تشكيل الحكومة العراقية.. خلافات تعمّق الأزمة وتحذيرات من تجاوز المهل الدستورية
30 نوفمبر 2025
تتزايد التباينات والخلافات داخل الإطار التنسيقي المكوَّن من الأحزاب والائتلافات الشيعية العربية الفائزة بالانتخابات البرلمانية الأخيرة حول اختيار مرشّح لرئاسة الحكومة المقبلة. فبالرغم من سعي الإطار إلى إظهار صورة الوحدة والانسجام بين مكوناته أمام الرأي العام العراقي إلا أن الخلافات داخله خرجت عن السيطرة وباتت محطّ أنظار الجميع وذلك في وقت تضغط فيه السلطة القضائية للالتزام بالآجال الدستورية لتشكيل الحكومة والبرلمان واختيار رئيس جديد للبلاد، وحذّر القضاء العراقي من التداعيات الخطيرة التي قد تنجم عن تجاوز الآجال القانونية للعملية برمّتها.
الخلافات الداخلية تعطّل التوافق على مرشحي رئاسة الحكومة
لم تُسفر المفاوضات بين القوى المشكلة للإطار التنسيقي عن إحراز تقدّم يذكر في ملف الترشيحات الحكومية، بسبب الخلاف حول اسم المرشّح لرئاسة الحكومة المقبلة بين من يُفضّل التجديد لمحمد شياع السوداني باعتباره المرشح الأكثر قبولًا داخليًّا (حيث يحظى بقبول داخل أطراف كردية وسنية) والذي فاز ائتلافه "الإعمار والتنمية" بأكبر عدد من المقاعد البرلمانية.
وعلى الطرف الآخر تدفع قوى أخرى داخل الإطار (يمثلها ائتلاف دولة القانون وائتلافات متحالفة معه) نحو ترشيح الأمين العام لحزب الدعوة ورئيس الوزراء السابق نوري المالكي بوصفه "صاحب خبرة ويمتلك ثقلًا سياسيًا يجعله الأقدر على التعامل مع استحقاقات المرحلة القادمة وفي القلب منها ملف نزْع سلاح الفصائل الذي يعدّ ملفًّا شائكًا بالنسبة للقوى السياسية الشيعية العراقية وبالنسبة لأجندة الفاعلين الإقليميين والدوليين في العراق وعلى رأسهم إيران والولايات المتحدة الأميركية، ويُتّهم رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني من طرف بعض الكتل السياسية في الإطار التنسيقي بالانحياز للرؤية الأميركية رغم ربْطه نزع سلاح الفصائل بمغادرة القوات الأميركية للعراق.
وقال مصدر من داخل الإطار التنسيقي في حديث مع موقع العربي الجديد إنّ "غياب مرشح توافقي يحظى بقبول الطرفين يعقّد المشهد"، ولفت هذا المصدر الذي فضّل عدم كشف هويته إلى أنّ "بعض المداولات السرّية طرحت أسماء بديلة، لكنها لم تنجح في نيل إجماع داخلي، ما قد يطيل أمد النقاشات، ويؤخّر حسم الملف إلى ما بعد المدد الدستورية المقررة، وهو السيناريو المرجح إذا لم يحدث تغيير سياسي كبير".
وتنفي الأطراف المشكّلة للإطار التنسيقي وجود مثل هذه الصراعات بين مكونات الإطار وفي هذا الصدد يقول عضو ائتلاف دولة القانون صباح الأنباري إنه "لا وجود لأي صراع أو انقسام داخل الإطار التنسيقي"، مؤكداً أنّ "الحكومة المقبلة ستنبثق من داخل الإطار لأنّ مختلف الأطراف عازمة على تجاوز أي معرقلات".
وفي السياق ذاته نفى النائب عن "الإطار التنسيقي" محمد راضي سلطان وجود أي "تدخل خارجي في قرار التحالف"، مؤكدًا أنّ "القرار وطني خالص، وأنّ الاتفاق على المرشح سيُحسم قبل الجلسة الأولى للبرلمان الجديد" وفق تصريحاته.
لكن البحث العراقي المختص بالشؤون السياسية سالم المساري يعتقد أنّ مثل هذه المواقف الإعلامية لا تكفي لتبديد الشكوك المتزايدة حول قدرة الأطراف داخل الإطار التنسيقي على تجاوز خلافاتها، في ظل معلومات مؤكدة "عن اختلاف الأولويات بين قوى "الإطار التنسيقي وتضارب حسابات النفوذ، سواءً في توزيع الحقائب أو هوية رئيس الحكومة"، مستنتجًا من ذلك أنّ "التباين داخل الإطار التنسيقي يتصاعد بشدة"، وأنّ المشاكل المطروحة داخله لا تتعلّق بشخص المرشح فقط، بل بطبيعة النظام السياسي القائم على توافق بين قوى بلا مرجعية موحّدة داخل المكوّن الواحد".
وعلى ذلك الأساس من غير المرجّح حسب المحللين والمتابعين أن يُحسَم الخلاف حول تشكيل الحكومة في المدى القريب المنظور. لا سيما أنّ المشاكل لا تتعلق فقط بالمشاكل الداخلية في الإطار التنسيقي بل تمتد إلى علاقات الإطار بالقوى السياسية السنية والكردية.
المجلس الأعلى للقضاء يدخل على الخط:
دخل المجلس الأعلى للقضاء على خط أزمة التشكيل الحكومي والبرلماني، حيث طالع الجميع بيان دعا فيه مختلف القوى السياسية إلى "الالتزام بالآجال الدستورية"، محذرًا من أنّ تجاوزها "لم يعد مجرد مخالفة إجرائية بل تهديد مباشر لاستقرار الدولة وتماسك مؤسساتها".
وعبّر المجلس عن رفضه القاطع للزج بالسلطة القضائية "في أي مداولات تخص تسمية رئيسيْ السلطتين التشريعية والتنفيذية"، مشددًا على موقفه المتمثل في عدم "دعْم أو تبنّي أي رأي يتعلق بأي شخصية مرشحة لرئاسة الحكومة".
يشار إلى أنّ الخطة الدستورية تقتضي بعد إعلان نتائج الانتخابات أن تبدأ إجراءات المصادقة عليها من طرف المحكمة الاتحادية في غضون 15 يومًا وهو ما لم يتمّ حتى اللحظة، ويعقب ذلك انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان في فترة لا تتجاوز 15 يومًا كذلك من تاريخ المصادقة على النتائج من طرف المحكمة، وخلال الجلسة البرلمانية الأولى يتم اختيار رئيس البرلمان ونائبيْه على أن يُنتخب رئيس الجمهورية بعد ذلك خلال 30 يومًا بأغلبية ثلثيْ أعضاء البرلمان في الجولة الأولى وإن لم يتحقق ذلك تجرى جولة ثانية بين أعلى المرشحين.
وبعد اكتمال مسار تشكيل البرلمان واختيار رئيس للجمهورية تُدعى الكتلة البرلمانية الأكبر تمثيلًا إلى تشكيل الحكومة خلال 15 يومًا من انتخاب رئيس الجمهورية، ويحدد الدستور العراقي مهلة من 30 يومًا لنيل الحكومة الثقة من طرف البرلمان وفي حال لم ينجح في ذلك يتم تكليف مرشح آخر في غضون 15 يومًا إضافيًا.




