تطبيق FaceApp.. الشيخوخة التي حلت في هويّاتنا

تطبيق FaceApp.. الشيخوخة التي حلت في هويّاتنا

حقق تطبيق FaceApp انتشارًا عربيًا كبيرًا في اليومين الماضيين (FaceApp)

لم نكن نتخيل قبل سنوات قليلة إمكانية أن نرى صورنا عندما سنصبح في سن الشيخوخة. قد تبدو الفكرة مضحكة ومسليّة بالنسبة لشخص فضولي يدفعه حماسه لإلقاء نظرة على ملامح وجهه في العقد السابع.

على العكس من التشاؤم المعتاد من فكرة التقدم في العمر، انجذب رواد السوشيال ميديا لفكرة رؤية وجوههم بملامح الشيخوخة

وعلى اعتبار أن الإنسان كائن فضولي وتحركه مشاعر الفضول اتجاه العالم ومعارفه، فهو بكل تأكيد سيضع نفسه أمام تجربة من هذا العيار، وسيكون أمام صورة جديدة له قادمة من المستقبل، في موجة جديدة تشهدها مواقع التواصل الاجتماعي عربيًا منذ نحو يومين.

اقرأ/ي أيضًا: خبراء يحذرون: تطبيق FaceApp تهديد حقيقي لخصوصية بيانات المستخدمين

انتشر تطبيق "FaceApp" بين رواد وسائل التواصل الاجتماعي عربيًا بشكلٍ سريع ومفاجئ، وكأننا استيقظنا لنرى الناس وقد كبروا في السن وصاروا عجائز؛ صورٌ لوجوهٍ هرمة تجتاح صفحات فيسبوك وإنستغرام في غضون ساعات قليلة، في موجة صعود جديدة للتطبيق الذي أطلق قبل نحو عامين.

قد يبدو للبعض أن في تلك الفكرة جنونٌ محض، كيف ذلك؟ وكأن الجميع صار مهوسًا برؤية شكله عندما سيبلغ الشيخوخة. تعتبر هذه الفرضية على العكس تمامًا من طبيعة الإنسان الشغوف المتمسك بالحياة والذي يخاف التقدم في السن، لأن ذلك ينبئ لا محالة بنهاية حياته.

ولكن على العكس من ذلك التشاؤم الذي تحمله فكرة التقدم في العمر، يبدو أن رواد فيسبوك وإنستغرام قد انجذبوا للفكرة كثيرًا، ويريدون تجربتها لما تتركه من فكاهة في تعليقات الناس على صور بعضها البعض.

نلاحظ من وراء ذلك أن صورة المستقبل الهرمة، قد انتصرت على رتابة الحاضر، أو على الأقل هذا ما يعلنه تطبيق "FaceApp" الذي احتل عدد كبير من صفحات مستخدمي مواقع التواصل.

البعض لاحظ فروقاتٍ بسيطة في ملامحهم التي تنبأ بها التطبيق، والبعض الآخر حدثت له الصدمة من جراء التغيير الذي سيحل على شكله عندما شاهد صورة شيخوخته، والقليل فقط لم يجرأ على الإقدام على مثل هذه الخطوة، فالموضوع مرعب بالنسبة لهم، أي أن ترى وجهك بعد أكثر من عقدين من الزمن.

أثار الموضوع تهكم العديد من الناس وسخريتهم، متقبلين شروط تلك المزحة على أنها مجرد لعبة فقط. صفحة "Bimbo Memories" المعنية بالدرامات والسينما الكلاسيكية ومشاهيرها، علقت بسخرية على الأمر باستدعاء مسلسل "ليالي الحلمية" في جزئه الخامس، حيث كان أبطال المسلسل المعروفين قد كبروا في السن، فكتبت: "فيسبوك دلوقتى كله قالب ليالي الحلمية الجزء الخامس".

النيل من السياسيين

لم يقتصر استخدام التطبيق على فضول كل شخص لرؤية تجاعيد وجهه، بل أعطى التطبيق للمتهكمين فرصة رؤية ملامح وجوه المشاهير والفنانين الهرمة، طالت النكتة وجوه السياسيين العرب، وحملت في طياتها ملامح سأم خفيّ  من فكرة أن يبقى هؤلاء الحكام في الحكم حتى يشيخون.

صورة شيخوخة بشار الأسد قد لا تبدو مبشرة بالخير بالنسبة للبعض، كذلك رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، والذي خرجت صورته من التطبيق معلنةً "قاعد على قلوبكم"، علمًا بأن عباس في العقد الثامن من عمره أصلًا. وكذلك الأمر بالنسبة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الذي خرج من FaceApp ملوحًا بالمزيد من المُهل لتحسين الأوضاع.

 

لم يتوقف الأمر على الأحياء فقط، بل طال الأموات منهم، حيث ظهرت صورة لرئيس حزب الكتائب اللبنانية بشير الجميل، الذي اغتيل عام 1982. تخيل له تطبيق FaceApp  صورةً فيما لو كان ما زال على قيد الحياة.

