تعديلات المناهج المدرسية في سوريا.. استرضاء شكلي أم تمهيد لاستبداد جديد
3 يناير 2025
تهدف عمليات مراجعة المواد التعليمية والتعديل على المناهج الدراسية في سوريا، إلى جانب إدخال أنشطة ثقافية معينة، إلى إيجاد توافق بين الخطاب الأكاديمي والإطار الأيديولوجي للحكومة، ومنع السرد البديل الذي قد يؤدي إلى المعارضة السياسية، وتعزيز الامتثال للأيديولوجيا السياسية للحكومة.
يُذكر أن إيران قد قامت بتغيير نظام التعليم في سياق استراتيجية أسمتها "جهاد المعرفة"، بهدف ضمان استمرار النظام لأطول فترة ممكنة في الداخل والخارج، وحمايته من أي تغيرات مجتمعية، وضمان سهولة استخدامه في الحروب، إذ من المعروف استخدام إيران لأطفال قاموا بعمليات انتحارية في الحرب العراقية الإيرانية، ليستفيق ذووهم على رسالة وداع تركوها على وسائدهم.
وليس التاريخ فقيرًا بمحاولات تغيير المناهج الدراسية؛ إذ إنه في 14 آب/أغسطس 1945، قبلت اليابان إعلان بوتسدام واستسلمت دون قيد أو شرط للحلفاء، وقد كان الشغل الشاغل في المقر الرئيس لقوات الحلفاء هو الإلغاء الفوري للتعليم العسكري والأيديولوجيا القومية المتطرفة، وكان هذا موضوع التوجيه الذي أصدرته القيادة العامة للحكومة اليابانية في تشرين الأول/أكتوبر 1945.
وفي أوائل عام 1946، دعت القيادة العامة بعثة التعليم الأميركية إلى اليابان، ولعبت دورًا حاسمًا في إنشاء نظام تعليمي جديد، وتم إلغاء الشوشين (المعزز للقومية العسكرية) من المناهج الدراسية، وحل محلها مواد جديدة، مثل شاكايكا، أو الدراسات الاجتماعية، المصممة لإعداد الأطفال للحياة في مجتمع ديمقراطي.
نستفيد من اليابان؟
لكنّ تلك التعديلات لم تكن بالشكل الأمثل، فقد انتقد أكيرا كاواساكي، ناشط ياباني من أجل السلام، قيام حكومة اليابان بشكل منهجي بمحو وصف الأعمال الوحشية والإجرامية التي ارتكبتها اليابان ضد جيرانها في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية وأثناءها في كتب التاريخ المدرسية.
وقد عمدت لإسكات المتكلمين حول أحداث مذبحة نانجينغ أو ممارسات العبودية الجنسية العسكرية، والمعروفة باسم "نساء المتعة". لقد جعلت هذه التصريحات الشعب الياباني، وخاصة الشباب، غير مدركين للحقائق الأساسية في التاريخ والتي تؤكد أن اليابان كانت المعتدية في الحرب العالمية الثانية.
وأكد كاوساكي أنّ العديد من اليابانيين يشعرون بالصدمة عند الاستماع إلى ذكريات ضحايا الفظائع التي ارتكبتها بلادهم خلال الحرب العالمية الثانية، لأن نظام التعليم الياباني يتجنب هذا الجزء من التاريخ. ويعتقد أنّ هذا التجنب يسبب مشاكل لليابان في تعزيز التفاهم المتبادل والصداقة مع الدول المجاورة لها.
ومن الجدير بالذكر أنّ مذبحة نانجينغ، المعروفة أيضًا باسم "اغتصاب نانجينغ"، حدثت بين 13 كانون الأول/ديسمبر 1937 وكانون الثاني/يناير 1938، حيث ارتكب الجيش الياباني مجازر جماعية ضد المدنيين الصينيين بعد استيلائه على مدينة نانجينغ، وبلغ عدد القتلى ما بين 200 ألف و300 ألف شخص، بالإضافة إلى آلاف حالات الاغتصاب.
ما يفيدنا من التجربة اليابانية في الحالة السورية، هو التأكيد على ضرورة ذكر أي انتهاكات ارتُكبت من جميع الأطراف في كتابة منهاج التاريخ السوري.
