تصعيد الفاشر يعيد السودانيين في مصر إلى نقطة الصفر: عودتهم مؤجلة حتى إشعار آخر
7 نوفمبر 2025
كان عثمان، ذو الخامسة والخمسين عامًا، يضع آخر قطعة من أمتعته استعدادًا للعودة إلى أم درمان بعد نزوح قاسٍ في القاهرة دام قرابة عامين، لكنه فجأة توقّف عن كل شيء، الأخبار الأخيرة عن سقوط الفاشر في يد قوات الدعم السريع كسرت إحساسه بالأمان الذي بدأ يقترب منه، وجعلته يتراجع في اللحظة الأخيرة عن قرار كان ينتظره قلبه أكثر من حقيبته.
لم يخطر بباله أن يتبدّد الأمل بهذه السرعة؛ فقد شهدت الجالية السودانية في مصر خلال الأيام الماضية موجة تفاؤل متصاعدة بعد التقدم العسكري للجيش، وشعر السودانيون في الخارج للمرة الأولى منذ زمن بأن الطريق للعودة قد يكون أقرب مما تصوروا، كانت تلك اللحظات تُعيد الحياة في صدورهم، وتجمعهم على أحلام العودة إلى البيت، إلى الناس، إلى التفاصيل التي ما زالت تسكنهم مهما ابتعدوا عنها.
ومهما طال النزوح وتشعّبت طرق الهجرة، يبقى الوطن يسكن أرواح السودانيين كنبض ثابت لا يخفت، الوطن عندهم ليس جغرافيا فقط، بل حنين متجذر في الذاكرة والدم، لا يُمحى مهما اشتدت المآسي، ولا يُقايض مهما اختلفت الظروف.
تلك الرغبة في العودة ليست فكرة عابرة؛ إنها عقيدة شعورية لا تزول، ورغبة متجددة تولد من رحم الألم في كل مرة، وتقول لهم: هناك حيث تُسمى الأرض وطن… لا بد أن نعود يومًا.
ما حدث في الفاشر وما يجري في كادوقلي ليس بعيدًا عن أي ولاية أخرى، حتى العاصمة الخرطوم نفسها رغم بعدها الجغرافي، فالمشهد العسكري في السودان بات هشًا ومفتوحًا على احتمالات لا سقف لها
ليست الفاشر وحدها.. مخاوف التمدد تتصاعد
يقول أحمد البشير، المدرس بجامعة الخرطوم، إن ما جرى في الفاشر لم يكن حدثًا منفصلًا أو استثناءً، بل هو امتداد لذات النهج الذي اتبعته قوات الدعم السريع في دارفور من قبل، عندما ارتكبت إبادة بحق المساليت في غرب الإقليم.
بالنسبة له، فإن حدود المأساة لا تتوقف عند مدينة بعينها ولا حتى عند حدود دارفور نفسها، بل تظل قابلة للتمدد واتساع رقعتها كلما طال أمد الحرب وفلتت الحسابات من يد الجميع.
ويشرح البشير في حديثه لـ"الترا صوت" أن المشهد المؤلم ذاته يتكرر اليوم في كادوقلي بجنوب كردفان، حيث يدفع الدعامة المدنيين نحو المجاعة بدم بارد ودون أي شعور بالمسؤولية الأخلاقية، ففي اللحظة التي أعلن فيها التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي وقوع مجاعة في كل من الفاشر وكادوقلي، بدأت التحذيرات تتصاعد من اتساع نطاق الجوع ليمتد إلى عشرات المناطق الأخرى في دارفور وكردفان مع تزايد موجات النزوح.
وبحسب قوله، فإن الفاشر انهارت بعد حصار قاسٍ استمر 18 شهرًا، أعقبته هجمات جوية بطائرات مسيرّة أنهت ما تبقى من قدرة المدينة على المقاومة، بينما جاء إعلان المجاعة في كادوقلي بعد حصار مشابه شاركت فيه قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال، الأمر الذي قطع الغذاء والدواء ورفع الأسعار إلى مستويات لا يطيقها أحد.
