تعديلات على الدستور الروسي.. خيارات بوتين المحدودة لتعزيز نفوذه

تعديلات على الدستور الروسي.. خيارات بوتين المحدودة لتعزيز نفوذه

الكرملين لا يزال يشعر بالقلق من ردود الفعل الشعبية على التعديلات الدستورية (Getty)

قدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال رسالتة الرئاسية السنوية للجمعية الفدرالية مقترحًا لإجراء تعديل دستوري ينص على "منح مجلس الدوما حق ليس فقط الموافقة، بل والتصديق على ترشيح رئيس الوزراء وفريقه الوزاري"، موضحًا أنه "سيكون من واجب الرئيس أن يعينهم ولا يحق للرئيس رفض المقترحات (بهذا الشأن) التي قدمها مجلس الدوما"، مطالبًا بإجراء استفتاء شعبي على مجموعة التعديلات الدستورية، من المتوقع التصويت عليها قبل الأول من أيار/مايو القادم.

على الرغم من احتفاظ بوتين بسلطة شاملة جعلته يسيطر على السياسة الداخلية الروسية، فإن الكرملين لا يزال يشعر بالقلق من ردود الفعل الشعبية على التعديلات الدستورية

وأكد بوتين في رسالته المحافظة على بقاء "روسيا جمهورية رئاسية قوية"، مشيرًا إلى ثقته بعدم تطور النظام الإداري بسرعة لبقائه "على شكل جمهورية برلمانية"، وشدد زعيم الكرملين في رسالته السنوية على أن تكون للرئيس في التعديلات الدستورية الجديدة "السيطرة المباشرة على القوات المسلحة وجميع هيئات أنظمة إنفاذ القانون، بما في ذلك المدعون العامون الإقليميون، وتعيينهم"، وعلى ضرورة أن "يحق للرئيس إقالة قضاة المحكمتين العليا والدستورية، في حال قاموا بمخالفات، بحسب القانون".

اقرأ/ي أيضًا: انتهاء قمة النورماندي بـ"التعادل".. ما مصير الأزمة الأوكرانية الروسية؟

وجاءت مقترحات بوتين على التعديلات الدستورية بالتزامن مع الذكرى الـ20 على وصوله إلى الكرملين لأول مرة في عام 1999، حيثُ أطلق الكرملين موقعًا إلكترونيًا بعنوان "20 سنة بوتين"، يتضمن مجموعة من الصور الفوتوغرافية، والمقاطع المصورة، تنوعت بين القديمة والحديثة، ومنها مجموعة من الوسائط تنشر لأول مرة.

بوتين يريد تعزيز سلطته في الكرملين

أشارت مجلة فورين بوليسي الأمريكية في تقرير لها إلى إيقاف المراقبين والأوليغارشية الروسية توقعاتهم المتعلقة بخطط بوتين المستقبلية للحفاظ على سلطته في الكرملين بعد انتهاء ولايته الدستورية في عام 2024، إذ على الرغم من احتفاظ بوتين بسلطة شاملة جعلته يسيطر على السياسة الداخلية الروسية، فإن الكرملين لا يزال يشعر بالقلق من ردود الفعل الشعبية على التعديلات الدستورية التي ستمنح عميل الاستخبارات السوفييتي السابق سلطة واسعة النطاق، مذكرًة بالاحتجاجات الشعبية التي خرجت اعتراضًا على توليه ولاية ثالثة ما بين عامي 2011 – 2012، ما أحدث انقسامًا بين طبقة الأوليغارشية.

ويريد بوتين من وراء التعديلات المقترحة المضي قدمًا بتمهيد الطريق لتعزيز قبضته المستقبلة على النظام الروسي، لكن بدون أن يتجاوز الشرعية الديمقراطية التي تقوم عليها أنظمة الحكم في القارة الأوروبية، ومن المعلوم أن لجوء بوتين لخيار التعديلات الدستورية جاء بعد رفض الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو فكرة الاندماج مع روسيا ضمن دولة جديدة موحدة، ما قد يجعل بوتين يتجاوز عائق الترشح لولاية جديدة.

وكان الكاتب ستيفن بلانك قد توقع في تقرير نشر ضمن موقع ذا هيل الأمريكي المقرب من الكابيتول هيل أن يتدخل بوتين بقوة – وإن لم يكن بالضرورة بشكل عسكري – لدمج بيلاروسيا مع الاتحاد الروسي لإنشاء دولة اتحادية جديدة، وحاول ممارسة ضغوطًا في مختلف القطاعات لجعلها تقبل بهذا الخيار، إلا أن مينسك ردت على الضغوط الروسية بخروج مظاهرات مناهضة لموسكو ترفض الاندماج معها، ودعوة لوكاشينكو حلف شمال الأطلسي (الناتو) لإجراء تدريبات عسكرية محلية.

