تعرف على "أميركان برايورتيز".. اللوبي الفلسطيني الجديد الذي يتحدّى "أيباك" داخل أميركا
10 يونيو 2026
استقطبت لجنة العمل السياسي الأميركية الجديدة "أميركان برايورتيز" اهتمامًا واسعًا داخل الولايات المتحدة وخارجها، بعدما أعلنت نفسها أول "سوبر باك" مؤيد للفلسطينيين يسعى بشكل مباشر إلى مواجهة نفوذ لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "أيباك" داخل الانتخابات الأميركية.
وتحوّلت اللجنة خلال أشهر قليلة إلى لاعب سياسي ناشئ في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، عبر ضخ ملايين الدولارات لدعم مرشحين ينتقدون إسرائيل أو يطالبون بفرض قيود على المساعدات العسكرية الأميركية لها.
تاريخ اللجنة
تأسست "أميركان برايورتيز"، "أولويات أميركا"، رسميًا في شباط/فبراير 2026، بعدما قدّمت وثائق تسجيلها إلى لجنة الانتخابات الفدرالية الأميركية، في خطوة عكست صعود تيار داخل الحزب الديمقراطي يسعى إلى بناء قوة مالية وتنظيمية مضادة لـ"أيباك"، التي تُعدّ من أقوى جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن.
وتعهدت اللجنة منذ انطلاقها بإنفاق أكثر من 10 ملايين دولار خلال انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، بهدف حماية المرشحين المؤيدين للفلسطينيين من حملات التمويل الضخمة التي تقودها جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل ضدهم.
ترى اللجنة أن الدعم الأميركي لإسرائيل لم يعد يحظى بالإجماع السابق داخل القاعدة الديمقراطية، خصوصًا بعد الحرب على غزة
قيادة يهودية للجنة
وتقود اللجنة هانا فيرتيغ، وهي مستشارة سياسية أميركية يهودية عملت سابقًا في حملة بيرني ساندرز الرئاسية عام 2020، كما شغلت مواقع داخل منظمة "جاستس ديموكراتس" التقدمية. وتقول فيرتيغ إن الهدف الأساسي للجنة يتمثل في "توفير حماية سياسية للمرشحين الذين يشككون في السياسات المؤيدة لإسرائيل"، بحيث يتمكن هؤلاء من انتقاد الحكومة الإسرائيلية أو الدعوة إلى وقف المساعدات العسكرية من دون الخوف من تدخل "أيباك" ماليًا لإسقاطهم انتخابيًا.
وتصف "أولويات أميركا" نفسها بأنها محاولة لإعادة إنتاج النموذج المالي والسياسي الذي تعتمد عليه "أيباك"، لكن لصالح الجناح التقدمي والمؤيد للفلسطينيين داخل الحزب الديمقراطي.
وترى اللجنة أن الدعم الأميركي لإسرائيل لم يعد يحظى بالإجماع السابق داخل القاعدة الديمقراطية، خصوصًا بعد الحرب على غزة، وأن الوقت حان لبناء لوبي انتخابي مضاد يربط بين القضية الفلسطينية والتيارات التقدمية الأميركية.
وتصف نفسها، بحسب موقعها الإلكتروني، بأنها لجنة فدرالية مستقلة للإنفاق السياسي أُنشئت بموجب القانون الفدرالي الأميركي، وتنشط في مجال المناصرة السياسية والاتصالات المستقلة المرتبطة بالانتخابات الفدرالية، مؤكدة أنها تعمل بشكل مستقل ولا تنسّق مع أي مرشح أو حملة انتخابية أو حزب سياسي.
كما أن تأسيسها جاء خلال الشهر نفسه الذي اندلعت فيه الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من انتقادات داخل الولايات المتحدة لما اعتُبر دفعًا من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الحرب، إلى جانب ارتفاع أسعار الطاقة واتساع الرفض الشعبي الأميركي لها.
