تصعيد متواصل في ليبيا.. ما السيناريوهات المحتملة أمام الأزمة؟

تصعيد متواصل في ليبيا.. ما السيناريوهات المحتملة أمام الأزمة؟

تحولت ليبيا إلى ساحة صراع إقليمي (رويترز)

 أقفلت ليلة الخميس، الـ19 من كانون الأول/ديسمبر الجاري، أسبوعًا متسارع الأحداث في ليبيا، وسط توقعات بتحولات كبرى قد تطرأ على النزاع القائم في البلد العربي الغني بالنفط. وفي اجتماع استثنائي أعلنت حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، الموافقة على مذكرة التفاهم الأمني مع تركيا، التي وقعت بين الطرفين في 27 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، مثيرة مخاوف من التدخل التركي، للدفاع عن طرابلس، قد تدفع باللواء المتقاعد خليفه حفتر، الذي أصبح يصارع الزمن، للقيام بعمليات عسكرية تستهدف المدنيين للضغط على حكومة الوفاق، كما حدث فور انتهاء الاجتماع الاستثنائي لحكومة السراج والذي حضره بعض القيادات العسكرية المؤيدة للحكومة. وشنت مقاتلات تابعة للواء المتقاعد عدة ضربات جوية على مدينة مصراتة، وكانت عبارة عن تحذير لمجموعاتها العسكرية من الاستمرار في تأييد حكومة الوفاق، وفقا لما أعلنه المتحدث العسكري لجيش حفتر.

أقفلت ليلة الخميس، الـ19 من كانون الأول/ديسمبر الجاري، أسبوعًا متسارع الأحداث في ليبيا، وسط توقعات بتحولات كبرى قد تطرأ على النزاع القائم في البلد العربي الغني بالنفط

واليوم الأحد، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن تركيا ستزيد دعمها العسكري للحكومة الليبية المعترف بها دوليَا إذا لزم الأمر، وستعمل على تقييم الخيارات البرية والجوية والبحرية بعد توقيع الجانبين اتفاق تعاون عسكري الشهر الماضي. فيما تناقلت وسائل إعلام معلومات أولية عن احتجاز قوات تابعة لحفتر، لسفينة يقودها طاقم تركي قبالة السواحل الليبية. وقال أحمد المسماري، المتحدث باسم قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، إنه "تم القبض على سفينة تحمل علم غرينادا يقودها طاقم يتكون من أتراك (..) أثناء دورية في المياه الإقليمية الليبية قبالة ساحل درنة".

اقرأ/ي أيضًا: مغامرة حفتر الجديدة إلى طرابلس.. أي مصير؟

وفي حالة الإعلان التركي الرسمي عن إرسال الدعم العسكري لحكومة الوفاق، ستتحول ليبيا إلى بؤرة الأحداث في المنطقة، خاصة أن فائز السراج رئيس وزراء حكومة الوفاق دعا حكومات خمس دول هي الولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا والجزائر وإيطاليا، بالتدخل لمساندته ضد قوات اللواء المتقاعد المدعوم من عدة دول من بينها الإمارات ومصر وروسيا.

أحداث متسارعة، ووضع ضبابي، يدفع إلى سيناريوهات متعددة أبرزها تحويل ليبيا لساحة حرب إقليمية بين الدول المؤيدة لحفتر والأخرى المساندة للوفاق، أو الإبقاء على الوضع الراهن، من ناحية استمرار الحصار حول طرابلس والمناوشات العسكرية بالطيران.

الوضع على الأرض

دعا فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي للحكومة الليبية، في بيان صدر نهاية الأسبوع الماضي 5 دول وصفها بـ"الصديقة"، هي "الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإيطاليا والجزائر وتركيا"، لتفعيل اتفاقيات التعاون الأمني والبناء عليها، لصد العدوان الذي تتعرض له العاصمة الليبية طرابلس من أية مجموعات مسلحة تعمل خارج شرعية الدولة - في إشارة إلى قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر- حفاظًا على السلم الاجتماعي، ومن أجل تحقيق الاستقرار في ليبيا، وطالب البيان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء المعترف بحكومته دوليًا، الدول الخمس، "بالتعاون والتنسيق مع حكومة الوفاق الوطني في مكافحة المنظمات الإرهابية وعلى رأسها تنظيمي الدولة والقاعدة اللذان هيأ لهما العدوان الفرصة والمناخ الملائمين للعودة إلى ليبيا، حيث ازداد نشاطهما منذ وقوعه"، وتابع البيان: "كذلك تكثيف التعاون في مواجهة الهجرة غير الشرعية، ومكافحة الجريمة المنظمة والمتاجرين بالبشر". وجاء بيان السراج بعد موافقة الحكومة الليبية المعترف بها دوليا في اجتماع استثنائي على الاتفاقية الأمنية مع تركيا.