لذا فإنه من الممكن أن يلجأ بوتين لخيار بديل يجعله يحتفظ بالسلطة في الكرملين من خلال تعزيز دور مجلس الدولة الذي أنشئ خلال فترة ولايته الأولى في عام 2000، ويعتبر المجلس هيئة حكومية بسلطات غير محددة يلعب من خلالها دورًا استشاريًا، لكن من المتوقع أن يجري استخدامه من قبل بوتين لممارسة نفوذه بشكل كبير بصورة غير رسمية بعد انتهاء فترة ولايته الرابعة.

وعلّق الكاتب سيمون شوتر في مجلة التايم الأمريكية على توقعات لجوء بوتين لخيار تعزيز نفوذ سلطة مجلس الدولة الروسي، بالقول إن المجلس المؤلف من حكام الأقاليم والمسؤولين الروس الذين اختيروا من قبل بوتين نفسه لشغل المناصب في المجلس، قد يقوم خلال فترة ولايته الحالية بمنحه صلاحيات جديدة بموجب التعديلات الدستورية المقترحة.

وينقل شوتر عن الباحثة في مركز كارنيغي في موسكو تاتيانا ستانوفايا قولها إنه: "سيكون من المنطقي تعزيز مكانة ودور مجلس الدولة في الدستور الروسي"، وتضيف ستانوفايا في تعليقها على الدور الذي من الممكن أن يناط لمجلس الدولة ما بعد 2024، أن بوتين يعتمد على أنه سيكون رئيس المجلس ما سيجعل منه منبرًا رئيسيًا لصنع القرار.

ميدفيديف أول نائب لرئيس مجلس الأمن الروسي

ولم تمض ساعات على إعلان بوتين مقترحات التعديل الدستوري المطروحة للتصويت، حتى أعلن رئيس الوزراء الروسي دميتري ميدفيديف استقالة الحكومة من مهامها بشكل كامل، وقال ميدفيديف في كلمة استقالته التي ظهر فيها إلى جانب بوتين، إن "الرئيس، حدد ليس فقط أولويات العمل في بلدنا للعام المقبل، بل أوضح أيضًا عددًا من التغييرات الأساسية في دستور روسيا"، مشيرًا إلى أنها سوف تحدث "ليس فقط على عدد من مواد الدستور، ولكن أيضًا على توازن السلطة ككل".

ووفقًا لوسائل الإعلام الروسية فإن ميدفيديف سيتولى مهام نائب رئيس مجلس الأمن الروسي الذي جرى استحداثه خصيصًا لأجله، إضافة لبقائه في منصبه السابق كرئيس لحزب روسيا الموحدة الحاكم، واعتبر محللون أنه من السابق لأوانه التعليق على هذه الوظيفة الجديدة لمدفيديف، نظرًا لأن التعديلات الأخيرة قد تحدث تحولات عميقة في توازن الصلاحيات والمسؤوليات بين مختلف هيئات السلطة في البلاد.

ولعب ميدفيديف في فترات سابقة دورًا مهمًا في حفاظ بوتين على السلطة في الكرملين، عندما تبادل المناصب معه بخلافته رئاسة البلاد لولاية واحدة في عام 2008، وكان يُعتبر حينها كقائم بأعمال الرئيس، في ظل افتراض الكثيرين آنذاك أنَّ مهامه الرئيسية تضمنت السماح لبوتين بتولي رئاسة البلاد مرةً أخرى بعد انتهاء فترة رئاسته للحكومة.

غير أن تقارير صحفية أشارت إلى وجود خلاف بين الشخصين في بعض الأحيان، مما أثار التكهنات حول مستقبل العلاقة بينهما. ميدفيديف الذي لديه ميول للتكنوللوجيا الحديثة، وكان أستاذًا للقانون قبل استلام مهامه الدبلوماسية، علّق عليه الروس آمالهم عندما خلف بوتين لرئاسة البلاد في عام 2008، حيث شهدت روسيا خلال عهدته مكاسب قليلة في الجانب الاقتصادي سرعان ما تراجعت بقوة بعد عودة بوتين للسلطة في عام 2012.