تراجع شعبية أيباك
من جهة أخرى، يأتي إنشاء اللجنة أيضًا في ظل تراجع شعبية "أيباك" بين جزء متزايد من الناخبين الديمقراطيين، خاصة الشباب والتيارات التقدمية.
وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة "غالوب" في شباط/فبراير أن 65 بالمئة من الديمقراطيين الذين شملهم الاستطلاع يتعاطفون مع الفلسطينيين في الصراع المستمر، مقابل 17 بالمئة فقط يتعاطفون مع إسرائيل.
كما بدأت شخصيات ديمقراطية بارزة تتجنب علنًا تلقي أموال من "أيباك" خشية التأثير السلبي على صورتها داخل القواعد الحزبية.
ومنذ تأسيسها، ركّزت "أميركان برايورتيز" على الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، باعتبارها الساحة الأساسية للتأثير في تركيبة الكونغرس المقبلة.
أول نشاطات اللجنة
وكانت أولى تدخلاتها في ولايتي كارولاينا الشمالية وتكساس، حيث دعمت مرشحين تقدميين في مواجهة شخصيات مرتبطة بالمؤسسة الديمقراطية التقليدية أو مدعومة من جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل.
في كارولاينا الشمالية، دعمت اللجنة المرشحة ندى علام، وهي أول امرأة أميركية مسلمة تُنتخب لمنصب عام في تاريخ الولاية، ضد النائبة فاليري فوشي. وأنفقت اللجنة مئات آلاف الدولارات على الإعلانات والرسائل الانتخابية التي ركزت على تلقي منافستها دعمًا من "أيباك" وشركات كبرى.
ورغم خسارة علام بفارق ضئيل، اعتُبر السباق اختبارًا أوليًا لقدرة اللجنة على منافسة جماعات الضغط التقليدية.
أما في تكساس، فقد دعمت اللجنة القس فريدريك هاينز الثالث، الذي خاض الانتخابات على مقعد شاغر في الدائرة الثلاثين، وركّزت حملته على معارضة نفوذ "أيباك" داخل السياسة الأميركية. وتمكن هاينز من الفوز بسهولة في الانتخابات التمهيدية.
لكن أبرز تدخلات "أميركان برايورتيز" جاءت في نيويورك، حيث خصصت نحو مليوني دولار لدعم ثلاثة مرشحين ديمقراطيين هم براد لاندر، ودارياليزا أفيلا شوفالييه، وكلير فالديس. وجميع هؤلاء المرشحين ينتمون إلى الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، ويتبنون مواقف ناقدة لإسرائيل أو داعية إلى فرض قيود على المساعدات العسكرية الأميركية لها.
وبراد لاندر، أحد أبرز الأسماء المدعومة من اللجنة، يُعد من أكثر السياسيين اليهود إثارة للجدل داخل الحزب الديمقراطي. فهو يصف نفسه بأنه "صهيوني تقدمي"، لكنه في الوقت نفسه وصف الحرب على غزة بأنها "إبادة جماعية"، وطالب بربط المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل باحترام القانون الدولي، بل دعا إلى وقف تمويل منظومة "القبة الحديدية" من أموال دافعي الضرائب الأميركيين.
وتجدر الإشارة إلى أن لاندر وعمدة نيويورك زهران ممداني لم يشاركا في "يوم إسرائيل" في نيويورك، وقال لاندر: "لن أشارك طالما تواصل إسرائيل انتهاك القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية".
تقرؤون المزيد في: غزة تلاحق تل أبيب إلى نيويورك.. ممداني يقاطع "يوم إسرائيل"
كما دعمت اللجنة المرشحة دارياليزا أفيلا شوفالييه، التي شاركت في احتجاجات جامعة كولومبيا المؤيدة للفلسطينيين بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، واستخدمت في حملتها الإعلانية الناشط الفلسطيني محمود خليل، الذي تحوّل إلى رمز داخل التيار التقدمي الأميركي بعد توقيفه خلال احتجاجات الجامعة.
