تطورات أزمة سبتة.. ترقب أمني مزدوج ودعوة مغربية لإعادة القاصرين
14 أغسطس 2026
تعيش مدينة سبتة، بعد أسبوعين فقط من موجة العبور الجماعي التي شهدتها نهاية تموز/يوليو الماضي، حالة ترقب حذر مع اقتراب موعد الخامس عشر من آب/أغسطس، الذي تُتداول بشأنه دعوات على منصات التواصل الاجتماعي لتجديد محاولات الاقتحام.
وتسارع السلطات الإسبانية إلى تعزيز حضورها الأمني والعسكري بالمدينة، وتُلغي إجازات جنودها تحسبًا لأي طارئ. كما عززت السلطات المغربية انتشارها الأمني بمدينة الفنيدق والمناطق المجاورة، في تحرك استباقي لتشديد المراقبة على الشريط الساحلي والمناطق المتاخمة للسياج الأمني المحيط بالثغر المحتل.
وتتشكل، موازاةً لذلك، رواية مغربية رسمية تسلط الضوء على أبعاد أخرى، ترتبط أساسًا بالتضليل الرقمي الذي تقف وراءه أطراف أجنبية، وقضية القاصرين غير المرفوقين التي تحولت إلى ملف حساس بين الرباط ومدريد.
استباق أمني إسباني
تتحرك السلطات الإسبانية بمنطق الاستباق بشكل لافت، خصوصًا بعد أسبوعين فقط من صدمة 30 و31 تموز/يوليو الماضي، حين وصل عشرات الآلاف من المغاربة إلى مدينة سبتة في فترة وجيزة.
واختارت مدريد أن تحوّل موعد الخامس عشر من آب/أغسطس الجاري من مجرد تاريخ متداول على الشبكات الاجتماعية إلى استحقاق أمني بكل تفاصيله التنظيمية، وذلك بإلغاء إجازات جميع العسكريين المنتشرين بالمدينة حتى إشعار آخر، وتعويضها لاحقًا بتواريخ بديلة.
وكشفت وسائل إعلام إسبانية أن حجم التعبئة الحالية أكبر بكثير من سابقتها، إذ تتحدث عن وضع ما يقارب 3000 عسكري في حالة تأهب قصوى، شملت عمليًا كامل الانتشار العسكري في سبتة.
وتُضاف إلى هذا الحشد البشري تعزيزات لوجستية موازية، تتشكل من فرقاطتين في مياه سبتة، وحاجز عوامات، و45 عنصرًا إضافيًا من وحدة التدخل بالشرطة الوطنية الإسبانية، إلى جانب الإبقاء على 160 عنصرًا من الحرس المدني لتأمين المدينة و60 آخرين لمراقبة الجوار، مدعومين بوحدات بحرية وغواصين وطائرات مسيّرة.
تتحرك السلطات الإسبانية بمنطق الاستباق بشكل لافت، خصوصًا بعد أسبوعين فقط من صدمة 30 و31 تموز/يوليو الماضي، حين وصل عشرات الآلاف من المغاربة إلى مدينة سبتة في فترة وجيزة
واللافت، وفق المصادر، أن الإجراء لم يصدر عن تقييم أمني عام فحسب، بل جاء بعدما منح مركز الاستخبارات الوطني مصداقية رسمية للدعوات المتداولة عبر منصات "فيسبوك" و"تيك توك" وتطبيق "واتساب"، وهو ما يرفع مستوى الجدية المؤسسية لهذا الاستحقاق مقارنة بموجات سابقة.
توقيفات على الجانب المغربي
لم يقتصر التحرك الاستباقي على الجانب الإسباني وحده، إذ أعلنت وزارة الداخلية المغربية، يوم الأربعاء 13 آب/أغسطس الجاري، توقيف مشتبه بهم في القيام بـ"أعمال تحريضية"، بعد رصد منشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي حثّت على تنظيم محاولات عبور جماعي نحو مدينتي سبتة ومليلية.
