تطورات معارك ريفي إدلب وحماة.. أي مصير منتظر؟

تطورات معارك ريفي إدلب وحماة.. أي مصير منتظر؟

رجل سوري دمر متجره في قصف جوي للنظام، في 15 أيار/مايو 2019 (Getty)

بدأت فصائل المعارضة المسلّحة في ريفي إدلب وحماة مساء الثلاثاء هجومًا عكسيًا ضدّ قوّات النظام لاستعادة المناطق التي خسرتها لصالحه مؤخّرًا. حيث سيطرت الفصائل المنضوية تحت لواء "الجبهة الوطنية للتحرير"،  على بلدة كفرنبودة والقرى المجاورة لها، دون الإعلان عمّا إذا كانت المعركة قد انتهت أم أنّ الخطوة الثانية ستكون التقدّم نحو بلدة قلعة المضيق الاستراتيجية للسيطرة عليها، وطرد النظام خارج ريف حماة بعد تقدّمه قبل أسابيع تحت غطاءٍ جوي وناري روسي كثيف كلّفه خسائر فادحة.

ريف حماة... روسيا خاسرة مرةً أخرى

راهنت روسيا بشكلٍ كبير على هذه المعركة، ووفّرت للنظام غطاءً جويًا مكّنه من السيطرة على بلدتي قلعة المضيق وكفرنبودة، دون أن يتجاوز هاتين البلدتين. ويُرجح أن مسعى الروس من هذه المعركة كان أولًا إعادة الاعتبار بعد هزيمتها قبل أربعة أعوام في المنطقة نفسها. وثانيًا، إعادة العمل بتكتيك القضم؛ أي التقدّم نحو منطقة ومن ثمّ طلب الهدنة لتثبيت تقدّمها بما يضمن بقاءها فيها، في تكرارٍ واضحٍ لسيناريو الغوطة الشرقية ودرعا. وأخيرًا، تجريد تركيا من أوراق الضغط بحيث تتمكّن من فرض حلّها هي، دون تفاهمات أو حوارات مع أي طرفٍ محلّي أو إقليمي. ولكنّ ما حدث هو العكس تمامًا، ذلك أنّ فصائل المعارضة، وبدعمٍ تركيٍّ، تمكّنت من صد تقدّم قوّات النظام، متبعة تكتيكًا جديدًا يعتمد على الصواريخ المضادّة للدروع لوقف تقدّمه. كما رفضت طلب الجانب الروسي بفرض هدنة تثّبت تقدّم النظام، مصرّةً، ومن خلفها الضامن التركي، على انسحابه من القرى التي تقدّم إليها.

لا يبدو  أنّ تكرار السيناريوهات التي حصلت في مناطق خفض التصعيد قابلةً للتكرار. فالجانب التركيّ من غير الممكن أن يقبل بخسارة إدلب

لا يبدو إذًا أنّ تكرار السيناريوهات التي حصلت في مناطق خفض التصعيد قابلةً للتكرار. إذ من غير الممكن أن يقبل الجانب التركيّ بخسارة إدلب، وانحسار نفوذه في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون فقط، ما يعني انحسار تأثيره في الملف السوريّ أو خسارته كاملًا، بعد التكاليف الكبيرة التي قدّمها في هذا الملّف. فكما أنّ العودة بالنسبة لفصائل المعارضة إلى ما قبل تاريخ 2011 غير واردة إطلاقًا، يرى الأتراك أنّ العودة إلى الوراء بعد هذه السنوات أمر مرفوض. وجاءت ترجمة هذا الرفض من خلال الدعم الكبير الذي قدّمته للجبهة الوطنية للتحرير، لا سيما الصواريخ المضادّة للدروع التي تمكّنت من إيقاف زحف النظام.

اقرأ/ي أيضًا: إدلب على خط النار.. النظام يصعد عسكريًا ويجبر الآلاف على النزوح

ينفي ذلك كلّ ما روّج من أحاديث عن بيع إدلب أو وجود صفقة بين الروس والأتراك، تذهب فيها أجزاء من ريف حماة وإدلب للروس، مقابل ذهاب تل رفعت للأتراك. ويؤكّد ذلك أيضًا أنّ الجانب الروسي من خلال دعمه الهجوم على المناطق المذكورة أعلاه، إنّما يسعى للتغطية على الانهيارات المتتالية للنظام داخليًا، خدماتيًا وأمنيًا وعسكريًا. لا سيما وأنّنا نتحدّث عن نظامٍ لم تبقَ منه سوى بضعة أجهزةٍ أمنية متصارعة لجهة الولاء بين روسيا وإيران، ما يعني أن مكاسب الطرف الأوّل بدأت تتحول إلى تكاليف عالية. والحل كان أن يتقدّم النظام بدعمٍ روسي نحو إدلب بهدف السيطرة عليها، وإظهار نفسه عالميًا بأنّه صاحب اليد العليا في البلاد. ومع الرفض التركيّ، وانتقال المعارضة من الدفاع إلى الهجوم، بات واضحًا أنّ الروس يدعمون نظامًا لا مستقبل له، بل إنّه تحوّل إلى عبءٍ عليهم، وأغلق الكثير من نوافذ الحل، ما سيجعل الخيارات عندهم أقلّ مما كانت قبل الهجوم.

