تشرين الآخر

تشرين الآخر

رصاص فارغ في دوار الطيونة

فليكن البدء بالهيلا هو، أليست هي الأغنية التي هزت الدولة التي وعدنا رئيسها بالجحيم؟

هيلا هو إذًا،

أما بعد، بين تشرين 2019 وتشرين 2021 دورة حياة كاملة، وانقلاب في أحوال الناس. من اليوم الذي انطلقت فيه الجموع صارخة في يأسها كي تصنع القول من الساحات، وكان القول "هيلا هو" مدمرة للخوف ومحررة للصوت السياسي المختلف عن السائد في لبنان كي يتكلم. الهيلا هو في تشرين الأول/أكتوبر، ضربت أدوات السيطرة عند القوى المهيمنة على المشهد السياسي اللبناني، وفتحت باب الكلام على مصراعيه لكل مريد وحالم بالإصلاح أو الثورة.

تستعيد قوى الهيمنة أدواتها ومساخاتها وأطر عملها واحدة تلو الأخرى. وأهمها سبل السيطرة على الخطاب العام في ظروف قاسية جدًا على المجتمع اللبناني

في تشرين هذا، 2021، تستعيد قوى الهيمنة أدواتها ومساخاتها وأطر عملها واحدة تلو الأخرى. وأهمها سبل السيطرة على الخطاب العام في ظروف قاسية جدًا على المجتمع اللبناني. خفت صوت المعترضين كثيرًا، فأمام الفتنة التي تتهدد البلاد من يجرؤ على الاعتراض. ومن تسول له نفسه التعالي عن مقتل 8 ضحايا في اشتباك/كمين مسلح في الطيونة؟ إنه تشرين آخر إذًا.

اقرأ/ي أيضًا: ما هي أبرز ردود الفعل اللبنانية والعربية والدولية حول اشتباكات بيروت؟

حدث ما حدث في الطيونة وكنا نظن أن عناصر قد تنتمي للقوات كمنت لمتظاهرين من الحزب، فتغير الخطاب مجددًا في البلد من المطالبة بالعدالة إلى الخوف من الحرب الأهلية. كل طرف اتهم الآخر وتفاخر بالدفاع المسلح، إلى أن ظهرت فيديوهات تظهر جنودًا من الجيش يطلقون النار على المتظاهرين. هذه الفيديوهات لا تؤكد شيئًا بالضرورة إلا أنها تفتح باب الشك بالرواية التي انتشرت في الاعلام اللبناني وبدأت رحلة الفتنة وانطلقت الاتهامات والتعبئة العسكرية للمجتمع.

لكن حتى لو اكتشفنا أن الطلقة الأولى، انطلقت من عسكري من الجيش، لن يراجع أحدٌ حساباته. فالمطلوب تركيب متاريس ومنابر لإطلاق خطابات الكراهية. لا العدالة ولا الانصاف ولا حتى الثأر هو ما يحرك هؤلاء. ما يحركهم هو القدرة على فرض السيطرة على المجموعات اللبنانية للاستحكام بمكامن القوة والتحريك كي لا يفلت زمام الأمور منهم فيخسرون مكتسباتهم.

هذا ليس إنكارٌ لأصالة الشرخ الطائفي في البلاد، لكنه محاولة لفهم معنى الطائفية بما هي أيديولوجيا المجموعات المهيمنة، أي الأيديولوجيا الخادمة للأوليغارشية (المالية/ الدينية/ العسكرية/ البرا-عسكرية).

بالنسبة لي معرفة ومحاسبة مسببي ومرتكبي معركة الطيونة أولوية، إلا أنها للأسف لن تتم ولن نعرف تفاصيل الجريمة، ولن نهتدي الى الوقائع.

أين نحن من وقائع إطلاق الرصاص على تظاهرة الاتحاد العمالي في 7 أيار/مايو الشهير؟ وأين نحن من التحقيقات بتفجيرات الضاحية؟ وأين نحن من التحقيقات بالمعتدين على المتظاهرين خلال السنتين الماضيتين؟ وأين نحن من معرفة اي وقائع لأي حادث؟

عدم معرفة الوقائع تحيلنا إلى التأويلات، إلى قراءة الأحداث بكونها إحالة إلى معنى مبهم يمكن للناس أن يسقطوا عليه قراءاتهم. أكلٌّ بحسب هواه؟ لا، بل كلٌّ بحسب القوة المهيمنة على الرأي في مساحته، واجتماعه، وطائفته.

هكذا حتى في الأمور التي يمكن النظر فيها إلى افعال محددة للكلام عنها بما هي، تستعيد القوى المهيمنة الخطاب محيلة إياه إلى إشارات تحيلنا إلى طوطم ما، إلى مجموعة ما، فتختزل الافعال بلوغويات وبشعارات مستعادة. تفقد الاحداث تفاصيلها ويتم تلخيصها بإشارات محدودة، يسهل استخدامها في بناء أسطورة، أو في تعزيز خطاب سابق أو في الانتقال إلى مرحلة جديدة من الخطاب.