الرد جاء سريعًا من حفتر، وأعلنت قوات حكومة الوفاق الوطني الليبية، شن طيران أجنبي داعم لحفتر -لم تسمه- غارات على عدة أهداف في مدينة مصراتة (210 كيلو شرق طرابلس)، ولم تسفر الضربات عن قتلى من المدنيين ولكن بعض الإصابات فقط، وأعلن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية، على صفحته الرسمية على فيسبوك، إدانته للقصف الجوي، واعتبره رد فعل لعجز "ميليشيات مجرم الحرب حفتر" تحقيق انتصارات على الأرض، ودليل ضعف ويعبر عن يأس وتخبط، وفقًا للبيان.

وأعلن اللواء أحمد المسماري المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي التابع لحفتر، أن مقاتلات سلاح الطيران التابع لقواته استهدف في عملية نوعية عدة مواقع عسكرية في مصراتة. البيان الذي بث على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أمهل فيه المسماري مدينة مصراته -حسب وصفه- ثلاثة أيام، بحد أقصي تنتهي مدتها الساعة 12 مساء اليوم الأحد، للانسحاب من مدينتي طرابلس وسرت، وفي حال عدم الانسحاب توعد باستهداف المدينة بغارات جوية دون انقطاع.

وتشن قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، منذ 4 نيسان/أبريل الماضي، هجوما فاشلا على طرابلس، للسيطرة على العاصمة بعد أن سيطر حفتر على أغلب الأراضي الليبية وحقوق النفط

تركيا في ليبيا

التخلص من حكومة الوفاق، لم يكن بالسهولة التي يظنها خليفة حفتر ولا داعموه في مصر والإمارات والسعودية، الذين تكفلوا بالدعم المالي والعسكري للواء المتقاعد، واستمرت حملة حفتر على طرابلس التي انطلقت في نيسان/أبريل الماضي، في تقدم لا يذكر على أبواب العاصمة، حتى حصلت الوفاق على دعم تركي، من مدرعات وأسلحة وطائرات مسيرة، لتتحول كافة المعارك، وتتمكن قوات الوفاق من تطوير الهجوم  وخسر حفتر في حزيران/يونيو الماضي، مدينة غريان  الاستراتيجية، وكانت هزيمة ثقيلة، كلفته الكثير.

واستمر الوضع بين الطرفين دون جديد لأكثر من ثلاثة أشهر، إلا أن بدأ الدعم الروسي لحفتر عن طريق المرتزقة التابعين لشركة فاغنر الروسية، يظهر تأثيره على حفتر وقواته، ومنذ تشرين الثاني/نوفمبر وبداية كانون الأول/ديسمبر، استطاعت الأسلحة الدفاعية الأكثر فاعلية لدى حفتر، والتي يتوقع أن يكون مصدرها روسيا، بإسقاط عدد من الطائرات المسيرة للوفاق أغلبها طائرات تركية، ولم تتوقف الدفاعات عند إسقاط الطائرات التركية فقط، ولكنها أسقطت طائرات استطلاع أجنبية مسيرة لكل من إيطاليا وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما أعلنت عنه القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا في كانون الأول/ديسمبر الجاري، كما أعلنت إيطاليا إسقاط طائرة مراقبة للحدود وتبنت مجموعات حفتر العسكرية العملية.

في المقابل اتجهت الوفاق من جديد إلى تركيا، وفي 27 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وقع الجانبان التركي والليبي، مذكرتي تفاهم، تتعلقان بالتعاون الأمني والعسكري، وتحديد مناطق الصلاحية البحرية، بهدف حماية حقوق البلدين المنبثقة عن القانون الدولي، وهو الأمر الذي رفضته كل من مصر واليونان وقبرص، بسبب النشاط التركي المتوقع في البحث عن الغاز في شرق المتوسط، وأعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ترحيب بلاده بإرسال جنود أتراك إلى ليبيا لو طلبت منه حكومة الوفاق ذلك.

ويعلم حفتر أن الدول المساندة له مهما كانت خلافاتها مع تركيا، لن تدخل في حرب مباشرة، وقد تذهب الأمور لاتفاقيات تنسيق وتعاون أقرب لما يحدث في شمال سوريا بين تركيا وروسيا، كما أن التدخل التركي لو حدث سيكون مدعومًا من الناحية الدبلوماسية على الأقل ببعض الدول الغربية التي تخشى من تزايد النفوذ الروسي بشكل كبير في ليبيا عن طريق المرتزقة التابعين لشركة فاغنر الروسية، التي ترفض روسيا الاعتراف بوجودهم في ليبيا.