تقاطع مع طالبان؟
وتركز المادة 29 من اتفاقية حقوق الطفل، على أهداف تعليم الأطفال، دون تحديد المحتوى، لكنها تشدد على أنّ العملية التعليمية يجب أن تنقل القيم التي تعزز، وليس تقوض، التمتع بحقوق الإنسان.
وأشارت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل إلى أن "المناهج الدراسية يجب أن تكون ذات صلة مباشرة بالسياق الاجتماعي والثقافي والبيئي والاقتصادي للطفل واحتياجاته الحالية والمستقبلية وأن تأخذ في الاعتبار بشكل كامل قدرات الطفل المتطورة".
لكنّ العديد من الأنظمة لا ترى في المناهج الدراسية سوى وسيلة للسيطرة على الشعوب، إذ أكد الطلاب وأولياء الأمور في تقرير لـ"هيومن رايتس ووتش"، أنّ هناك تغييرات كبيرة في المناهج الدراسية منذ استعادة طالبان للسلطة في أفغانستان، وقد ساهم غياب المعلمات في عدم تدريس بعض المواد، وتم استبدال مواد مثل الرياضة والفن والتربية المدنية والثقافة بساعات إضافية مخصصة للقرآن والدراسات الإسلامية.
تركز المادة 29 من اتفاقية حقوق الطفل، على أهداف تعليم الأطفال، دون تحديد المحتوى، لكنها تشدد على أنّ العملية التعليمية يجب أن تنقل القيم التي تعزز، وليس تقوّض، التمتع بحقوق الإنسان
ونشرت "هيومن رايتس ووتش" وثيقة مكونة من 78 صفحة بعنوان "تقرير لجنة تقييم المناهج الحديثة"، ورأت أنّ هنالك مشاكل عديدة في مناهج العهد السابق، إذ رأت أنها لم تتبع الثقافة الأفغانية والعقيدة الإسلامية، وبالغت في في إيديولوجيا "الكفر" الغربية، وعرفت الطلاب بالثقافة الأجنبية وشجعتهم على تبنيها، وقدمت الديمقراطية كقيمة إيجابية، وشرحت حقوق الإنسان باستخدام التعريفات والمصطلحات الغربية، وروجت للملابس/الأزياء الغربية، أي الربطات والسراويل، وذكرت الديانة الزرادشتية من خلال القصائد والقصص، وذكرت شعراء وعلماء غير مسلمين وأثنت عليهم، ومنهم على سبيل المثال فيكتور هوغو وشكسبير، وذكرت الاحتفال بعيد النوروز (رأس السنة الفارسية) وغيره من المناسبات غير الإسلامية.
وتتقاطع هذه النقاط مع التغييرات التي أدخلتها، وزراة التربية والتعليم السورية في حكومة تصريف الأعمال، إذ عدّت زنوبيا شخصية خيالية (ولو كان حذفها من جدول في كتاب التربية الإسلامية منطقياً)، وحذفت أشعار تنتقد الاستبداد، وحذفت الفصول المتعلقة بنظرية التطور من منهاج علم الأحياء، وألغت عيد الشهداء الذين أعدمهم الحكم العثماني في 6 آيار، وعدّ العثماني فاتح سابقاً وليس محتل، وحذف صور تماثيل الإله مردوك وغيرها من كتب التاريخ، وحذف الصور من كتاب اللغة الإنجليزية.
مؤيدون للتغييرات
"نتفهم صعوبة الوضع الجديد على البعض والسبب بكل بساطة أن معظمنا ولد وشب وشاب في ظل النظام البائد، ولم يشهدوا ثورة أو أي تعديل، لكن وكما سمعنا من آبائنا الذين شهدوا "ثورة" ١٩٦٣ أنه في اليوم التالي تم قلب كل البلد، لذلك على البعض أن يعوا أن هذه ثورة عسكرية ثقافية اجتماعية اقتصادية، كان سببها النظام الممانع الذي مانع الإصلاحات ومانع الحل السياسي"، كما يقول محمد عيد، وهو طبيب سوري مقيم في العراق لشبكة "الترا صوت".
