تشعر بالندم.. خوارزميات جديدة تمنح الروبوتات حسًّا بشريًا
31 أغسطس 2025
في مصنع سيارات مزدحم، حيث تتقاطع الأذرع المعدنية مع الأيدي البشرية في سباق الإنتاج، تبرز قصة جديدة من قلب المختبرات العلمية: كيف يمكن للروبوتات أن تتخذ قرارات أكثر أمانًا عند التعامل مع البشر؟
هذا السؤال لم يعد مجرد تأمل فلسفي، بل أصبح محورًا لأبحاث متقدمة يقودها البروفيسور مرتضى لهيجانيان من جامعة كولورادو بولدر، في محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والآلة.
ما يجعل الدراسة مميزة هو إدخال مفهوم "الندم" في آلية اتخاذ القرار، فالروبوت يجب أن يسأل نفسه: "هل سأندم على هذا القرار لاحقًا؟"
ففي مؤتمر الذكاء الاصطناعي الدولي الذي عُقد في آب/أغسطس 2025، قدم لهيجانيان وفريقه من طلاب الدراسات العليا، كاران موفالا وتشي هينغ هو، خوارزميات جديدة تتيح للروبوتات اتخاذ قرارات مدروسة في بيئات غير منظمة، حيث يسود عدم اليقين وتكثر المفاجآت.
ووفقًا لما بيّنه موقع "تيك إكسبلور"، فالفكرة الجوهرية التي انطلقت منها الدراسة هي أن الروبوتات، مثل البشر، تمتلك نماذج عقلية تتنبأ بسلوك الآخرين، لكنها تحتاج إلى أدوات أكثر مرونة للتعامل مع الخطأ البشري والتصرفات غير المتوقعة.
في قلب هذه الخوارزميات يكمن مفهوم "نظرية الألعاب"، وهي أداة رياضية نشأت في الاقتصاد وتُستخدم لتحليل كيفية اتخاذ القرارات في بيئات متعددة الأطراف. في السياق الروبوتي، يُنظر إلى الروبوت كلاعب في لعبة معقدة، حيث لا يكفي أن يُنجز مهمته بنجاح، بل عليه أيضًا أن يضمن سلامة الإنسان الذي يعمل بجانبه. وهنا تظهر فكرة "الاستراتيجية المقبولة"، وهي خطة لا تضمن الفوز الكامل، لكنها تقلل من الأضرار وتُراعي السلامة.
لكن ما يجعل هذه الدراسة مميزة هو إدخال مفهوم "الندم" في آلية اتخاذ القرار. فالروبوت، وفقًا للهيجانيان، يجب أن يسأل نفسه: "هل سأندم على هذا القرار لاحقًا؟" هذا النوع من التفكير يمنح الروبوتات طابعًا أكثر إنسانية، ويجعلها أقل عدوانية وأكثر حرصًا على التفاعل الآمن.
في مثال عملي، إذا ارتكب العامل البشري خطأً أثناء تجميع الأبواب، فإن الروبوت، باستخدام هذه الخوارزميات، لن يكتفي بمواصلة العمل بشكل أعمى، بل سيحاول تصحيح الخطأ دون تعريض الإنسان للخطر. وإذا تعذر ذلك، فقد يقرر نقل القطعة إلى مكان أكثر أمانًا لإتمام المهمة. هذه القدرة على التفكير بعدة خطوات مسبقة، كما يفعل لاعب الشطرنج المحترف، تمنح الروبوتات ميزة استراتيجية في بيئات العمل المشتركة.
لكن الهدف ليس التنبؤ الكامل بسلوك الإنسان، بل بناء روبوتات تتكيف مع مختلف أنواع البشر، سواء كانوا مبتدئين أو خبراء. كما يؤكد لهيجانيان: "لا نريد أن يتكيف الإنسان مع الروبوت، بل العكس هو المطلوب".
هذه الرؤية تفتح الباب أمام مستقبل أكثر تعاونًا بين الإنسان والآلة، حيث تُعزز الروبوتات قدرات البشر وتُخفف عنهم الأعباء في قطاعات تعاني من نقص العمالة، مثل الرعاية الصحية أو الأعمال الشاقة. ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، تبقى الأسئلة الكبرى حول مستقبل الوظائف البشرية مطروحة، لكن لهيجانيان يرى أن الاستخدام الصحيح للتكنولوجيا يمكن أن يُوسع من إمكانيات الإنسان، لا أن يُقصيها.






