"تشبيح" المصرف المركزي السوري

يصعب تصور أي عمليات صرافة تتم دون معرفة أجهزة النظام الأمنية (Getty)

في غالبية دول العالم يمكن للمواطن أن يرسل أو يتلقى بسهولة نسبية مبالغ مالية عبر التحويل المصرفي أو نظام الحوالات على نحو قانوني وسلس، لكن في سوريا تحويل الأموال بالاتجاهين دونه صعوبات مختلفة تغيرت بمرور الزمن. في حالات كثيرة كان غير قانوني، مما اضطر المواطنين السوريين إلى التوجه نحو أساليب خاصة للتمكن من إرسال وتلقي الأموال.

منذ عشرات السنين وحركة النقد من وإلى سوريا مقيدة، خاصة إن كانت بالعملات الأجنبية. كان التجار والصناعيين يعانون. يذكرون أيام التأميم والاستيلاء على معامل وأراضي وأموال فئة من المواطنين، حين صاروا يرغبون جميعًا بادخار أموالهم خارج سوريا بعيدًا عن خزنات مصارفها الحكومية التي كانت تحتكر العمل المصرفي في البلاد.

يحمل حاكم مصرف سوريا  الجنسية الفرنسية، ما مكنه من تجاوز بعض العقوبات الأوروبية التي فرضت عام 2012 على 211 شخصية سورية

هذه الحالة أدت تلقائيًا إلى استفادة القطاع المصرفي اللبناني من الأموال السورية الوافدة التي لا يثق أصحابها بمصارفهم الوطنية، فحينها كان يلجأ الراغبون بتحويل أموالهم إلى خارج سوريا إلى مكاتب صرافة غير رسمية أو قانونية ليسلموهم الأموال المراد تحويلها، كان هؤلاء بدورهم يسلمونها إلى مهربين يتولون نقلها إلى من يلزم في بيروت، أو إيداعها في حساب مصرفي خاص بالمكتب في أحد المصارف اللبنانية، ليصار لاحقًا إلى تحويل كل مبلغ إلى حساب صاحبه الأصلي بعد حسم كلفة التحويل، وفي حالة ضبط المهرب مع الأموال المهربة تكون الخسارة على عاتق صاحب الأموال الذي لا يستطيع فعل شيء، إذ أن العملية التي يقوم بها غير قانونية أصلًا.

يصعب تصور أن هذه التحويلات وعمليات الصرافة كانت تتم دون معرفة أجهزة النظام الأمنية، لكن من المرجح أن هذه المكاتب كانت تحت حماية بعض المتنفذين المستفيدين ماديًا منها، كما أن النظام من الذكاء إلى حد يمكنه من إدراك أن الضغط على التجار والصناعيين في أمر أموالهم وحرية حركتها لن يكون أمرًا مفيدًا له. ومع تولي بشار الأسد السلطة في سوريا خلفًا لأبيه حافظ الذي حكم البلاد قرابة ثلاثة عقود، بدأت سياسة سميت بسياسة الانفتاح وتحويل الاقتصاد إلى "اقتصاد السوق الاجتماعي". فسمح بتأسيس شركات صرافة للمرة الأولى، وصار بالإمكان تحويل الأموال عبر بعضها إلى سوريا لا إلى خارجها، وعلى أساس سعر صرف للدولار وللعملات الأجنبية عمومًا مغاير لسعر الصرف الحقيقي لها.

في سوريا، وحتى اليوم، ثلاثة أسعار لكل عملة كالدولار، الأول هو السعر الحقيقي للدولار والثاني هو سعر صرف الدولار في الحوالات والثالث هو سعر التداول. وعلى سبيل المثال ففي الأسبوع الأخير من شهر تموز/يوليو 2015 كان سعر الدولار الأمريكي الواحد في السوق السوداء 302 ليرة سورية للشراء، أما سعر صرف الدولار في الحوالات بحسب مصرف سوريا المركزي فهو 282 ليرة سورية، ويبقى سعر التداول بحسب الجهة ذاتها 240 ليرة سوريا تقريبًا. هذا يعني عمليًا أن المواطن السوري المغترب، أو اللاجئ، الذي يحوّل إلى عائلته في الوطن مبلغ ألف دولار عبر مكتب تحويل غير شرعي يعمل في السوق السوداء، ستستلم عائلته مبلغ 302 ألف ليرة سورية، أما التحويل عبر مكتب رسمي يعمل تحت إشراف الدولة، فيعني أن تستلم العائلة 282 ألف ليرة سورية فقط. الباقي؟ تشبيح.

تراجع سعر صرف العملة السورية من 50 ليرة للدولار الواحد قبل الثورة إلى 300 ليرة اليوم

هذا الفارق المقصود في الأسعار يشكل ربحًا لخزينة الدولة ولمكاتب الصرافة والتحويل، وهذه الأسعار دائمة التحديث، وهي تصدر عن مصرف سوريا المركزي، الذي يشغل منصب الحاكم فيه أديب ميالة، الذي عمل أيضًا كمدرس في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، وهو يحمل إلى جانب جنسيته السورية، الجنسية الفرنسية تحت اسم "اندريه مايار" منذ العام 1993، ما مكنه من تجاوز بعض العقوبات الأوروبية التي فرضت عام 2012 على 211 شخصية سورية كان ميالة بينهم.

يصعب التأكد من مدى قدرة الحاكم العاشر لمصرف سوريا المركزي منذ تأسيسه على التأثير الفعلي في الوضع الاقتصادي والمالي السوري، فميالة الذي يحكم المصرف منذ قرابة عقد من الزمن، مثله كمثل أي مسؤول سوري عادي، لا يرجح أنه يستطيع اتخاذ قرارات فعالة من دون العودة إلى السلطة السياسية والأمنية التي تمسك بمقاليد النظام السوري. أحد التجار الدمشقيين المقيمين في بيروت، يعتقد بناءً على خبرته في السوق وطول باعه في الحياة الاقتصادية السورية، إضافة إلى معرفته غير المباشرة بميالة، أن الأخير شخص قدير في اختصاصه كاقتصادي، لكنه ينفذ سياسة النظام المالية. وربما يقترح جزء منها بناء على خبرته، ولا مجال له لاتخاذ القرارات إلا في الحدود الدنيا لما لهذه القرارات من عميق تأثير على مجريات الأمور في سوريا.

لكن حتى في ذلك لم يسلم. إذ حمّل النظام السوري من خلال وسائل إعلامه ميالة، وعلى نحو غير مباشر مسؤولية تراجع سعر صرف الليرة السوري، على اعتبار أن سياسته النقدية هي التي تسببت في هذا التراجع الهائل من 50 ليرة للدولار الواحد قبل الثورة إلى 300 ليرة اليوم، ولكن العارفين بالأمور يدركون أن أمرًا بهذه الخطورة لن يتركه نظام شديد المركزية كنظام دمشق لشخص كميالة، الذي وإن كان محل ثقة النظام، يبقى بعيدًا عن الحاشية العائلية والأمنية المحيطة برأسه، على خلاف محمد مخلوف، خال بشار الأسد، الذي كانت له صولات وجولات في الفساد والتعدي على المال العام إبان توليه للمصرف العقاري السوري المملوك من قبل الدولة لسنوات خلت. نتحدث هنا عن تاريخ طويل من الفساد، من العمولات غير القانونية على القروض إلى قروض لأشخاص وهميين أو متوفين بناء على عمليات رهن لأراض، تبين لاحقًا... أنها ملك للدولة!