تصاعد الموقف الصيني بعد الحصار البحري
15 ابريل 2026
منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، اكتفت الصين بإصدار مجموعة من البيانات والتصريحات الداعية إلى ضبط النفس ووقف الحرب، إلا أن حدّة المواقف الصينية تصاعدت منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض حصار بحري على إيران. وقد وصفت بكين الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية بأنه "أمر خطير وغير مسؤول"، مؤكدة أن وقف إطلاق النار يبقى الحل الوحيد لخفض التصعيد.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، غوو جياكون، في مؤتمر صحفي، أمس الثلاثاء، إن الحصار الأميركي وتعزيز الحشد العسكري الأميركي من شأنهما تأجيج التوتر في المنطقة.
وحذر من أن تكثيف الولايات المتحدة عملياتها العسكرية وفرضها حصارًا موجّهًا لن يؤديا إلا إلى تصعيد التوتر، وإضعاف اتفاق وقف إطلاق النار الهش أصلًا، وتعريض أمن الملاحة في المضيق لمزيد من المخاطر.
وتُعد الصين من أكبر المتضررين من أي إغلاق لمضيق هرمز، إذ يمر عبره ما يقارب نصف واردات بكين النفطية القادمة من إيران ودول الخليج، ما يجعل أي حصار أو اضطراب في الممر البحري مصدر ضرر مباشر لاقتصادها.
إلا أن الإغلاق خلال الحرب جاء من الجانب الإيراني، فيما ذكرت مصادر عدة أن طهران واصلت إرسال شحنات نفط إلى الصين خلال فترة الحرب، مشيرة إلى أن ثلثي الشحنات التي عبرت المضيق خلال 40 يومًا من الحرب كانت مرتبطة بإيران.
تعتبر بكين أن عسكرة المضيق من قبل الولايات المتحدة تمثل تهديدًا إضافيًا إلى جانب الأضرار الاقتصادية. وتُعد هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها الصين عبارة "خطير وغير مسؤول" لوصف التحركات الأميركية، وهي صياغة لم تلجأ إليها حتى خلال الحرب على إيران
غير أن الحصار الأميركي، الذي أكد واشنطن أنه يمنع دخول أو خروج أي سفينة من الموانئ الإيرانية بغض النظر عن العلم الذي ترفعه، يضع الصين في صلب دائرة التأثر والاستهداف الاقتصادي.
قلق صيني من عسكرة المضيق
وتعتبر بكين أن عسكرة المضيق من قبل الولايات المتحدة تمثل تهديدًا إضافيًا إلى جانب الأضرار الاقتصادية. وتُعد هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها الصين عبارة "خطير وغير مسؤول" لوصف التحركات الأميركية، وهي صياغة لم تلجأ إليها حتى خلال الحرب على إيران، ما يعكس أن الحصار البحري بالنسبة إلى بكين يشكل تطورًا أكثر خطورة من المواجهة العسكرية ذاتها.
وهذا ما أشارت إليه الكاتبة الصحفية والمحللة السياسية الصينية سعاد ياي شين هوا، إذ رأت أن وصف الصين الإجراءات الأميركية الأخيرة المتعلقة بالموانئ الإيرانية والمناطق البحرية المحيطة بها بأنها "خطيرة وغير مسؤولة" لا يأتي في سياق انفعالي، بل يستند إلى قراءة متأنية لطبيعة التطورات الجارية في منطقة شديدة الحساسية على المستويين الإقليمي والدولي.
واعتبرت أن بكين ترى أن تكثيف الانتشار العسكري واتخاذ خطوات أحادية الجانب لن يساهما في تهدئة الأوضاع، بل سيؤديان إلى تعقيدها، ويزيدان من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
أما على مستوى أمن المنطقة، فإن مثل هذه الإجراءات، بحسب شين هوا، لا تبقى محصورة ضمن نطاق ضيق، بل قد تؤدي إلى ردود فعل متبادلة، وتُسهم في توسيع دائرة التوتر، بما قد يدفع الأزمة من إطارها الثنائي إلى صراع إقليمي، ويجعل احتمالات التصعيد غير المحسوب أكثر واقعية، وهو ما يهدد استقرار منطقة الخليج برمتها.