الدعم المالي
تحظى "أولويات أميركا" بدعم مالي من رجال أعمال أميركيين مسلمين ومن شخصيات مرتبطة بقطاع التكنولوجيا، إضافة إلى دعم منظمات تقدمية مثل "جاستس ديموكراتس".
وبحسب تقرير لموقع "جويش إنسايدر" المتخصص في تغطية السياسة الأميركية المرتبطة بإسرائيل واللوبيات اليهودية، ومجلة "ذا أميركان بروسبكت" التقدمية المعنية بالشؤون السياسية والانتخابية داخل الحزب الديمقراطي، تحظى "أميركان برايورتيز" بدعم مالي من رجال أعمال أميركيين مسلمين وشخصيات مرتبطة بقطاع التكنولوجيا، إضافة إلى دعم منظمات تقدمية مثل "جاستس ديموكراتس"، فيما كان عدد من ممولي اللجنة قد دعموا سابقًا حملات السياسي التقدمي ممداني في نيويورك."
ويتولى منصب أمين صندوق اللجنة مارك هانا، وهو ناشط ديمقراطي من بروكلين كان قريبًا من الشبكات التقدمية المحيطة بممداني، كما شغل سابقًا موقعًا في منظمة "يلا بروكلين" التقدمية.
تغيير داخل الكونغرس
ترى اللجنة أن دورها لا يقتصر على دعم مرشحين مؤيدين للفلسطينيين، بل يمتد إلى تغيير طبيعة النقاش داخل الكونغرس الأميركي حول إسرائيل.
وذلك، لأن وجود عدد أكبر من النواب المنتقدين لإسرائيل يمكن أن يؤدي إلى محاولات لفرض شروط على المساعدات العسكرية الأميركية، أو تأخير صفقات السلاح، أو زيادة الضغط السياسي على الإدارات الأميركية المتعاقبة بشأن الحرب على غزة والاستيطان.
وفي المقابل، تواجه "أولويات أميركا" انتقادات حادة من جماعات مؤيدة لإسرائيل، تعتبر أن اللجنة تمثل محاولة لإضعاف الدعم الأميركي التقليدي لإسرائيل داخل الحزب الديمقراطي.
كما دخلت في مواجهة مباشرة مع "أيباك"، التي اتُّهمت باستخدام "لجان ظل" وأسماء تنظيمية غير معروفة لإخفاء حجم إنفاقها الانتخابي في بعض الولايات الأميركية.
وأنفقت "أيباك" وحلفاءها ملايين الدولارات عبر منظمات تحمل أسماء عامة لا توحي بعلاقتها بإسرائيل، مثل "إلكت شيكاغو وومن" و"أفوردابل شيكاغو ناو"، بهدف مهاجمة مرشحين منتقدين لإسرائيل من دون إظهار البعد الحقيقي للحملة الانتخابية.
في المقابل، تقول "أميركان برايورتيز" إن هذه الأساليب تؤكد أن جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل تدرك تراجع شعبيتها داخل القواعد الديمقراطية، ولذلك تحاول إخفاء هويتها السياسية في الحملات الانتخابية.
وقال المتحدث باسم اللجنة غريغ كريغ إن الناخبين الديمقراطيين "يرفضون بغالبية واضحة السياسات التي تنفق أيباك ملايين الدولارات لفرضها".
ورغم أن "أميركان برايورتيز" ما تزال أصغر بكثير من "أيباك" من حيث النفوذ والتمويل، فإن ظهورها يعكس تحوّلًا سياسيًا متسارعًا داخل الولايات المتحدة، حيث بدأت القضية الفلسطينية تتحول من ملف هامشي داخل الانتخابات الأميركية إلى محور انقسام حقيقي داخل الحزب الديمقراطي، وخصوصًا بين الجناح التقدمي والمؤسسة التقليدية للحزب.
تقرؤون المزيد في: التقدميون غاضبون.. "إيباك" تثير الجدل حول نفوذها السياسي في أميركا