ورصدت وزارة الداخلية في الأيام الأخيرة تداول منشورات و"رسائل مجهولة المصدر" عبر بعض مواقع التواصل الاجتماعي، حرّضت على تنظيم محاولة جديدة للهجرة عبر المدينتين.
وأوضحت الوزارة أنها تتابع الوضع عن كثب، وأنها اتخذت جميع التدابير الضرورية للتصدي لأي محاولة للعبور غير القانوني واعتراض كل من يسعى إلى المشاركة فيها، داعيةً إلى عدم الانسياق وراء ما وصفتها بـ"الدعوات المشبوهة والمضللة"، لما قد يترتب عنها من تعريض حياة الأشخاص للخطر.
وأكدت وزارة الداخلية المغربية أن السلطات المغربية ستواصل الاضطلاع بواجباتها بكل حزم ومسؤولية، بما يضمن حماية النظام العام وسلامة الأشخاص والممتلكات، والتصدي للهجرة غير النظامية وشبكات الاتجار بالبشر، مع الحفاظ على أعلى درجات اليقظة والجاهزية والتنسيق لمواجهة مختلف المخاطر.
ويشهد الجانب المغربي من الحدود، منذ الثلاثاء، استنفارًا أمنيًا تم خلاله إغلاق المعبر الحدودي المغربي لفترة قصيرة، قبل أن تشارك وحدات أمنية مختلفة في انتشار شمل القوات الموجودة على البر وفي البحر.
إدارة لعدم اليقين
يرى الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمن الإقليمي، هشام معتضد، أن حجم التعبئة الأمنية الإسبانية "لا ينبغي قراءته باعتباره انعكاسًا مباشرًا لحجم تهديد محدد، بقدر ما ينبغي فهمه باعتباره إدارة استباقية لعدم اليقين"، موضحًا أنه "في الملفات الحدودية الحساسة، ولا سيما في حالة سبتة، قد يكون غياب اليقين الاستخباراتي سببًا لرفع مستوى الجاهزية، وليس مبررًا لخفضها".
ويشير معتضد في تصريح لموقع "الترا صوت" إلى أن التحدي الذي تواجهه السلطات الإسبانية لا يكمن في تقدير عدد الأشخاص الذين يحاولون العبور فقط، بل في "تقدير قدرة هذه الشبكات على تحويل إشاعة أو دعوة رقمية إلى حركة جماعية على الأرض خلال ساعات".
واعتبر المتحدث أن التعبئة الأمنية بهذا المعنى أقرب إلى "نوع من التأمين الاستراتيجي"، ذلك أن "تكلفة الانتشار الأمني المحدود والمؤقت أقل بكثير من تكلفة فقدان السيطرة على الحدود في حال تحولت محاولة محدودة إلى أزمة جماعية".
غير أن الباحث هشام معتضد ينبه، في المقابل، إلى أن "المبالغة في عسكرة المشهد قد تحمل في حد ذاتها تكلفة سياسية وإعلامية"، بما قد يساهم في "تضخيم التوقعات حول حدث لم تتضح معالمه بعد".
خلفية قضائية تغذي التوتر
جزء من التوتر القائم بين الرباط ومدريد يعود إلى نزاع تأويلي حول أساس قانوني إسباني، إذ أوضحت السلطات المغربية أن وصول الحشود إلى الحاجز البحري كان مدفوعًا أساسًا بترويج معلومات مضلّلة، ودور عصابات الاتجار بالبشر، والتأويلات الخاطئة لمعطيات قانونية وإدارية استهدفت الإيهام بإمكانية الولوج إلى الفضاء الأوروبي بسهولة ودون تبعات قانونية.
وكان مصدر حكومي مغربي قد أكد، الاثنين 3 آب/أغسطس، أن المغرب لا يمكنه تحمل تبعات قرار قضائي إسباني صادر في الثامن من تموز/يوليو المنصرم، معتبرًا أنه "لا يمكن لقاضٍ إسباني أن يقوّض منظومة مكافحة الهجرة غير النظامية، ثم يطالب المملكة المغربية بتحمل التبعات".
