تصعيد مؤسسي في الجامعات الأميركية.. المراقبة والقمع ضد الطلاب المؤيدين لفلسطين
5 فبراير 2026
تشهد الجامعات الأميركية منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة تصاعدًا غير مسبوق في تكتيكات المراقبة ضد الطلاب الناشطين، لا سيما أولئك الذين يقودون احتجاجات مؤيدة لفلسطين، في ساحة أكاديمية كان يُفترض أن تكون منبرًا للحرية الفكرية والحوار المفتوح.
من الاحتجاج إلى المراقبة… تجارب متعددة
طلاب من مؤسسات مختلفة تحدثوا عن تجارب مشتركة في التعرض لمراقبة وإجراءات قمعية، حيث تم توظيف محققين خاصين لاستهداف المحتجين ومتابعتهم حتى خارج حدود الحرم الجامعي. في بعض الحالات، لم يقتصر الأمر على رصد النشاط داخل التجمعات، بل شمل تتبعًا وتسجيلًا وتصويرًا متواصلًا، ما جعل الطلاب يشعرون بأن حركتهم تحت المراقبة المستمرة.
وفي جامعة ميشيغان مثلاً أكدت جهات طلابية أن الإدارة استخدمت مراقبين متخفّين لتتبّع نشاطات الطلاب المؤيدين لفلسطين، ما دفع بعض الطلاب إلى مواجهة هؤلاء المراقبين عندما تمّ التعرف عليهم داخل وخارج الحرم الجامعي.
"أشعر أنهم يتبعونني": تجربة طالب في جامعة ميشيغان
وفي حالات أخرى، انتقلت المراقبة من الجانب التقني إلى ممارسات قاسية ومباشرة، فقد أبلغ طلاب في الجامعة ذاتها عن تهديدات ومضايقات وحتى تسجيل صوتي ومراقبة سلوكهم اليومي، مما يعكس تحولًا في تعامل الإدارات مع التظاهرات من مجرد محاولة للحفاظ على النظام العام إلى ترهيب ممنهج للطلاب المعبرين عن آرائهم.
طلاب من مؤسسات مختلفة تحدثوا عن تجارب مشتركة في التعرض لمراقبة وإجراءات قمعية، حيث تم توظيف محققين خاصين لاستهداف المحتجين ومتابعتهم حتى خارج حدود الحرم الجامعي
مثال على المراقبة المباشرة هو حالة يوسيا ووكر، طالب في جامعة ميشيغان وعضو في مجموعة طلابية ناشطة مؤيدة لفلسطين، بدأ يشك منذ صيف 2024 أنه كان تحت المراقبة داخل حرم الجامعة، بعد أن لاحظ سيارة غريبة تتبعه أثناء سيره في المدينة. وتكرر المشهد أكثر من مرة حتى واجه الرجل الذي كان يلاحقه وسجّل الفيديو بنفسه كدليل على المراقبة.
ووكر قال إن ما عايشه خلق "ثقافة من الخوف والبارانويا" في الجامعة، مضيفًا: "شعرت دائمًا أنني لست آمنًا على الحرم".
وفي هذا السياق، كشفت صحيفة "الغارديان" في تحقيق لها عن استخدام إدارة الجامعة محققين سريين خارجيين تابعين لشركة خاصة لتتبّع الطلاب المؤيدين لفلسطين داخل الحرم الجامعي وخارجه، بما في ذلك التسجيل والتصوير والتنصّت على محادثاتهم.
وبعد نشر التحقيق، أعلنت الجامعة أنها قطعت علاقاتها مع الشركة المسؤولة عن المراقبة، لكنها لم تقدّم اعتذارًا رسميًا للطلاب المتضررين، وفق التقرير.
استخدام محققين خاصين واجتماعات سرية
وليس ووكر حالة منفردة، فقد تحدث طلاب من عدة جامعات عن أساليب مراقبة شملت توظيف محققين خاصين وسؤالهم عن زملائهم ونشاطاتهم السياسية. في كلية "برين ماور"، تم استدعاء طلاب إلى اجتماعات "سرية" مع محققين ومحامين من خارج المؤسسة الأكاديمية، الذين طلبوا منهم تحديد طلاب شاركوا في احتجاجات أو نشاطات مؤيدة لفلسطين.
أحد الطلاب قال إنه صُدم من "غياب الأخلاقيات" في طريقة التعامل، معتبرًا أن مثل هذه الممارسات تجعل الطلاب يشعرون بأن كل حركة لهم تحت المراقبة، مما يحدّ من حرية التعبير.