ويرى الأكاديمي السوداني أن ما حدث في الفاشر وما يجري في كادوقلي ليس بعيدًا عن أي ولاية أخرى، حتى العاصمة الخرطوم نفسها رغم بعدها الجغرافي، فالمشهد العسكري في السودان بات هشًا ومفتوحًا على احتمالات لا سقف لها، وما دام ميزان القوة يتحرك بلا ضوابط أخلاقية أو حدود، فإن المأساة يمكن أن تصل لأي مكان، وبأي شكل، وفي أي لحظة.
إصرار على التصعيد
تتجه التطورات في السودان نحو مسار أكثر تصعيدًا، رغم إعلان قوات الدعم السريع قبولها المبدئي بهدنة إنسانية، فالهجوم الذي نفذته القوات، فجر الجمعة 7 تشرين ثاني/نوفمبر الجاري، على مدينة عطبرة بولاية نهر النيل عبر ست طائرات مسيّرة انتحارية – تصدت لها الدفاعات الأرضية للجيش دون أن تحقق أهدافًا تذكر – يؤكد أن العمليات العسكرية ما تزال هي اللغة الأكثر حضورًا على الأرض، وأن الهدنة تظل حتى اللحظة مجرد خطاب سياسي لا يملك انعكاسًا فعليًا في الميدان.
ويرى الصحفي السوداني محمد الفاتح أن رقعة الصراع باتت مفتوحة بالكامل أمام مختلف السيناريوهات، في ظل تضارب المصالح وتعدد الأطراف الفاعلة داخليًا وخارجيًا، وبحسب تقديره، فإن سرعة تغير المشهد وتعقيداته تجعل من الصعب التنبؤ بأي مسار مستقر أو ثابت، حيث يمكن أن تنقلب المعادلات في أي لحظة نتيجة تحركات مفاجئة أو تغيرات في توازن القوى.
ويضيف الفاتح في حديثه لـ"الترا صوت" أن التطور العسكري الأخير الذي حققته قوات الدعم السريع أعاد بعض التوازن النسبي داخل ساحة الصراع، وهو تحول من شأنه أن يدفع نحو مزيد من التصعيد، خاصة مع تمسك كل طرف بمواقفه ورهاناته دون استعداد حقيقي لتقديم تنازلات، وفي هذا السياق، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من المواجهة، وليس لخفض التوتر أو التوجه نحو تسوية قريبة.
تأجيل قرار العودة
أمام هذه التطورات المتسارعة وعودة التصعيد داخل السودان، اختار كثير من السودانيين المقيمين في الخارج ــ خصوصًا في مصر التي تحتضن أكبر جالية سودانية تأجيل قرار العودة إلى الوطن، بعد أن كانت فكرة الرجوع أقرب من أي وقت مضى خلال الأسابيع الماضية.
تقول أسماء، البالغة من العمر 45 عامًا، إنها كانت على وشك أن تكمل إجراءات العودة إلى الخرطوم، بل دفعت قيمة تذكرة السفر فعليًا لإحدى الشركات التي تنقل السودانيين عبر الحدود، لكن تصاعد الأحداث مجددًا جعلها تتراجع.
وتضيف أسماء في حديثها لـ "الترا صوت" أنها مضت أكثر من سنة ونصف تعيش فيها في مصر وهي تنتظر اللحظة التي ستعود فيها إلى بيتها في الخرطوم، وعندما اعتقدت أن الوقت قد حان، عاد المشهد ليشتعل من جديد، الأمر الذي جعل فكرة العودة الآن مخاطرة قد تهدد حياتها بدل أن تعيد لها الاستقرار الذي تنتظره.