والإشارة هنا إلى قرار صادر عن المحكمة العليا الإسبانية في تموز/يوليو 2026 يقضي بعدم الإرجاع الفوري للمهاجرين غير النظاميين الذين يتم اعتراضهم في البحر. وينص الحكم القضائي الإسباني على أن إجراء الرفض عند الحدود لا يُطبّق إلا على من يحاول دخول سبتة أو مليلية عبر تجاوز وسائل الحماية المادية، مثل السياج الحدودي.
ومن وجهة نظر المحكمة الإسبانية، يبدو التمييز مبنيًا على اعتبارات إجرائية وحماية الحقوق؛ فالدخول عبر البحر يُعامل بوصفه حالة تتطلب معالجة فردية، بينما يُسمح بالإعادة السريعة في حالات الاقتحام البري المباشر للحدود.
استعداد مغربي للتنسيق
دعا المغرب السلطات الإسبانية إلى تسريع إجراءات إعادة القاصرين غير المرفوقين الموجودين بسبتة، والعمل على تجاوز العراقيل الإدارية والقضائية التي تحول دون عودتهم في أقرب الآجال، دون أن تحدد السلطات المغربية عدد هؤلاء القُصّر الذين عبروا إلى سبتة بطرق غير قانونية.
وكان وزير السياسة الإقليمية والذاكرة الديمقراطية، أنخيل فيكتور توريس، قد كشف أن نحو 80 ألف شخص دخلوا إلى سبتة نهاية الشهر الماضي، موضحًا أنه لا يزال هناك ملف نحو 1400 قاصر عالق بين إعادتهم إلى أسرهم أو توزيعهم على الجهات الإسبانية المختلفة استنادًا إلى آليات "قانون الأجانب" المعدّل.
كما أكد مصدر دبلوماسي مغربي أن المملكة انخرطت، وفق تعليمات ملكية موجهة إلى وزارتي الداخلية والخارجية، في العمل على تحديد هوية القاصرين غير المرفوقين بهدف إعادتهم إلى الوطن، مع الاستعداد للتنسيق مع الشركاء الإسبان والأوروبيين.
ونفى المصدر ذاته الاتهامات المتكررة بأن المغرب "لا يتعاون" أو "لا يرغب" في إعادة هؤلاء القاصرين، واصفًا هذه الادعاءات بـ"الزائفة".
وحمل المصدر بعض الفاعلين السياسيين الإسبان مسؤولية توظيف قضية القاصرين "لأغراض انتخابية"، مشيرًا إلى أن المغرب "لا يمكنه بأي حال من الأحوال قبول استخدام هذه الذريعة كورقة ضغط سياسي".
ملف اختبار حسّاس
يعتقد الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمن الإقليمي، هشام معتضد، أن ملف القاصرين غير المرفوقين قد يتحول إلى أحد أكثر ملفات الاختبار حساسية للعلاقات المغربية الإسبانية، ليس فقط بسبب حجمه، وإنما لأنه يقع عند تقاطع ثلاثة مستويات: القانون، والأمن، والثقة السياسية.
ويقول معتضد لـ"الترا صوت" إن الرباط "لا تنظر إلى الملف باعتباره مجرد مسألة إدارية مرتبطة بإعادة القاصرين، بل باعتباره اختبارًا لقدرة البلدين على ترجمة التفاهمات السياسية التي أرستها المرحلة الجديدة من العلاقات الثنائية إلى آليات عملية".
ويضيف أن استمرار العوائق الإدارية والقضائية قد يكشف عن فجوة بين الإرادة السياسية المعلنة والقدرة المؤسساتية على تنفيذها.
ويرى معتضد أن المطلوب هو الانتقال من "منطق إدارة الأزمات المتكررة" إلى بناء آلية مؤسساتية مستقرة تقوم على التنسيق بين السلطات المختصة، وتسريع المساطر القانونية، وضمان حماية القاصرين، مع التصدي لمحاولات استغلال الملف من طرف الشبكات الإجرامية أو الحملات السياسية.