التعديلات الدستورية بداية للمزيد من التغييرات المقبلة

وفي خطوة تمثل مضي بوتين قدمًا في تنفيذ التعديلات الدستورية، وافق مجلس الدوما الروسي على تولي ميخائيل ميشوستين منصب رئيس الوزراء، بعد أقل من 24 ساعة من ترشيح بوتين له لشغل المنصب، وحصل المدير السابق لهيئة الضرائب على موافقة 383 نائبًا من أصل 424 نائبًا، مقابل امتناع 41 نائبًا عن التصويت، فيما لم تسجل معارضة أي نائب تولي ميشوستين للمنصب، وبعد فترة وجيزة من التصويت وقع بوتين مرسومًا لتعيينه رئيسًا للوزراء.

وعلى الرغم من الانتقادات التي يواجهها بوتين من معارضيه الذين يتهمونه منذ سنوات بأنه يخطط للبقاء في السلطة، وفقًا للسياسي المعارض ليونيد فولكوف الذي قال إن "الأمور تسير حصريًا صوب تمكين بوتين من الحكم مدى الحياة"، فإن صحيفة كوميرسانت الاقتصادية اليومية وصفت التعديلات بأنها "ثورة كانون الثاني/يناير"، مشيرةً إلى أنها "تبدو وكأنها البداية فحسب للكثير من التغييرات المقبلة".

وقد تؤدي المقترحات المعلنة إلى تراجع نفوذ خليفة بوتين في الرئاسة لأنها ستنقل المزيد من الصلاحيات إلى مجلس النواب ورئيس الوزراء، ووفقًا لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية فإن انتقال ميدفيديف إلى مجلس الأمن يعتبر تجربة مرتبطة بمستقبل بوتين بعد انتهاء ولايته الرئاسية، وسط توقعات بأن يسير بوتين على نهج رئيس كازاخستان الأسبق نور سلطان نزارباييف الذي أصبح رئيسًا لمجلس الأمن في البلاد لمدى الحياة عقب تنحيه عن رئاسة الجمهورية في عام 2019.

انخفاض في شعبية بوتين لأدنى مستوياتها منذ عام 2013

شكلت الانتخابات المحلية التي أجريت في أيلول/سبتمبر الماضي صدمةً بالنسبة لحزب روسيا الموحدة الحاكم، بعدما مني بخسارة في انتخابات المجلس البلدي لموسكو، رغم بقاء الحزب مع المرشحين المستقلين الذين يحظون بدعمه مسيطرين على المجلس بشكل عام، إلا أن المقاعد الـ38 التي حصل عليها في الانتخابات السابقة في مجلس موسكو تقلصت إلى 26 مقعدًا من أصل 45 مقعدًا، وجاء خلفهم مباشرة الحزب الشيوعي بـ13 مقعدًا، فيما حصل حزبا يابلوكو وروسيا العادلة على ستة مقاعد مناصفة بينهما.

وقلل ميدفيديف في تعليقه على نتائج الانتخابات من حجم الخسارة التي مني بها روسيا الموحدة في موسكو، مشيرًا إلى حصولهم على قرابة 85 بالمائة من أصوات الناخبين في مختلف أنحاء البلاد، فضلًا عن أن جميع رؤساء الأقاليم الذين ترشحوا عن روسيا الموحدة أو المدعومين من الحزب الحاكم فازوا بالانتخابات، التي استبقتها السلطات الروسية بحملة اعتقالات طالت ما لا يقل عن 1.7 ألف شخص نظموا مظاهرات احتجاجًا على منع عشرات المعارضين من المنافسة بالانتخابات.

وأظهر استطلاع للرأي أجراه مركز ليفادا الروسي المستقل في تشرين الأول/أكتوبر الماضي انخفاضًا بشعبية بوتين المحلية بنسبة 10 بالمائة منذ عام 2017، بعدما كانت بلغت شعبيته بين الروس 87 بالمائة في عام 2014، عقب إعلان موسكو ضمها لشبه جزيرة القرم للاتحاد الروسي، إلا أن شعبيته بدأت بالتراجع تدريجيًا بعد إقراره تعديلات لإصلاح نظام التقاعد في عام 2018، لتسجل بذلك أدنى مستوى لها منذ عام 2013.

وقال المركز الذي تصفه وزارة العدل الروسية بأنه "عميل أجنبي" إن 32 بالمائة من المشاركين في الاستطلاع أبدوا إعجابهم وتعاطفهم مع بوتين، مسجلة انخفاضًا بنسبة 42 بالمائة عن عام 2017، فيما أعرب 61 بالمائة عن شعورهم بالحياد وعدم المبالاة اتجاه الرئيس الروسي بزيادة سبعة بالمائة عن عام 2017، لكن المركز أشار في الوقت عينه إلى أن معدل توافق الروس على بوتين ارتفع إلى 70 بالمائة، بعدما كانت نسبته 68 بالمائة خلال العام الماضي، فيما بلغت نسبة الرافضين للرئيس الروسي 28 بالمائة في العام نفسه.