لا يمكن لبلد، أو أي مؤسسة اجتماعية أن تعالج مشاكلها إن لم تقم بتقييم واقعها بكونه وقائع، بكون الأحداث هي عبارة عن مجموعة كبيرة من التفاصيل التي تؤدي إلى لحظة حدوث الأمر

وللأسف ان ذلك لا يحدث مع أصحاب الطوائف فحسب بل هو ممتد إلى "رواد الهوامش" من العلمانيين اللبنانيين، الذين يخلقون لأنفسهم إشارات وسرديات جاهزة، لكن بلا أي قوة تحملها بلا أي بنيان أيديولوجي. تقع هنا تراطيف تفسيراتهم في حضن هذه القوة المهيمنة، أو تلك المهيمنة في الطرف الآخر فإما تذوب أو تُسحق.

اقرأ/ي أيضًا: لبنان الذي يكاد يغيب عن مداركنا

بعضهم تماهى طويلًا مع الحزب، وبعضهم اصطدم به إلى أن أصبح صنوه في كراهيته وفي خطابه المعادي لفصيل اجتماعي. ومنهم من تماهى مع القوات، فأصبحوا يهتفون لشعار أقل ما يقال إنه معادٍ لهم أنفسهم. إلا أنهم لقلة حيلتهم وعدولهم الطوعي عن بناء القوة يذوبون في الخطاب المهيمن. وهم يعدلون عن بناء القوة لمخافة من بنائها جراء فوبيا ما من القوي، أو حبًا لموقع الضحية وهو هنا موقع اجتماعي اقتصادي في رؤية ما بعد كولونيالية لدور المثقف (أسميه المثقف الإرسالي) في مجتمعاته المحلية.

المشهد قاتم لا شك، ومستقبل هذه البلاد دموي كما أراه، وأرجو أن أكون مخطئًا.

لا يمكن لبلد، أو أي مؤسسة اجتماعية أن تعالج مشاكلها إن لم تقم بتقييم واقعها بكونه وقائع، بكون الأحداث هي عبارة عن مجموعة كبيرة من التفاصيل التي تؤدي إلى لحظة حدوث الأمر، مجموعة كبيرة من الوقائع. هذا لن يلغي الاختلاف على وجهات النظر، لكن سيكون الاختلاف مبني على واقع، لا على اشارات طوطمية تحيل الى انتماء جماعاتي في كل صغيرة وكبيرة.

لكن هل من حل لهذا البناء؟ لا حل بلا قوة. لا أرى إمكانية لاستقرار هذه البلاد بلا تغلب قوة قادرة على فرض أسلوبها، وهذا يعني في وضعنا الحالي حربًا قد تطول بين جهتين، لا ناقة لنا أو جمل كعلمانيين أو تنويريين في دعم أي منهما. كما أن لا مصلحة لأي منهما في التغلب على الأخرى.

إلا أننا في يوم 17 تشرين الأول/أكتوبر المجيد سنة 2019، كان لنا فرصة وضيعناها كشعب وأمة، كما ضيعنا غيرها. كنت أظن أن التيار الذي ولد في الشارع يمكن أن يفتح ثغرة في تراب السياسة لحركة "صغيرة" ديمقراطية، تعددية، اجتماعية، تعلي العدالة والعلم والعمل وتلتزم القضية البيئية وتنتمي الى المستقبل. حتى لو كانت حركة صغيرة يمكنها أن تكبر مع الزمن.

كنت أرى أن إمكانية بناء هكذا حركة ممكن في ظل شارع بدأ يحلم، ولذا شاركت، وكانت أيامًا مجيدة.

إلا أن هذه التجربة انتهت لأسباب كثيرة، سردها يحتاج الى عشرات الصفحات، أهمها الاستثمار الهائل من دكاكين السياسة المعارضة ممثلو البرجوازية الصغيرة العلمانية، كورونا، وانفجار المرفأ. كما أني أرى أن نهاية 17 تشرين خير لها من استخدامها وتحويل الحدث الاعتراضي إلى طوطم جديد، ورمز جديد.

فلتكن أيامًا مجيدةً عشناها وفشلنا، علنا نتعلم من الفشل. والمجد لمن صرخوا في الساعات الأولى، ومن شتموا كل المجرمين. ما تبقى لي في ذاك البلد هو بعض من العدالة التي أشتهي، العدالة المبنية على وقائع، لا على مواقف هي عبارة عن مبانٍ اجتماعية مسبقة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

محنة الهوية اللبنانية وأثرها الذي لا يمحى

فنانون ورسميون وناشطون يرفعون نصبًا لنسيان الضحايا في لبنان