معركة ريف حماة... الجولاني خاسرًا هذه المرّة

في ظلّ كلّ هذه التطوّرات المتسارعة، من الممكن أن نلمس تأثير هذه المعركة الكبير على هيئة تحرير الشام، وزعيمها أبو محمد الجولاني، ومشروعه الذي عمل على فرضه أمرًا واقعًا من خلال قوّة السلاح، أي وضع فصائل الجيش السوري الحر المعتدلة تحت عباءته، سياسيًا وعسكريًا، بعد قضائه على حركة نور الدين الزنكي، وتهجير مقاتلي حركة أحرار الشام من سهل الغاب نحو مناطق درع الفرات وغصن الزيتون، إثر إجبار الحركة على حلّ نفسها هناك، أي حيث مسقط رأس مؤسّسها، حسّان عبّود، وعددٍ كبير من قياديّيها، وحيث الثقل الحقيقي لقوّة الحركة، وخزّانها البشريّ.

كان مسعى الجولاني من معاركه ضدّ الفصائل مرتبطًا بأهداف أخرى غير السيطرة على إدلب وأجزاء من ريف حلب، والثأر من بعض القوى المنافسة. كان الهدف الأهم  إظهار الفصائل في موقف ضعفٍ لطرفين؛ أهالي المناطق المحرّرة أوّلًا، والأتراك ثانيًا. فروّجت للطرف الأوّل بأنّ هذه الفصائل لم تعد قادرة على مواجهة هجمات النظام، والدفاع عنهم، بينما هي اليوم قادرة على فعل ذلك. ولمّحت للأتراك الذين يموّلون ويسلّحون الفصائل بأنّها التنظيم الأكثر كفاءة للاعتماد عليه بدلًا من الاعتماد على مجموعاتٍ صغيرة لم تستطع الصمود في وجه ضرباتها، فكيف بضربات النظام؟ ولكنّ النتائج المرجّوة جاءت عكسية هذه المرّة. فعلى الرغم من أنّ هيئة تحرير الشام هي صاحبة النفوذ الأقوى في إدلب، وتسيطر على مساحاتٍ كبيرة من المحافظة، إلّا أنّ ذلك لم يعد يعني أنّها الأقوى اليوم.

وجد الجولاني نفسه يُقاتل إلى جانب خصومه لإنقاذ نفسه أوّلًا. فتعويمه، كما توقّع، لم يحدث. والفصائل لم تقبل بمشاريعه السياسية والعسكرية

الجبهة الوطنية للتحرير أكّدت أنّ لا حاجة للاندماج مع تنظيم الجولاني في كيانٍ عسكريٍ واحد، أو الدخول أيضًا ضمن خططه القادمة، ما يعني استمرار حشره في زاوية عبئه الأيديولوجي، وتبعيته التنظيمية، رغم محاولاته المستمرّة للتخفّف منهما. وكان من المُلفت في هذه المعركة قبوله مرغمًا عودة مقاتلي حركة أحرار الشام إلى ريف حماة بعد تهجيرهم قبلًا. فهؤلاء المقاتلون من أبناء المنطقة، ولهم تجارب كبيرة في التصدّي لهجمات النظام، كان أبرزها حملة الروس عام 2015.

اقرأ/ي أيضًا: هل سيخلع الجولاني العمامة حقًّا؟

أخيرًا، وجد الجولاني نفسه يُقاتل إلى جانب خصومه لإنقاذ نفسه أوّلًا. فتعويمه، كما توقّع، لم يحدث. والفصائل لم تقبل بمشاريعه السياسية والعسكرية. ولا شكّ في أنّ هذا الأمر سوف يرسم مسارًا جديدًا للعلاقة بين هيئة تحرير الشام والجبهة الوطنية للتحرير. ولكنّ ذلك يعتمد على استغلال هذه المعركة من قبل الفصائل المنضوية تحت لواء الجبهة بشكلٍ يمكّنها من العمل على إعادة هيكلة نفسها من جديد، وبشكلٍ خاص حركة أحرار الشام التي تمكّنت من العودة إلى ريف حماة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

خطاب بشار الأسد... النور ضد العتمة

في نقد الثورة