في مقلب آخر، أعدت قناة الجديد اللبنانية فيديو للعديد من السياسيين اللبنانيين متخيلةً صورهم بعد تقدمهم في السن باستخدام التطبيق. إلاّ أن الفكاهة في فيديو الجديد، أنها وضعت صورًا لسياسيين ورؤساء أحزاب، كبار في السن أصلًا، فاستعاضت قناة الجديد عن صورهم في الشيخوخة على اعتبار أننا نعرفها بصورهم وهم صغيرو السن، معتبرةً بأننا قد نفاجأ بها، وستلفت انتباه المتابعين أكثر من ملامح شيخوختهم؛ أمثال وليد جنبلاط، نبيه بري وسمير جعجع.

أبواب الغابة الشكسبيرية مفتوحة على فيسبوك

من التجارب التي يمكن لمستخدميّ تطبيق FaceApp تجريبها، هي تغيير النوع، فإذا كنتِ أنثى فيمكنك أن تخوضي تجربة مختلفة لتشاهدي صورة وجهك فيما لو ولدتِ ذكرًا، والعكس صحيح، لو كنتَ رجلًا يمكنك أن تتخيل ملامح وجهك كيف ستكون لو ولدت أنثى.

وهكذا يقدم التطبيق لمستخدميه لعبة تبادل أدوار جندرية لم نشهد لها مثيل ربما إلا في المسرحيات الشكسبيرية، فقد صيّر التطبيق بعض صفحات مستخدميّ فيسبوك إلى غابة سحرية، مستحضرًا عوالمها الحرة غير الخاضعة للقوانين كما في عوالم مسرحيات الكاتب الإنجليزي وليام شكسبير

نذكر على سبيل المثال مسرحية "حلم منتصف ليلة صيف"، حيث يخرج الأبطال فارين من القوانين المفروضة عليهم في البلاط الملكي إلى تلك المساحة المفتوحة على الاحتمالات والتجريب، وهي الغابة.

بالمقارنة مع هذا المكان الحر يمكننا ملاحظة الاحتمالات غير المنتهية والمتوفرة بكثرة على تطبيق FaceApp تتلاعب بهويتك كما تشاء؛ تتأمل صورتك كأنثى، وتتأملين صورتك كذكر. تعيش حلم الحصول على بشرة سمراء أو بيضاء، وعلى شعر بلون غامق أو فاتح، وكذلك لون العيون وشكل الأنف وغير ذلك من التغييرات المتعلقة بالمظهر.  

البعض استاء من التمييز الذي يقوم به التطبيق من خلال تعاطيه مع صور النساء وتمييزها عن صور الرجال، فعند معالجته لصورة وجه امرأة يقوم بإضافة تجاعيد حول العينين والفم فقط، أمّا في معالجته لصورة وجه الرجل فيقوم بصبغ لون شعره بالأبيض للدلالة على الشيب الذي يميز التقدم في العمر. رأى البعض في ذلك تمييزًا للهويات، آخذين بعين الاعتبار أن الشيب يصيب شعر المرأة أيضًا، فلماذا لم ينتبه لذلك تطبيق FaceApp؟ وكأنه يراعي الصورة النمطية للمرأة التي تصبغ شعرها منعًا لظهور الشيب.

أثر التكنولوجيا على الهوية

لا شك في أن FaceApp وغيره من التطبيقات سريعة التحميل على الهواتف المحمولة، والمرتبطة بمواقع التواصل الاجتماعي، تهدف أساسًا إلى الربح من خلال زيادة عدد مستخدميها. 

وفي خضم ذلك قد ننسى أنه عليك الموافقة على شروط التطبيق بأن تسمح له بالدخول إلى الصور والفيديوهات الموجودة على جهازك على أقل تقدير، ليسمح لك هو في المقابل أن تعيش هذه التجربة الفريدة.

سياسات الخصوصية في التطبيق أثارت جدلًا كبيرًا بين خبراء التكنولوجيا والأمن المعلوماتي، وذلك من الأسابيع الأولى لإطلاق التطبيق. ووصل الأمر إلى أن حذر خبراء من أن استخدام التطبيق يهدد خصوصية بيانات المستخدمين، بسبب سياسات الخصوصية "الرمادية" التي يعتمدها التطبيق الذي طوره مصممون روس.

ومع ذلك، قد يكون التأثير الأهم لهذا التطبيق وغيره من التطبيقات الشبيهة، هو تغيير العلاقات بين مستخدمي السوشيال ميديا، والتي باتت من حوامل هويتنا اليوم في العالم الافتراضي، كونها تقدم صورة لنا متجددة ومتوفرة للآخرين، من خلال كل ما نقوم بنشره من صور وآراء شخصية، وغيرها من الأدوات التي تؤطر هوياتنا الاجتماعية بمحددات ومقاييس أحيانًا كثيرة لا نتحكم فيها.

أصبحنا نعيش في بوتقة مرتبة بمقاييس تفرضها السوشيال ميديا، لنصبح نحن المستخدِمين مُستخدَمين، ومتأثرين أكثر من كوننا مؤثرين

وهكذا نعيش، في بوتقة مرتبة بالمقاييس التي تفرضها مواقع التواصل الاجتماعي، فنصبح نحن المستخدِمين، مُستخدَمين، ومتأثير أكثر من كوننا مؤثرين، لكن متحفزين على الدوام ومقبلين أكثر من أيّ وقتٍ سابق على المتعة والتسلية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن وقعنا في فخ الإدمان!

 

اقرأ/ي أيضًا:

الموضة على السوشيال ميديا.. كيف يفسد الذوق العام بصورة؟!

إرهاب السوشيال ميديا.. "لا تعني لا" وأكثر