كاميرات وأجهزة مراقبة
في كلية "سوارثمور" بولاية بنسلفانيا، أبلغ طلاب عن زيادة في أجهزة المراقبة والكاميرات الأمنية في الحرم الجامعي، وهو ما أشار بعضهم إلى أنه وسيلة لتحديد الطلاب الذين يرفعون لافتات أو يوزعون منشورات دعمًا لفلسطين.
وردًّا على الادعاءات، قال نائب رئيس الكلية في بيان إن الكاميرات تُستخدم فقط "لأغراض السلامة والأمن"، وإن سياسات الجامعة تهدف إلى حماية حرية التعبير والتظاهر السلمي دون تأثير على حق الآخرين في التعلم.
غير أن بعض الطلاب عبّروا عن أن وجود المراقبة جعلهم يشعرون كأنهم "في حالة بارانويا مستمرة" وأن الحديث عن السياسة أصبح أمرًا غير مريح داخل الحرم الجامعي.
من الحقوق المدنية إلى قمع المعارضة
يعلق نائب مدير مشروع الخصوصية والتكنولوجيا في الاتحاد الأميركي للحريات المدنية، براين هاوس، بأن ما يحدث في الجامعات الأميركية اليوم هو أسوأ فصل قمعي ضد حرية التعبير منذ أكثر من نصف قرن. ويشير إلى أن تدخل الجامعات في المراقبة الشاملة للطلاب المتظاهرين يمكن أن يضرب حرية التعبير في قلب الحياة الأكاديمية.
وقال هاوس إن الجامعات قد تكون ملزمة قانونيًا بمعالجة التمييز والتحرش، لكنها ليست مخولة لتقييد التعبير الدستوري لمجرد أن البعض يجده مسيئًا أو مثيرًا للجدل.
تأثير المراقبة على المجتمع الطلابي
يقول الطلاب من عدة مؤسسات إن خوفهم اليوم لا يقتصر على من يخضع للمراقبة مباشرة، بل يمتد إلى من يعرف شخصًا تعرض لذلك، ما يعمّم الإحساس بعدم الأمان ويقوّض ثقافة النقاش السياسي الحر داخل الحرم الجامعي.
ويرى الطلاب أن احتجاجاتهم تمثل تعبيرًا مشروعًا عن موقف أخلاقي وسياسي تجاه ما يحدث في فلسطين، فيما أظهرت الأحداث أن نظام الردّ الإداري والقانوني في الجامعات الأميركية أصبح عامل ضغط إضافي على حرية التعبير.
يقول الطلاب من عدة مؤسسات إن خوفهم اليوم لا يقتصر على من يخضع للمراقبة مباشرة، بل يمتد إلى من يعرف شخصًا تعرض لذلك، ما يعمّم الإحساس بعدم الأمان ويقوّض ثقافة النقاش السياسي الحر داخل الحرم الجامعي
اعتقالات وتأثير قانوني
على الجانب الآخر من القمع الإداري تأتي الملاحقة القانونية للطلاب الناشطين، حيث اعتُقل عدد منهم بسبب نشاطهم الداعم لفلسطين، من بينهم الناشط الفلسطيني محمود خليل، الذي قاد الاحتجاجات في جامعة كولومبيا، قبل أن تقوم وكالة الهجرة والجمارك باعتقاله والقيام بإجراءات تمهيدًا لترحيله، في خطوة ربطها ناشطون بسياسات أكثر تشددًا داخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تستهدف النشطاء الداعمين لفلسطين.
وقد أثارت هذه الاعتقالات جدلًا واسعًا حول ما إذا كانت السلطات تستخدم قضايا الهجرة والاعتقال الإداري كأداة لقمع المعارضة السياسية، لا كقضايا تتعلق بمخاطر أمنية فورية، وهو ما يزيد الشعور بين الطلاب بأن احتجاجهم يتعرض لضغوط متعددة المستويات، إدارية وقضائية.
تراجع حرية التعبير في الجامعات؟
هذه الحوادث تأتي في خضم احتجاجات استمرت لأكثر من عامين مؤيدة لفلسطين في الجامعات الأميركية، والتي أصبحت محور جدل واسع حول حرية التعبير، ودور الإدارات الجامعية في التعامل مع الاحتجاجات والمطالب الطلابية.
وبحسب الاتحاد الأميركي للحريات المدنية، فإن أي مؤسسة تعليمية تفقد ثقة طلابها في قدرة النظام الأكاديمي على حماية حقوقهم قد تكون قد تجاوزت خطًا أساسيًا في ضمان حرية التعبير، مما يعيد رسم العلاقة بين الطلاب والإدارة في كثير من الجامعات الأميركية.