لماذا وقع الاختيار على ميشوستين لمنصب رئاسة الحكومة؟

تشير صحيفة واشنطن بوست الأمريكية إلى أن ميشوستين الذي اختير لخلافة ميدفيديف في منصب رئاسة الوزاري لا يبدو أنه كان يؤدي دورًا بارزًا في السياسة الروسية، سيما في المجالات التي يسيطر عليها بوتين، إذ إنه يعرف عن الرجل أنه شغل سابقًا عدة مناصب في الوكالات الروسية المتنوعة المختصة بالضرائب والرسوم والعقارات، وكان مسؤولًا عن هيئة الضرائب الفيدرالية منذ عام 2010.

وقالت الباحثة في مركز كارنيجي في موسكو تاتيانا ستانوفايا عبر حسابها على منصة فيسبوك للتواصل الاجتماعي: "ليس لدى ميشوستن أي خبرة سياسية أو شعبية مع الناخبين، وهو ليس جزءًا من الدائرة الداخلية لبوتين"، مشيرًة إلى احتمالية أن يكون الدور الذي يشغله ميشوستن في الوقت الراهن ليس سوى "نائب فني"، مشبهة رئيس الحكومة الجديد برؤساء الوزراء التكنوقراطيين في أوائل العقد الأول من القرن العشرين.

ووفقًا لتقارير صحفية فإن ميشوستين مثل بوتين من مشجعي رياضة الهوكي، حيثُ شوهد يحضر المباريات في الصالات إلى جانب مسؤولي الأجهزة الأمنية في موسكو، وعمل على تطوير علاقته مع بوتين من خلال عضويته في رابطة الهوكي الليلية لبوتين، إضافة لأنه أحد أعضاء مجلس إدارة اتحاد روسيا لهوكي الجليد، كما أنه كتب ولحن مجموعة من الأغاني لفنانين روس مشهورين.

ونقلت مجلة فورين بوليسي على لسان النائب المعارض السابق جينادي جودكوف وصفه لميشوستين بأنه "موظف جديد مجهول الهوية دون طموح"، فيما قال المحلل السياسي ومستشار بوتين السابق غليب بافلوفسكي إن رئيس الوزراء الجديد "في أفضل كلمة للمعنى.. بيروقراطي رائع"، وهو ما يتماشى مع سياسة بوتين في تعيينه للمسؤولين، حيث وصفته المجلة الأمريكية بأنه يبقى "خيارًا غير عدواني" يمكن لبوتين الاعتماد عليه في تحقيق نمو اقتصادي من خلال تحويله "تصريحات الرئيس إلى حقيقة واقعية".

اقرأ/ي أيضًا: الكرملين يعيد ترتيب أوراقه أوروبيًا.. ما وراء صفقة تبادل السجناء مع كييف

وبالنظر لتجربة بوتين السابقة في الكرملين يظهر بشكل واضح أنه يريد الاحتفاظ بالسلطة بدون تجاوز عملية الانتخابات بصورة ديمقراطية، ولو أنها تظهر للجميع كصورة شكلية، ويمكن تدعيم هذه الفرضية بالرجوع لعام 2008، عندما رتب تولي ميدفيديف منصب الرئيس عوضًا عن تغيير الدستور للفوز بولاية ثالثة، قبل أن يعود إلى منصبه كزعيم للكرملين في عام 2012.

أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز ليفادا الروسي المستقل في تشرين الأول/أكتوبر الماضي انخفاضًا في شعبية بوتين المحلية بنسبة 10 بالمائة منذ عام 2017

وعلى الرغم من أن بوتين حول سياسته التي أعقبت فوزه بانتخابات عام 2012 من التركيز على النمو الاقتصادي إلى مزيد من الإجراءات القمعية التي استهدفت معارضيه سواء داخل أو خارج روسيا، فضلًا عن دعمه للانفصاليين في الشرق الأوكراني، واستيلائه على شبه جزيرة القرم، والتدخل العسكري في سوريا، فإنه ينظر إليه بين أنصاره على أنه "محاصر من قبل الأعداء"، إلا أنه بطريقة أو بأخرى ينظر إليه كذلك على أنه يستعيد أمجاد القوة العظمى للاتحاد السوفييتي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ما وراء البريكست.. أيادي موسكو الخفية في الاتحاد الأوروبي

روسيا اليوم.. صناعة الوهم البوتيني