يوافقه علاء صافية، في الرأي واصفًا المعترضين بأصحاب "الهوا والبدع"، واحتجّ قائلاً "شو بدن يدرسونا ديننا على كيف العلمانيين"، داعيًا إلى وضع حد لأي تحرك يصدر عن "العلمانيين".
يقول الطبيب السوري محمد عيد لـ"الترا صوت": "نتفهم صعوبة الوضع الجديد والسبب بكل بساطة أن معظمنا ولد وشب وشاب في ظل النظام البائد، ولم يشهدوا ثورة أو أي تعديل"
وشبّه فيصل غنام ما يحصل من جدل بـ"حقبة مرسي في مصر"، مضيفًا أن "التركيز على أخطاء وتضخيمها بشكل مبالغ به، إنها ثورة مضادة مبطنة يقودها من يعتبرون نفسهم علمانيين بقصد أو بغير قصد، ويستفيد منها أعداء الثورة، لربما تكون حق، لكن يراد بها باطل".
فيما ينظر آخرون بعين الريبة إلى التعديلات الأخيرة على المناهج الدراسية، وخصوصًا أنّ كوادر وزارة التربية والتعليم في حكومة الإنقاذ يبدو أنها تتبنى تلك الأيديولوجيا، إذ قدمت جامعة ادلب رسالة دكتوراة، كان عنوانها "واقع التربية الجهادية في الثورة السورية المعاصرة في ضوء المعالم التربوية لسورتي الأنفال وآل عمران".
تعدٍّ على الفنون
وفي هذا السياق، تقول يمامة خيو، مدرّسة لمادة التاريخ لشبكة "الترا صوت" إن اختصار التعديلات الطارئة على المناهج السورية بـ"إزالة زنوبيا من كتاب الديانة" إنما هو تدليس يراد به تقزيم المشكلة التي تصفها بـ"المصيبة" الحاصلة في هذا التعديل، وأكدت أنّ "القضية ليست بزنوبيا وورودها في كتاب الديانة القضية أكبر من ذلك بكثير".
ولاحظت خيو من جملة التعديلات حذف كل ما يتعلق بالاستعمار الفرنسي ومحاربته وخاصة من قبل الثائرات السوريات، مثل نازك العابد، وأيضًا حذف جول جمال وإبراهيم هنانو وأبو خليل القباني وغيرهم، من كل ذكر لهم في فقرات شخصيات من بلدي.
أكدت المدرسة يمامة خيو في حديثها لـ"الترا صوت" أن اختصار التعديلات الطارئة على المناهج السورية بـ"إزالة زنوبيا من كتاب الديانة" إنما هو تدليس يراد به تقزيم المشكلة الحاصلة في هذا التعديل
وأضافت "أيضًا استهداف الفنون بأشكالها أينما وردت (مثال حذف فقرة النحت في كتاب اللغة الإنكليزية)، وحذف نصوص شعرية بكاملها لأنها تتحدث عن الاستبداد (كصفي الدين الحلي وعبد الرحمن الكواكبي) وغيرها الكثير".
وفي سياق التعديلات الأخيرة تم حذف الفلسفة الصينية من منهاج الفلسفة، هنا يفسر غسان حسن، محامي مقيم في سوريا، سبب الحذف في حديثه لشبكة "الترا صوت" يرجع إلى أن "الفلسفة الصينية أخطر بكثير على الأيديولوجيا الإسلامية من باقي الفلسفات، لأنها مقبولة لذهن الباحث المتعطش الذي يحمل ميولًا روحية ودينية سابقة".
ويوضح "الفلسفة الصينية وأخص منها 'الطاوية' لا تؤمن بالإله، لكنها تؤمن بالألوهة، ولكي أكون أكثر دقة يجب أن أقول بأنها لا تؤمن بشيء، ولا تدعو المريد إلى الإيمان بشيء لا يمكنه معرفته، وهي بذلك تحميه من الوقوع في الأوهام والفخاخ التي ينصبها له انحيازه الفكري المنقاد بسوط الرغبة والأحلام الشهوانية".
