تعالَ يا فأسًا تشتاقُك الشجرة

تعالَ يا فأسًا تشتاقُك الشجرة

كودي لومن/ أمريكا

في غيابي وفي مخيلتكَ يُمارس تضاد الكلمات مهنتهُ الشهيّة، أرحل معلقة في جوف ذهنك صورًا لرفِ أسنانٍ تضحك، لأنوفٍ بأخطائها المتكررة، حاجبان مُفلسفان يصعبُ فهم أحدهما حين يضطربُ المزاج، في الغياب أتربع على غيمٍ كئيب ألبس البيجامةَ القطنية السوداء وأنوحُ على فيلمٍ قصير عن شخصٍ في ولايةٍ بعيدة عُثرَ عليهِ في الشتاء يلتهمُ القطط، تعرفني، تحفظُني أنت، لا أحب القطط ولا الأشخاص البعيدين ولا التلفاز حتّى، تعرفُ أيضًا أن كرة القدم غريمي الأوّل، تخيّل أبكتني هزيمةُ إحدى الفُرق اليابانية في مبارياتٍ قد لا تندرج حتّى في قوائم التدريب المدرسي. البارحة جاءت عُليّا، استقبلتها بوجهٍ غضبان، وحين سألتني عن السبب قلتُ تَأخروا هذا الأسبوع عن أخذ القمامة من أمام المنزل، تأخروا كثيرًا وفي القمامة رميّت كلَّ هلوساتي كشخصٍ تحت تأثير البنج، رميتُ مناديلَ غارقة بالدموع، ومناديل أخرى بللها الندم، صرختُ في وعاءٍ بلاستيكٍ قديم، ورميتهُ أيضًا.

هذا الأسبوعُ لم يتأخر أحدٌ عن موعده في الحقيقة، هذا الحي الكبير قليلًا يمشي وفق نظامٍ مللٍ أبدًا يتبدل، جاء ساعي البريدُ كمّا الصباحات السابقات كما في التاليات أعرفهُ في أيّ دقيقةٍ سيصلُ أيضًا، جاء عاملُ النظافةِ هو الأخر، وقد ألقى التحيّة، أخذ القمامة كلّها على ما اظن، إلّا التي ظلّت خلف الباب الموارب، التي احتفظت بها على مضض، وعلى رغبةٍ غبيّةٍ منّي. في الأسبوعِ المكرر هذا، لم يتأخر أحدٌ عدا رسالتك المنتظرة، التي تزيدُ تصلُب طقوس مزاجي، والتي تعبثُ بسلحفاة الوقت.

كيف تسلّقت وداعًا ذيل لسانك بهذهِ السهولة، كيف صار الغيابُ أبرعَ هواياتك، كيف أصبحت كفُّ اللقاءِ التي تُعانق بارعة في التلويح نحو الرحيل، صرت تذهب بإتقانٍ وتختفي بسهولةٍ يصعب فهمها، كيفَ يرحل المرء أخبرني دون التأرجح على الأبجدية والتعلثم فيها، دون عواصفِ بردٍ واتهام، كيف ترحلُ هكذا خفيفًا لا يُثقلكَ سؤال، تذهبُ مرتاحًا وتجرُّ جسدك خاليًّا من موسيقى العتاب، لا تأنيبَ تتركهُ للطرف الأخر، دونَ لومٍ يأتيك النعاس على عجلٍ وتستقيظ وهناك يومٌ أخرٌ جديد، في رحيلك لا رزنامة للنواح، لا تتسلى في شطبِ الليالِ الأرملة، لا ظنَّ أو حتّى  مشاعرٌ متأججة.

في غيابك الصامدُ الصنديد، أريدُ فقط أن أُحييك على متانةِ رأسك الصخرُ الجليد، وعلى أعصابك المتماسكةُ الظالمة، عيونك الهادئة، ابتسامةُ غمازتك الوحيدة، على بردك أمام جمرِ اللوم بُركانُ الحمم فيك أمام برق الاستفهام ورعده الكثير، على نومك البليد أمام هول الفاجعة، وقفتك المستقيمة، اعتنائك بمظهرك الخارجي. أحبُ فيكَ أنك لا تسهى ولا تنسى يا قاسيًا مهما حصل، تعرف جيدًا كيف تمشي مشية القيصر المحتال، كيف ترشُ عطرًا يثيرُ شهيّة قلبي، كيف تضعُ قدمًا على الأخرى بكلُ وقاحةٍ، وكيف تستعيرُ لطافة كلبك أدريان أوقات المجاملة المُجبر عليها لقضاءِ مصلحةٍ تخصك، في غيابك أقولُ حسنًا، ولا شيء غير ذلك يُقال. حسنًا أيها الغيابُ القارسُ بردك، لا بأس بالقليلِ من سكراتِ الموت في فنجانِ الشاي الصباحيِّ. لا بأس.

 

اقرأ/ي أيضًا:

وانكسرت أربع جِرار

حذاء ضيق