تطورات جنوب اليمن: لماذا تثير قلق القاهرة؟
27 ديسمبر 2025
شهد الجنوب اليمني خلال الأيام الماضية تحولات جيوسياسية لافتة أعادت رسم المشهدين السياسي والعسكري، عقب بسط المجلس الانتقالي الجنوبي نفوذه على محافظة حضرموت ومناطق واسعة في شرق البلاد، وصولًا إلى مدينة عدن، التي شكّلت طوال عقد كامل المقر الرسمي للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
وبذلك باتت عدن عمليًا خارج سيطرة الحكومة، مع مغادرة معظم القيادات السياسية والعسكرية، بما في ذلك رئيس الوزراء ورئيس مجلس القيادة الرئاسي، ما أفضى إلى فراغ مؤسسي غير مسبوق وهيمنة شبه كاملة للمجلس الانتقالي.
وتتعمّق تعقيدات المشهد مع تصاعد الخطاب الانفصالي للمجلس الانتقالي، الذي لم يعد يخفي توجهه نحو إحياء مشروع "دولة الجنوب"، في تطور ينذر بفتح فصل جديد من الصراع اليمني، يتجاوز أبعاده الداخلية ليطال التوازنات الإقليمية.
إذ أن إعادة طرح مسألة الانفصال في هذا التوقيت الحرج تحمل في طياتها مخاطر تفكيك ما تبقى من معادلة التسوية السياسية، وتكريس واقع جغرافي وسياسي جديد يصعب احتواؤه أو حتى تلجيمه في ظل التغيرات التي شهدتها معادلات القوى والتوازنات في الآونة الأخيرة.
وفي خضم هذا المشهد المتشابك، تقف القاهرة في موقع المراقب الحذر، ترصد مسار الأحداث في انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع بعد بلوغها مستويات غير مسبوقة من التوتر، فاليمن، بحسب الرؤية المصرية، لم يعد يُنظر إليه بوصفه ساحة داخلية مغلقة، بل بات مسرحًا مفتوحًا لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، بما يجعل أي تحول فيه ذا انعكاسات مباشرة على أمن المنطقة وتوازناتها الاستراتيجية.
مشروع الدولة الجنوبية يعود للأضواء
منذ انخراطه رسميًا في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا بموجب اتفاق الرياض عام 2019، تحرّك المجلس الانتقالي الجنوبي بهامش واسع من النفوذ السياسي والعسكري، مستفيدًا مما منحه الاتفاق من تمثيل داخل مجلس القيادة الرئاسي وحيازة حقائب سيادية.
تتعمّق تعقيدات المشهد مع تصاعد الخطاب الانفصالي للمجلس الانتقالي، الذي لم يعد يخفي توجهه نحو إحياء مشروع "دولة الجنوب"، في تطور ينذر بفتح فصل جديد من الصراع اليمني، يتجاوز أبعاده الداخلية ليطال التوازنات الإقليمية
وقد أتاح له ذلك توظيف موقعه الرسمي لتكريس وقائع ميدانية، عبر سلسلة من التحركات العسكرية التي أفضت إلى بسط السيطرة على معظم مناطق الجنوب والشرق، وهي مناطق ذات ثقل استراتيجي كبير نظرًا لثرواتها الطبيعية وموقعها الحيوي على الموانئ وخطوط الملاحة والإمداد الدولية.
ومع ترسيخ هذا النفوذ، بدأت ملامح مشروع الدولة الجنوبية تطفو إلى السطح مجددًا، ولكن بصيغة أكثر برغماتية تتكئ على البعد الخارجي، ففي هذا السياق، فتح المجلس الانتقالي باب التطبيع مع إسرائيل بوصفه مدخلًا لكسب الشرعية الدولية، إذ صرّح رئيسه عيدروس الزبيدي، خلال زيارة إلى الولايات المتحدة، بإمكانية إقامة علاقات رسمية مع تل أبيب، معتبرًا أن قيام دولة جنوبية مستقلة سيفتح المجال للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام وصياغة سياسة خارجية منفصلة، وفق ما نقلته صحيفة "معاريف".
