتية في الأدب العربي كنوع من الاحتفاء بفنّ جلّ همّه إعلاء شأن الفرد.


1- الخبز الحافي.. فن الشجاعة

عادة ما تأتي السيرة الذاتية في مرحلة لاحقة من تجربة الكاتب، لكن محمد شكري (1935- 2003) كسر الصورة وخرج من الإطار مفتتحًا حياته الأدبية بعمله السيريّ "الخبز الحافي" (نشرت في 1982 مع أنها كتبت في 1972)، الذي يعدّ من أكثر الكتب شهرة في العالم العربي.

الكتاب الذي يتناول حياة محمد شكري في العشرين عامًا الأولى من حياته (1935 - 1956) أثار منذ صدوره عواصف كبيرة جنونية من ردود الفعل، حيث إن الكاتب لم يحتجب وراء أيّة أقنعة، ولم يهادن أحدًا، بل قدّم صورة عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي والعائلي والنفسي الذي عاش فيه، بمنتهى الصّدق والجرأة، منذ انتقل مع عائلته إلى طنجة في بداية أربعينات القرن الماضي، إبان المجاعة التي ضربت الريف المغربي، لتتوحّد المأساة العامة مع الشخصية، وذلك عبر تغوّل الأب الذي تجاوز الحدود كلها في عنفه، إلى درجة أنه أردى طفله الرضيع قتيلًا.

يحكي محمد شكري عن ذلك الماضي الأسود الذي تمرّد عليه بالهرب من جبروت الأب، وإلقاء نفسه في متاهة من التشرد الصعلكة والجنون. جنس وتهريب ودعارة ومخدرات. مأساة تأتي على شكل بانوراما من الغرق في وحول العالم السفلي.


2- السيرتان.. شيفرات الحياة الكردية

جميع سليم بركات (1951) سيرة الطفولة؛ "الجندب الحديدي" (1980)؛  وسيرة الصبا "هاته عاليًا.. هات النفير على آخره" (1982)، تحت عنوان "السيرتان" (1998)، وبات الكتاب علامة من علامات السيرة الذاتية في اللغة العربية. كتب صاحب "فقهاء الظلام" سيرته الذاتية بعد تكريس اسمه كشاعر، ومثّل نشر السيرة مرحلة انتقالية في مسيرته، حيث راح بعدها يوائم بين نشر شعره وروايته بتتابع لا يعرف الانقطاع.

في سيرة الطفولة "الجندب الحديدي"، يتبعه عنوان فرعي أقرب ما يكون إلى قصيدة شديدة الكثافة، هو "السيرة الناقصة لطفل لم ير إلا أرضًا هاربة فصاح: هذه فخاخي أيها القطا"؛ قدّم طفولة شقية، وحشية قاسية، عنيفة. طفولة بلا طفولة. وكأنه يريد أن يقول إنه نتاج تلك القسوة. وفي سيرة الصبا "هاته عاليًا، هات النفير على آخره"، يرسم صورة مدينته "القامشلي"، لنراها مدينة بلا مدنيّة، لا ضوابط ولا قوانين، والحياة تسير فيها بعشوائية.

تحقّق "السيرتان" وظيفة مهمة لقارئ بركات، فمن جهة توفر فرصة نادرة في التهام نص هائل، بالغ الإمتاع، ومن جهة ثانية، تمنح القارئ مفاتيح خاصة لفكّ مغاليق نص صاحب "ترجمة البازلت"، ومعاينة كتاباته اللاحقة على هدي هذين النصين اللذين أودعهما كلّ أسراره.


3- حسين البرغوثي.. تشريح الداخل والخارج

كتب حسين البرغوثي (1954- 2002) سيرتين هما: "الضوء الأزرق" (2001) و"سأكون بين اللوز" (2004)، في الكتاب الأول وضع سيرة الداخل، مازجًا الهذيان والصوفية والسريالية والتأمّل والقلق، وذلك خلال قيامه بسرد فترة عاصفة من شبابه عاش فيها بين رام الله وبيروت وبودابست وسياتل. يطلق البرغوثي العنان للجنون واللامنطق ليصنع عقلًا آخر، لا يخضع لقوانين العقل الصارمة، بل ينسفها ليجد طريقه الخاص إلى المعرفة. ولهذا نراه يفتح حوارات جوانيّة، داخلية، بين الشخص والشخص نفسه، يتقاسمها العقل والجنون، الروح والقلب. "الضوء الأزرق" رحلة في متاهات الذات الملأى بالآخرين، وتماهٍ بالهامشيين الذين عرفوا أسرار الحياة. 

أما في "سأكون بين اللوز"، وضع سيرة الخارج. السرطان دفعه إلى هذا النص، فعاد إلى الريف، مكانه الأول، عاد إلى البداية واستعاد زمنها، واحتفى بجمال الطبيعة، بحياة أسلافه الذين زرعوا حكاياتهم في تراب المكان كما لو أنها رقم غير مرئية إلا لمن يمتلك روح قادرة على اختراق الحجب، هكذا راح ينقّب في مناجم حكايات الأهل والمكان، مقدمًا العمل الأدبي الأبرز عن ريف الضفة الغربية، ولعله اختصر ذلك المسار بمقطع كتبه في الكتاب، يقول: "مرّةً قالت لي أمي: إن لم تستطع كتمان سر ما، احفر حفرة في الأرض وقله لها، ثم أهلْ عليه التراب، ادفنه فيها. وسوف يعود إليك حين يأتي الربيع: كل نرجسة، أو عشبة تبزغ من تربة تلك الحفرة، سترجع السر إلى سطح الأرض، ولن يقدر على سماعه إلا أنت".

 

اقرأ/ي أيضًا:

تعرف على 5 من كلاسيكيات الرواية العربية

تعرف إلى 4 رؤساء من العالم كتبوا أدبًا خالدًا