تأثير مضخَّم للتعديلات؟
من جهة أخرى، قلل مصطفى يعقوب، وهو باحث سوري مقيم في تكساس، من تأثير تلك التغييرات بحكم أنّ المناهج التعليمية التقليدية، تفقد قيمتها ومركزيتها العلمية يومًا بعد يوم، وستنقرض مع الزمن، لأن التطور العلمي يتسارع بشكل رهيب، ولأن ثورة المعلومات مكنت الجميع من الوصول إلى المعلومات في أي مكان بالعالم، لذلك فإنّ العديد من المناهج التعليمية اليوم في الدول المتقدمة يتم تقليصها، لصالح الجانب البحثي المفتوح أكثر.
قلل الباحث مصطفى يعقوب في حديثه لـ"الترا صوت" من تأثير تلك التغييرات بحكم أنّ المناهج التعليمية التقليدية، تفقد قيمتها ومركزيتها العلمية يومًا بعد يوم
ويؤكد "حتى لو حذفوا نظرية التطور من المنهاج ومردوخ والآلهة الأم وتشريع حمورابي، لن يكون له تأثير على صناعة جيل جاهل أو متخلف، إذ يوجد آلاف الكتب عن نظرية التطور متاحة للجميع وبكبسة زر، وهناك ذكاء صناعي يتسرب لكل مفاصل الحياة بما فيها المؤسسة التعليمية، وعندها تتحرر المعلومة من سلطة الحكومة".
ودعا إلى ترك تلك التعديلات من مبدأ "يفقوا هالدملة تبع نظرية التطور وغيرها" معتبرًا تأثيرها صفريًا على إلغاء المعلومة ذاتها، "كان يمكن أن تكون ذات أثر كبير في السابق قبل ثورة المعلومات والاتصالات، وأيام حرق المكتبات، لكن اليوم الوسيلة الوحيدة لإلغاء المعلومات ومنعها هي التحول لكوريا الشمالية".
الشرع يراوغ ويسترضي بتغييرات المناهج
أما عبد الله شاهين، وهو طبيب وباحث سوري، لديه وجهة نظر مختلفة يقولها لشبكة "الترا صوت": "أعتقد بأنني مصيب في اعتباري أن الشخص الذي وراء عملية مثل التي رأينا في ردع العدوان والتخطيط الذي سبقها التصريحات والمقابلات التي شاهدناها جميعًا، شخص ذكي وواقعي وصاحب رؤية".
يرى الباحث السوري، عبد الله شاهين، في حديثه لـ"الترا صوت" أن تعديلات المناهج التعليمية "إجراءات شكلية وهامشية وأقرب للتفاهة
ومن ناحية أخرى، يضع شاهين عملية إدخال تغييرات في المناهج في إطار مجموعة من الإجراءات، التي أصبحت محط "تساؤلات خطيرة" مثل التعيينات والترفيعات وتغيير الأسماء، في إطار شكلي بحت، ويوضح "كل هذه تبدو إجراءات شكلية وهامشية وأقرب للتفاهة، نستطيع أن نقول "مو وقتها" بكل أريحية".
ويعتقد أن الإدارة الجديدة لا تقوم بذلك عن عبث، وإذا صح ذلك فإن السبب الوحيد الذي يستنتجه شاهين من المعطيات الحالية هو أنّ "الشرع يحاول ارضاء جماعته خوفًا من عصيانهم أو بطشهم وفي محاولة لكسب تأييدهم في هذه المرحلة، كما يحاول جاهدًا استرضاء العالم الخارجي واسترضاء أفراد من جماعته بإعطائهم بعضًا من الحصص في الكعكة وتغيير أشياء رمزية تستهويهم وتعني لهم شيئًا".
يشاركه الرأي، الكاتب والصحفي والباحث في الجماعات الجهادية الإسلامية، حسام جزماتي، الذي أكد أنّ الشرع تخلى عن الأفكار الجهادية السلفية إلى غير رجعة "خرج من السجن خالي الوفاض، ولكن انتماءه هو رأس ماله الوحيد لتحقيق حلمه"، ودعا إلى عدم الخوف من حكم إسلامي متشدد، وإنما من مشروع طاغية متحكم ينشده.