وأشارت شين هوا إلى أن الرسالة الأساسية التي تحاول بكين إيصالها، في ظل التعقيدات الراهنة، تتمثل في ضرورة منع انزلاق الأوضاع نحو مزيد من التصعيد، والعمل على تثبيت وقف إطلاق النار، وتهيئة الظروف اللازمة لإطلاق عملية سياسية شاملة تُفضي إلى استقرار مستدام في المنطقة.
دعم السياسي يتقاطع مع مؤشرات عسكرية
وكانت الصين قد استخدمت حق النقض الأسبوع الماضي في مجلس الأمن ضد مشروع قرار بشأن فتح مضيق هرمز، في إشارة إلى وقوف بكين إلى جانب إيران.
وفي ذلك الوقت، قال مندوب الصين لدى الأمم المتحدة فو كونغ إن مشروع القرار تضمن "إدانة أحادية الجانب وممارسة للضغط"، مضيفًا أن تبني مشروع قرار بشأن مضيق هرمز في وقت تهدد فيه الولايات المتحدة بإبادة حضارة كاملة "سيوجه رسالة خاطئة".
وتشير تقارير صحفية أميركية وبريطانية إلى أن الموقف الصيني لا يقتصر على إطار الدعم الدبلوماسي فقط، بل يتقاطع أيضًا مع مؤشرات على دعم تقني وعسكري. وفي هذا السياق، كشفت فايننشال تايمز في تحقيق لها أن إيران حصلت سرًا على قمر صناعي تجسسي صيني، منح طهران قدرة جديدة وفعالة على استهداف القواعد العسكرية الأميركية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط خلال الحرب الأخيرة.
وتُظهر وثائق عسكرية إيرانية مسرّبة أن القمر الصناعي، المعروف باسم "TEE-01B"، حصلت عليه القوة الجوفضائية التابعة للحرس الثوري الإيراني في أواخر عام 2024، بعد إطلاقه إلى الفضاء من الصين.
كما أظهرت قوائم إحداثيات مؤرخة وصور فضائية وتحليلات مدارية أن القادة العسكريين الإيرانيين كلّفوا لاحقًا هذا القمر بمراقبة مواقع عسكرية أميركية رئيسية، وقد التُقطت الصور في آذار/مارس قبل وبعد ضربات بطائرات مسيّرة وصواريخ استهدفت تلك المواقع.
وعند سؤال السفارة الصينية في واشنطن عما إذا كانت الحكومة الصينية على علم بالعلاقة بين شركة "إمبوسات" والحرس الثوري، قالت: "نحن نعارض بشدة قيام أطراف معنية بنشر معلومات مضللة قائمة على التكهنات والتلميحات ضد الصين".
دعم عسكري ونفي صيني
كما سبق أن كشفت مصادر استخباراتية لشبكة "سي إن إن" أن الصين تخطط لإرسال أنظمة دفاع جوي متطورة إلى إيران خلال الأسابيع المقبلة عبر دولة ثالثة للتمويه على مصدر الشحنات.
وتتركز هذه التعزيزات على منظومات "مانباد"، وهي صواريخ أرض-جو تُحمل على الكتف تعتمد على التتبع الحراري بالأشعة تحت الحمراء، وتستهدف الطائرات والمروحيات على ارتفاعات منخفضة.
من جهته، نفى المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن هذه التقارير، واصفًا إياها بأنها "اتهامات بلا أساس" تهدف إلى الإثارة الإعلامية، مؤكدًا أن بكين لا تزود أطراف النزاع بالأسلحة.
وردًا على سؤال بشأن تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على بكين بنسبة 50 في المئة في حال قدمت دعمًا عسكريًا لإيران، قال المتحدث الصيني إنه "لا يوجد فائز في الحرب الاقتصادية".
كما حذّر ترامب الصين قائلًا: إذا أقدمت على ذلك، في إشارة إلى الدعم العسكري، فستواجه مشاكل كبيرة.