تعالوا نفتّش في عيوبنا

تعالوا نفتّش في عيوبنا

مروان قصاب باشي/ سورية

"الشرقيون لا يأكلون بقصد الفائدة، إنّهم يأكلون بقصد اللذة، ووجبات الطعام بالنسبة لهم طقسٌ من الطقوس الخرافيّة التي يمارسونها وهُم في حالةٍ من الغيبوبة، بحيث يتعذر على أيّ واحدٍ منهم أن ينتزع نفسه بسهولة منها". هذا ما كتبه بيتر الذي ألبسه الروائي عبد الرحمن منيف دور البطل، في أوراقه الخاصّة بملاحظاته عن الشرق الأوسط برواية "سباق المسافات الطويلة".

ليس العنف الذي تمارسه أنظمة المنطقة مستغربًا، بمقدار ذلك العنف الذي يكيله المظلومون والمغبونون لبعضهم البعض

إشارة منيف تبدو لوهلةٍ لا تعدو كونها محاولة لفك طلاسم منطقتنا عصيّة الفهم على الغرباء، وخصوصًا حين اجترح حيّزًا مهمًا من ثقافة شعبنا/شعوبنا للحديث عنه. منيف يُقوّل بطله القادم من أوروبا عن صدمةٍ مهوّلة تصيبه لشدّة نهم الشرقيّين وتفنّنهم بتقفّي اللذة في المأكل، وذلك بعكس المكان الذي قَدِم منه، حيث المنفعة هي الاعتبار الأوّل في طبيعة مأكل الكثيرين من أهل تلك البلاد، وربّما جلب المنفعة يحدّد أيضًا المسالك الحسّيّة والمعرفيّة وغيرها في حيوات أولئك الناس.

يبدو أنّ منيف، وهو المولع في رواياته (كتاباته أقرب للبحوث الاجتماعية منها إلى الرواية) باستشراف مستقبل المنطقة وشعوبها، لم يُرد أن يحصر ما قاله بيتر في إطار سلوكيّات الطعام بقدر ما أراد إسقاطها على مسلكنا العام، إلا أنّه ركّز على سلوكين فاعلين يحكمان أهل المنطقة منذ القديم الغابر، أولهما التسلط وثانيهما العنف. هذان العنصران المترابطان ترابطًا يصل التماهي، أحدهما مدخل والآخر نتيجة، والعكس بالعكس.

خلال عشرات السنين التي قضت مارست أنظمتنا "السلطوّية" أو التسلّط لا الشموليّة، كون الأخيرة تحتاج تطوّرًا تقنيًّا وعلميًّا من جهة، وتغلغلًا تامًّا في مناحي الحياة أجمعها وعلى كلّ صعيد من جهةٍ ثانية، بصرف النظر عن التكوينة الطبقيّة للمجتمع، كما هو الحال في كوريا الشماليّة التي لمّا تصل مصافها بعدُ الأنظمة العربية. أنظمتنا استعاضت عن الشموليّة بالتسلّط، ولطالما مارسته حدَّ الّلذّة، وإن كان تسلّطًا بالمتاح. وإلّا كيف يمكن أن نبرر لبشار سورية وصدام العراق تمسّكهما الأعمى بالسلطة لولا لذّةً تملّكتهما. هي طوباويّة التلذّذ في التحكم بحياة البشر ومماتهم. لذّة التألّه والنُّصب واللوحات الجدارية المصوِّرة لجنون التمسك بهذي الغبطة السلطويّة الشهيّة.

لطالما حيّرتني أفكاري في دافع هؤلاء وغيرهم للتشبّث بجبروتهم، لاسيّما أنّ معظمهم كان يستطيع الخروج دونما حساب، وبشيك مفتوح كذلك. لقد قُدِّمت عروض مغرية وكثيرة لكل الذين انتُزعوا من كراسيهم جبرًا أو قتلًا للرحيل.. لكنّهم رفضوا، فكما يأكل الشرقيّون طعامهم المعقد مستلذّين بخيالاتهم، يبدو "القادة" كذلك وهم يمارسون سلطتهم ويختلقون أساطير لأنفسهم.

أما لذة العنف المرتبطة بالتسلّط فلا تلفت نظري حين تمارسها أنظمة المنطقة بحقّنا كشعوب، بل ما يستوقفني هو العنف الذي يكيله المظلومون والمغبونون خلال العقود الماضية على كل ما هو أمامهم، هي كلبيّة الراغب بتدمير كلّ ما هو أمامه، صالحًا كان أم طالحًا، كحال عناصر داعش المستعدّين للتلذّذ بقتل أنفسهم حين تشفّ لذاتهم بغريبٍ لا يأتيه سويٌّ. إذ حدث بمحافظة دير الزور أن نفّذ تنظيم "داعش" عملية إعدام بحق شابٍّ اتُّهم بالتعامل مع الجيش الحر، وأثناء تنفيذ الحكم انفجرت العناصر بقهقهاتٍ هستيريّة أذهلت الحضور أكثر من مشهد الرأس المقطوعة، إذ لم يجد حاضر المشهد ما يدعو للضحك.

رغم أن منيف حاول عبر نصّه الروائي تسليط الضوء على النظرة الكونيالية لدى أبناء دولٍ استعمرتنا كعربٍ لا يعدون كونهم وحوشًا آدميّة، إلا أنّه أقام الحجة علينا بأفواهنا وأفعالنا... فتعالوا نفتّش في عيوبنا.

اقرأ/ي أيضًا:

السلطة الذكورية على هيئة أغنية ناعمة

أبناء البابا وإخوان حمودة