تشيخوف ومهزلة الخروج الروسي

تشيخوف ومهزلة الخروج الروسي

أطفال سوريون في دمشق (Getty)

إذن فقد خرج الروس بجيوشهم من سوريا بعد أن أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمره بذلك، دون الرجوع إلى مشورة أحد بما في ذلك الرئيس السوري بشار الأسد، وهكذا فقد استعرت كالعادة كل مواقع التواصل الاجتماعي كي تغطي الحدث الكبير وتشبعه تمحيصًا. 

رغم فداحة ما ترتب على التدخل العسكري الروسي، إلا أن كل ذلك لم يحد من روح الدعابة السورية

ما لا يختلف عليه أحد في الموضوع كله أن التدخل الروسي العسكري في سوريا جاء بدون سابق إنذار، وأن خروجهم جاء كذلك مفاجئًا، لكن الجميع يدركون بطبيعة الحال أن وراء الأكمة ما وراءها.

اقرأ/ي أيضًا: الـ"جيب واز" للضابط الممتاز

ورغم فداحة النتائج التي ترتبت على التدخل العسكري الروسي، إلا أن كل ذلك لم يحد من روح الدعابة التي اتصف بها الشعب السوري عمومًا، والتي واكبت الثورة السورية بمختلف مراحلها، منذ انطلاق الحراك السلمي في أحداث درعا الشهيرة وحتى يومنا هذا، فالبعض أشاد بطبخات "الروس مع المقادم" في إشارة للطبخة التي يشتهر بتقديمها حي الميدان الدمشقي، فربط رؤوس الغنم برؤوس روسيا وجعل من النظام السوري أقدامًا له، والبعض الآخر تفنن في صياغة أفيشات تظهر اتصالات بشار الأسد بمعلمه الأشقر بوتين الذي يسمع رنين الموبايل ولكنه لا يرد على هاتفه، وزاد بعضهم بأن جعل من آلة المجيب الآلي تنطق رادة على الرئيس السوري بلهجة أهل الساحل ولكن بمفردات روسية: "قرد، إيدي ك توشرتو"، وهي عبارة تعني فلتذهب للجحيم مطعمةً بمفردة يفهمها السوريون جميعًا.

لا تستطيع مقالة قصيرة أن تحيط بكل الكوميديا التي غطت المساحات الافتراضية، خاصة وأن العقل المضطهد يفيض في لحظات الفرح العارمة بأبهى أشكال التعبير الكوميدي. غير أن تلك الظاهرة التي امتدت على مدى السنوات الخمس تستحق التأمل والبحث والدراسة. 

يعرف أرسطو الكوميديا قائلًا: "الملهاة أكثر ألوان الأدب وأعظمها رواجًا وهي محاكاة الأراذل من الناس، لا في كل نقيضه ولكن في الجانب الهزلي الذي يثير الضحك من غير إيلام ولا إضرار"، ويعتقد أرسطو أن الضحك ينتج عن تقديم الإنسان في حالة أسوأ مما هو عليه في الحياة. وربما يكون سر الضحك قابعًا في ذلك التعريف حقًا، فمن الأكيد أن كل من تفنن في السخرية، لم يكن سعيدًا السعادة الحقيقة، لأن الحرب التي وقعت كانت ظالمة وغير متكافئة، ومن المؤكد أيضًا أنك لن تجد نموذجًا واحدًا لا يفضل في وجدانه لو أن كل ذلك الموت لم يعبر فوق بلاد اشتهرت بأنها بلد كل إنسان في العالم بالإضافة إلى بلده الأم.

اقرأ/ي أيضًا: رودونسون ووثنية الخضروات والفواكه

هكذا تتخذ الشعوب طرقًا معينة لمعالجة فواجعها، كالسخرية المرة من المصائب والهزء بالخصوم، واعتماد الشعوب لهذه الطرق لا يخلو من التهجم الذي قد لا يحظى بأي قبول خلقي في ظروف اعتيادية، ولكنه يحقق الرد الانتقامي المنفس عبر الكوميديا، مدعومًا بالإيمان وقوة الضمير. أما لو سألت نفسك عما يمكن أن تقدم كل تلك السخرية! فقد لا تجد أنها ستقدم سوى عنصر "المتعة"، متعة صفع العدو أو الخصم وتوريم عينيه. ولكن هذا العنصر في حقيقة الأمر يمتلك صفة "التخليد"، فهو الذي سيؤرشف لاحقًا في الذاكرة العامة الجمعية ما حدث، بعيدًا عن الحقائق المغيبة حول الأسباب والنتائج.

الأرواح التي سفكت لا تستطيع أن تجد تشيخوف ليكتب عنها، أو شكسبير ليجسدها في مآسيه

في قصته الكوميدية الشهيرة "مع سبق الإصرار" يروي لنا الكاتب الروسي الشهير أنطون تشيخوف كيف أن فلاحًا بسيطًا ضبط متلبسًا لدى انتزاعه لصامولة من الصواميل التي تثبت القضبان المعدنية الخاصة بسكك القطارات، لأنه بحاجة لها ليجعل منها ثقالة لصيد السمك بالسنارة. 

الفلاح لم يفهم خلال التحقيق الذي جرى معه فداحة الأمر، وأن فعلته قد تؤدي لانقلاب القطارات ولقتل الناس، بل إن التحقيق سيشي لاحقًا بأن أغلب سكان القرية متورطون بنفس الجرم: يضحك دينيس ضحكة سخرية قصيرة ويزر عينيه محدقًا فى المحقق بارتياب.. لا! من سنين وكل أهل القرية يفكون الصواميل، وربنا سترها، وحضرتك تقول: انقلاب القطارات! قتل الناس.. لو أني خلعت القضيب، أو وضعت مثلًا جذع شجرة بعرض القضبان فيمكن ساعتها ينقلب القطار. ولكن هذه مجرد صامولة! شيء بسيط!

لاشك لدي بأننا جميعًا قد انتزعنا الصواميل يومًا، وأن القطارات لم "تفتنا" فقط كما قال الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح، بل انقلبت بنا أفرادًا وشعوبًا، وكل ذلك لأننا ظننا بأن سمك "الشليشبيور" أهم من سكك القطارات التي يمكن لها أن تتماسك مهما انتزع من صواميلها.

خرج الروس من سوريا كما دخلوها "مع سبق الإصرار"، واستفاضت الصفحات بالسخرية منهم، غير أن الأرواح التي سفكت لا تستطيع أن تجد تشيخوفًا ليكتب عنها، أو شكسبيرًا ليجسدها في مآسيه كشخصيات تطالب بالانتقام كما فعل والد هاملت.

اقرأ/ي أيضًا: 

قمر على بلادي البعيدة

بهلول الملاجئ