ورغم أن حاتم، البالغ من العمر 60 عامًا، كان قد اتخذ قرار العودة قبل شهر، بعدما شعر بأن الأوضاع بدأت تستقرّ إثر تحسّن موقف الجيش، فإنه لم يتمكن من الرجوع إلى مصر إلا قبل أسبوع فقط، بعدما لاحظ أن الأزمة تتسع بوتيرة تفوق التوقعات، حتى وهو يقيم في أم درمان بعيدًا عن مركز الاشتباك في الفاشر.
ويشير حاتم، الذي يعمل في مجال السفريات، في حديثه لـ"الترا صوت" إلى أن حركة العودة من مصر إلى السودان تراجعت بشكل واضح منذ 26 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي بما لا يقل عن 40%، على المستوى الأهلي، بعيدًا عن رحلات "العودة الطوعية" التي تنظمها "منظومة الصناعات الدفاعية" السودانية بالتنسيق مع الحكومة المصرية، منذ تموز/ يوليو الماضي موضحًا أن غالبية الناس فضّلوا التريث وانتظار وضوح الصورة بدل الدخول في مغامرة غير محسوبة في بلد أصبح فيه الأمن هشًا، وحدود المخاطر تتسع كل يوم.
رقعة الصراع باتت مفتوحة بالكامل أمام مختلف السيناريوهات، في ظل تضارب المصالح وتعدد الأطراف الفاعلة داخليًا وخارجيًا
في المقابل، هناك من اختار العودة إلى السودان رغم كل المخاطر المحتملة، فبعض السودانيين في مصر لم يتمكنوا من التأقلم مع واقع النزوح وتغير نمط الحياة وتكاليف المعيشة، وشعروا أن البقاء خارج حدود الوطن لم يعد يحمل لهم ما يمنحهم القدرة على الصمود نفسيًا ومعنويًا، بالنسبة لهم، العودة إلى الأرض التي يعرفونها، مهما كانت قاسية، تبدو أقل وطأة من الغربة التي تُنهك الروح كل يوم.
ومع إدراكهم الكامل لمقدار المخاطرة التي يقدمون عليها، لا يستبعد هؤلاء أن يعودوا من جديد إلى مصر، أو غيرها، إذا تدهور الوضع الأمني أكثر داخل السودان، فقرار العودة ليس إعلان انتفاء الحاجة للملاذ، بل هو محاولة للبحث عن مساحة نجاة داخل الجراح نفسها، مع بقاء احتمالات الانسحاب مفتوحة إذا باتت الحياة داخل السودان غير ممكنة أو غير آمنة بصورة مطلقة.
ما جرى في الفاشر لم يكن حدثًا عابرًا في سياق حرب طويلة فحسب، بل كان صدمة أعادت ترتيب مشاعر السودانيين في الخارج تجاه فكرة العودة، فالسقوط المفاجئ للمدينة، وما تبعه من مجازر وتجويع وانهيار إنساني، أرسل إشارة قاسية إلى كل من كان يتهيأ للرجوع إلى الوطن، فأعاد الخوف إلى الواجهة ودفع كثيرين لإعادة التفكير في خطوات كانوا على وشك اتخاذها.
لقد أصبحت عودة السوداني اليوم إلى وطنه مرهونة بإشارات أمن لا يملك أحد ضمانها، لا بوسع الذاكرة وحدها ولا بالاشتياق وحده أن يمنحاها الصمود المطلوب، ومع ذلك، سيظل الحنين أكبر من الحرب، فرغم الجراح والقلق والحسابات الثقيلة، يبقى الوطن في عقل السوداني ووجدانه فكرة تتجاوز الألم والخراب.
ما فعلته الفاشر هو أنها جعلت قرار العودة الآن أكثر حذرًا وتأجيله أكثر منطقية، لكنها لم تستطع أن تنتزع تلك الرغبة الأصلية في الرجوع يومًا ما، ولا أن تلغي يقينًا داخليًا لدى كل سوداني بأن هذا البلد، مهما ابتعدوا عنه، هو آخر محطة، وآخر مكان يستحق أن يكون نهاية الرحلة.