وبالتوازي، كشفت صحيفة "التايمز" عن اتصالات مباشرة بين المجلس ومسؤولين إسرائيليين لبحث ملفات مشتركة، في مقدمتها مواجهة الحوثيين، إلى جانب إبلاغ دبلوماسيين غربيين وأعضاء في مجلس الأمن بأن وحدة اليمن باتت من الماضي، وأن الاستعداد جارٍ لإعلان دولة جنوبية مستقلة.
غير أن هذا المسار، رغم طموحاته، لا يزال محفوفًا بعقبات جوهرية، أبرزها الرفض السعودي، والتحفظات الغربية إزاء مشروع الانفصال وما قد يترتب عليه من تداعيات عميقة على استقرار اليمن والتوازنات الإقليمية.
تصاعد النفوذ الإسرائيلي
بعيدًا عن اختزال المشهد اليمني في إطار صراع نفوذ عربي–عربي، يبرز فاعل آخر يراقب التطورات بهدوء وحذر، يتمثل في الكيان الإسرائيلي، الذي يرى في ترجيح كفة الانفصال فرصة استراتيجية تخدم اعتبارات أمنه القومي.
هذا الحضور غير المعلن يضع تل أبيب، بصورة غير مباشرة، في صلب معادلة الصراع، باعتبارها طرفًا يسعى للتأثير في مستقبل الجنوب اليمني، بل وربما بعيد تشكيل خارطة الدولة من جذورها، انطلاقًا من قراءة تتجاوز الداخل اليمني إلى حسابات إقليمية أوسع.
ويستند الاهتمام الإسرائيلي المتزايد باليمن إلى الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية حيوية عالميًا، بوصفه حلقة وصل أساسية بين البحر الأحمر والمحيط الهندي.
فتل أبيب تنظر إلى أي تهديد محتمل للملاحة في هذا المضيق على أنه خطر مباشر على تجارتها البحرية وأمن ميناء إيلات، فضلًا عن كونه ورقة ضغط قد تقع في يد خصومها، وعلى رأسهم إيران، ومن هذا المنطلق، تتعامل إسرائيل مع التطورات اليمنية باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من معادلة أمن البحر الأحمر والصراع الإقليمي، لا أزمة داخلية معزولة.
ومنذ اندلاع الحرب على غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تحولت الجبهة اليمنية إلى أحد أكثر مسارح الاشتباك تعقيدًا بالنسبة لإسرائيل، مع تصاعد هجمات جماعة الحوثي بالصواريخ والطائرات المسيّرة على العمق الإسرائيلي، واستهداف السفن المرتبطة بها في البحر الأحمر.
وفي هذا السياق، جاء الانخراط الإسرائيلي في الملف اليمني ضمن مواجهة شاملة مع إيران، عبر مسارين متوازيين: ضربات عسكرية مباشرة ضد الحوثيين، بدأت في أيار/ مايو 2025، ومسار غير مباشر يقوم على دعم صعود المجلس الانتقالي الجنوبي، لا سيما عبر البوابة الإماراتية عقب "اتفاقيات أبراهام"، بهدف تحييد الحوثيين، وتأمين البحر الأحمر وباب المندب، وتعزيز موقع إسرائيل في معادلات الصراع الإقليمي.
زيادة الهجرة غير الشرعية
في لحظة يرزح فيها اليمن تحت واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث، بعدما حصدت الحرب أرواح عشرات الآلاف ودفعت أكثر من 17 مليون إنسان إلى حافة المجاعة، يجد هذا البلد المنهك نفسه أمام مفارقة صادمة؛ إذ تحوّل، رغم الانهيار الشامل وانعدام مقومات العيش، إلى وجهة لعبور موجات متزايدة من الهجرة غير الشرعية القادمة من دول القرن الأفريقي.
ووفق تقديرات منظمة الهجرة الدولية، دخل اليمن خلال شهري أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر 2025 أكثر من 26 ألف مهاجر، مع تسجيل شهر تشرين الأول/ أكتوبر وحده قرابة 18 ألف وافد، بزيادة قاربت 99% مقارنة بالشهر السابق، في مشهد يعكس تناقضًا صارخًا بين واقع الداخل المنكوب وتدفقات الخارج.
هذا التناقض الفجّ لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق الانهيار الشامل للدولة وتآكل قدرتها على ضبط حدودها وإدارة أزماتها، إذ تتجاوز القضية أبعادها الاقتصادية والأمنية التقليدية لتلامس أزمة أعمق تمسّ مستقبل الاستقرار ذاته.