ويرى متابعون أن التدخل التركي في حال ما حدث سيكون نقطة تحول على الأرض في ليبيا، حيث من المتوقع أن تتسارع العمليات وتتزايد الضربات الجوية لحفتر وقواته على أهداف مختلفة في طرابلس، ولذلك اختار حفتر والذي يبدو أن آخرين يديرون المعركة بدلًا منه، أن يضرب مصراته لمحاولة تشتيت تكتل المجموعات العسكرية المؤيدة للوفاق والمتمركزة على أبواب طرابلس. حيث كان لمجموعات مصراته العسكرية دور كبير في حماية العاصمة، وهى مجموعات يغلب عليها طابع الميليشيا، وأغلبهم بخلفيات إسلامية، سبق لهم مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في غرب ليبيا، وكان لبعضهم دور كبير في إنهاء صراع الميليشيات في طرابلس منذ عدة سنوات.

التدخل المصري

منذ بداية الحملة العسكرية على طرابلس، يصدر بعض المنتسبين لجيش حفتر تهديدات لتركيا تنحصر في استهداف السفن والمصالح التركية، وتبدو تصريحات تلك القيادات في معظمها للاستهلاك الإعلامي، ومن المعلوم أن القوات البحرية لحفتر والمعدات التي حصل عليها لا تمكنه من مواجهة جيش نظامي، إلا في حالة ما تدخلت دول أخرى في المنطقة، ومع استبعاد التدخل المباشر لكل من روسيا أو الإمارات، سيكون الدور الأقرب للمساندة والتدخل لمصر، ويبدو هذا السيناريو الأسوأ عند البعض، بالنظر إلى الخلافات والتعقيدات التي تشهدها العلاقات المصرية التركية منذ عزل الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي في 30 حزيران/يونيو 2013، والخلافات الجديدة حول غاز شرق المتوسط.

ظهر الرئيس المصري منذ عدة أيام على هامش منتدى شباب العالم وتحدث عن الوضع في ليبيا، وقال: "استقرار ليبيا والسودان قضية أمن قومي بالنسبة للقاهرة"، وانتقد السيسي في كلمته حكومة الوفاق قائلًا  إنها "أسيرة الميلشيات الموجودة في العاصمة طرابلس"، لكنه عاد وقال في نفس الجلسة: كان أولى بنا التدخل المباشر في ليبيا، ولدينا القدرة على ذلك، ولكننا لم نفعل، لأن الشعب الليبي لن ينسى التدخل بشكل مباشر في أمنه"، وسبق أن شنت طائرات حربية مصرية 6 ضربات على معسكرات لتنظيم الدولة في مدينة درنة شرق ليبيا، بعد مقتل 28 شخصًا في هجوم مسلح على حافلة للأقباط في المنيا، وتعهد الرئيس المصري وقتها بتوجيه ضربة لـ"معسكرات الإرهابيين"، بحسب وصفه.

اقرأ/ي أيضًا: الغارات المصرية على ليبيا.. بعيدًا عن داعش وفي خدمة حفتر

وبالرغم من تصريحات السيسي والخلافات المتصاعدة مع الحكومة التركية، وقدرة الطيران على ضرب أهداف في ليبيا، إلا أن قرار الحرب والمواجهة المباشرة يبدو الأصعب بين السيناريوهات المتوقعة للأزمة في ليبيا، حيث تواجه النظام المصري العديد من المعيقات، من بينها الوضع الاقتصادي، وفي حال ما ضمن السيسي الدعم المالي من أطراف أخرى كالإمارات، فهناك أزمات أخرى من أبرزها انشغال الجيش المصري بحرب سيناء مع تنظيم داعش، وأزمة سد النهضة، ومحاولة السيسي استقطاب استثمارات خارجية وبناء طرق ومدن جديدة أنفق عليها مليارات الدولارات.

يرى متابعون أن التدخل التركي في حال ما حدث سيكون نقطة تحول على الأرض في ليبيا

كما أن الطرف الآخر في تلك المواجهة المفترضة، أي تركيا، قد لا يكون معنيًا بدخول صراع مباشر في منطقة بعيدة عن الأراضي التركية، إضافة إلى الصراعات المتعددة التي دخلتها الحكومة التركية، وخاصة مع أطراف إقليمية  قريبة من ليبيا من بينها قبرص واليونان، وصراعات أخرى مع أطراف داخل حلف الناتو.