فتدفقات الهجرة غير الشرعية، في ظل الهشاشة البنيوية، تشكّل عبئًا إضافيًا على بلد لم يتعافَ بعد من ويلات الحرب، وتثير مخاوف من تحوّله إلى ممر مفتوح، وربما ساحة لتقاطع مصالح وأجندات عابرة للحدود، تعيد رسم الحسابات الأمنية الإقليمية بشكل أو بأخر.
الملاحة في البحر الأحمر
أدّت حالة التوتر المتصاعد على الساحة اليمنية خلال الأعوام الماضية، ولا سيما منذ اندلاع الحرب على غزة، إلى اضطراب حاد في حركة الملاحة بالبحر الأحمر، مع انخراط جماعة الحوثي في الصراع عبر استهداف السفن الإسرائيلية وتلك المرتبطة بها.
وقد أسهم هذا التصعيد في إدخال أحد أهم الممرات البحرية العالمية في حالة من الفوضى وعدم اليقين، بما انعكس سلبًا على أمن التجارة الدولية واستقرار خطوط الإمداد.
وانعكست تداعيات هذا الارتباك بصورة مباشرة على قناة السويس، حيث تراجعت عوائدها بأكثر من 40% منذ بداية الحرب، وفق تصريحات رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع.
وتكتسب هذه الخسائر دلالة خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد المصري على القناة بوصفها أحد أبرز مصادر العملة الأجنبية، ما دفع القاهرة خلال السنوات الماضية إلى تبني سياسات توسعية لتعزيز قدرتها الاستيعابية، بدءًا من مشروع التوسعة عام 2015، وصولًا إلى تنفيذ مراحل تطوير إضافية في الوقت الراهن.
وتتضاعف المخاطر في حال آلت السيطرة على حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب إلى قوى خارجية، سواء ميليشياوية أو واقعة تحت النفوذ الإسرائيلي، إذ من شأن ذلك أن يضع مستقبل قناة السويس في دائرة تهديد مباشر.
فمثل هذا السيناريو لا يحوّل القناة إلى ضحية لتقلبات الصراع فحسب، بل يجعلها مع مرور الوقت ورقة ضغط استراتيجية قابلة للاستخدام ضد القاهرة، بما يمسّ جوهر أمنها القومي ومكانتها في معادلات الملاحة الدولية.
من هنا يأتي القلق المصري
في ضوء ما سبق، يمثّل الحراك المتصاعد في جنوب اليمن، وما يصاحبه من حديث جاد عن الانفصال، زلزالًا جيوسياسيًا محتملًا قد يعيد تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة بأسرها، فالسيطرة على الجنوب تعني الإمساك بمفاتيح أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث يمر عبر باب المندب والبحر الأحمر أكثر من خُمس حركة التجارة العالمية، ما يمنح هذه الجغرافيا وزنًا استثنائيًا في معادلات الأمن الإقليمي والدولي.
وفي حال تمدد النفوذ الإسرائيلي إلى هذه الممرات الحيوية، فإن الأمن القومي العربي سيواجه تهديدًا غير مسبوق، خصوصًا في ظل ما تكشفه تل أبيب من طموحات تتجاوز منطق الصراع التقليدي نحو رؤى توسعية أوسع.
مثل هذا السيناريو من شأنه تحويل البحر الأحمر من فضاء عربي–دولي إلى ساحة نفوذ إسرائيلي مباشر، بما يضع مفاصل الأمن العربي تحت ضغط استراتيجي بالغ الحساسية، ويفتح الباب أمام اختلالات عميقة في توازنات المنطقة.
ومن هنا يتعاظم القلق المصري على وجه الخصوص؛ فالقاهرة ترى في أي اختراق إسرائيلي للبحر الأحمر من الخاصرة اليمنية تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، كذلك تحويل اليمن إلى ساحة لتجاذبات أجنداتية متعددة، ومسرحًا للميليشيات المسلحة تطور يحمل في طياته مغامرة قد تضع أمنه على المحك.
الأمر لا يقتصر على الجبهة المصرية وفقط، فالقلق ذاته يساور الجار الشمالي، السعودية التي تبذل جهودًا موازية لاحتواء المجلس الانتقالي ودمجه ضمن الشرعية، إلا أن مثل تلك الجهود لم تجد صداها لدى المجلس الذي تجاوزت طموحاته الخطوط الحمراء للرياض.
من هنا جاء القصف السعودي لبعض المواقع التي يسيطر عليها المجلس جنوبًا، تزامن ذلك مع تهديد مباشر من التحالف الذي تقوده المملكة للمجلس بضرب تحركاته العسكرية، داعيًا إياه للخروج من المواقع التي سيطر عليها وتسليم المعسكرات للقوات التابعة للحكومة اليمنية "وتمكين السلطة المحلية من ممارسة مسؤولياتها" في حضرموت.
كما طالب وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، المجلس بتغليب "العقل والحكمة" والانسحاب "سلميًا" من محافظتي حضرموت والمهرة، محذرًا مما أسماه استغلال التضحيات التي قدّمها التحالف وأبناء اليمن لتحقيق مكاسب ضيقة، مؤكدًا أن أي تصعيد داخلي يخدم "عدو الجميع"، في إشارة واضحة إلى جماعة الحوثي والتنظيمات المسلحة.
وفي المحصلة، لم يعد الجنوب اليمني ساحة صراع داخلي فحسب، بل عقدة جيوسياسية تتقاطع عندها حسابات القوى الإقليمية والدولية، في مرحلة مفصلية قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات، وتمتد تداعياتها إلى الأمن القومي العربي وأمن الملاحة الدولية برمّته.
يتعاظم القلق المصري على وجه الخصوص؛ فالقاهرة ترى في أي اختراق إسرائيلي للبحر الأحمر من الخاصرة اليمنية تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، كذلك تحويل اليمن إلى ساحة لتجاذبات أجنداتية متعددة، ومسرحًا للميليشيات المسلحة تطور يحمل في طياته مغامرة قد تضع أمنه على المحك
مقاربات مصر الدبلوماسية
انطلاقًا من التوازنات الإقليمية سالفة الذكر، تبنّت القاهرة خيار النأي بنفسها عن الانخراط العسكري المباشر في المشهد اليمني، ورفضت الضغوط الرامية إلى مشاركتها في استهداف جماعة الحوثي، سواء ضمن إطار التحالف العربي أو عبر الجبهة الدولية.
ويعكس هذا الموقف إدراكًا مصريًا لحساسية الساحة اليمنية وتشابكها مع صراعات إقليمية أوسع، بما يجعل أي تدخل مباشر محفوفًا بتداعيات استراتيجية معقّدة.
وتستند المقاربة المصرية إلى جملة اعتبارات رئيسية، في مقدمتها حرص القاهرة على الحفاظ على دورها كوسيط يقف على مسافة واحدة من مختلف الأطراف، وتجنّب التحوّل إلى طرف حرب بما يحمله ذلك من كلفة سياسية وأمنية واقتصادية مرتفعة.
يضاف إلى ذلك التزام المؤسسة العسكرية بعقيدتها الرافضة لتوريط الجيش في مهام خارجية تخدم أجندات غير وطنية، فضلًا عن القلق من انعكاسات أي انخراط عسكري على الجبهة الداخلية، في ظل احتمالات تصاعد الغضب الشعبي واتهام النظام بالاصطفاف إلى جانب إسرائيل أو تنفيذ أجندات خارجية.
كما تخشى القاهرة أن تؤدي مشاركتها في استهداف الحوثيين إلى اتساع رقعة الصراع، ودفع الجماعة إلى تصعيد أوسع في البحر الأحمر وإشعال المنطقة، بما قد يفتح الباب أمام حرب إقليمية متعددة الأطراف.
في المحصلة، تنطلق الرؤية المصرية من قناعة راسخة بأن حل الأزمة اليمنية لا يمكن أن يكون عسكريًا، وأن المسار السياسي يظل الخيار الوحيد القادر على إنهاء الصراع، إذ ترى القاهرة أن المقاربات العسكرية التي تطرحها الولايات المتحدة وحلفاؤها لن تؤدي إلا إلى تعميق التوتر وزيادة اشتعال الأوضاع في البحر الأحمر والمنطقة بأسرها.