تسمين الثورة

تسمين الثورة

شريف عرفة/ مصر

"هل يمكن أن يحدث تغيير قريبًا؟ ألا تشعر بأن حالة السخط في تصاعد؟!"، يفرض هذا السؤال نفسه في النقاشات الدائرة بين عشاق التغيير، الباحثين عن أي بارقة أمل يتشبثون بها، وحتى لا نقع أسرى الأمل الزائف أو اليأس المقعد، يجب أن نميز بين الحالة الثورية والمشروع الثوري.

الحالة الثورية تختلف عن المشروع الثوري في سرعة تشكلها وافتقادها لتخطيط مسبق

يختلف بناء مشروع ثوري عن صناعة حالة ثورية. فالمشروع يقوم على صياغة رؤية لكيفية الوصول للمستقبل، واعتماد استراتيجية، وإعداد أدوات. بينما الحالة تقوم بالأساس على استثمار أجواء سخط لرفع مطالب تغييرية. الحالة الثورية تختلف عن المشروع في سرعة تشكلها وافتقادها لتخطيط مسبق. وهو ما يعطي جرعة الأمل في أن جنين الثورة لا يلتزم بالاستقرار في رحم المجتمع مدة معينة، فهو يفاجيء الجميع بسرعة تشكله، وبركلاته القوية والمفاجئة للخروج إلى العالم. لكن تظل الأدوات التي تمتلكها الأنظمة الاستبدادية، في أغلب الأحيان، حائلًا بين الجنين وبين خروجه للعالم. ولا يقلل هذا من أهمية الحالة الثورية، ودروها في نجاح عمليات التغيير.

أما المشروع فلا يتم بهذه السرعة والتلقائية. فهو على عكس، الحالة الثورية، ليس نتيجة طبيعية للتفاعل العفوي بين مكونات المجتمع، بل هو فعل مقصود مخطط، وعمل دؤوب في إعداد الرؤى وبناء الأدوات. وكلما اشتد عود المشروع أمكن التنبؤ بنتيجة الحالة الثورية، هل ستنجح أم تُجهض، هل ستصب في صالح المجتمع أم سيختطفها آخرون.

فالحالة الثورية مادة خصبة للاختطاف بحكم طبيعتها العفوية، وبحكم رغبة عامة المشاركين في إنجازها سريعًا، نظرًا للميل الفطري للاستقرار. لذلك إن وجدت حالة ثورية بلا مشروع يمتلك أدوات تصبح فريسة لمن يختطفها، قد يختطفها النظام نفسه لإجراء تعديلات شكلية، أو لإزاحة خصوم أو أفراد ومجموعات من معسكره يريد التخلص منهم. فلا يرى أفضل من حالة ثورية شعبية يعيد من خلالها ترتيب صفوفه، وقد يمهد هو الطريق لإشعال هذه الحالة.

وقد يختطف الحالة أي كيان يتمتع بالجاهزية، ولديه الإمكانية لتوجيه الدفة إلى الوجهة التي يريد، وتكون الكارثة إن كان هذا الكيان يحمل أفكار إكراه المجتمع وقسره على رؤيته. وقد تختطف الحالة أطراف خارجية تمتلك المشروع والأدوات، فتذهب بالحالة الثورية إلى حيث تريد هي. وقد يغتنم الحالة مشروع ثوري، يؤمن بتحرير المجتمع من كل سلطة تقوم على الإكراه والقسر، يخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.

من علامات صحة المجتمع المقاوم انشغاله بالمشروع الثوري عن الحالة الثورية، والوعي بدور كل منهما في إحداث التغيير

إن من علامات صحة المجتمع المقاوم انشغاله بالمشروع الثوري عن الحالة الثورية، والوعي بدور كل منهما في إحداث التغيير، فلا غنى للمشروع عن الحالة، لكن الحالة وحدها لا تحقق المشروع، والمشروع وحده لا ينجز التغيير. يمكن أن تستشف مدى وعي المجتمع المقاوم من خلال تتبع الأحاديث الدائرة، هل تدور حول العودة للميادين واستعادة الحالة، أم تتحدث عن ضمانات عدم اختطاف الحالة إن وجدت؟! هل يعي المهتمون بالتغيير حدود الاستفادة من حالة ثورية لا تمتلك مشروعًا؟ مثل الإطاحة برموز غير مقبولة، وتوفير مناخ من الحريات يسمح بتأسيس مشروع جديد، أم يبالغون في التوقعات مثل تمني "إسقاط النظام"؟ 

إن الحديث المستمر عن الحالة الثورية، وتجاهل المشروع واحتياجاته أشبه بعملية "تسمين الثورة"، حيث يراد تكبيرها سريعًا في زمن قياسي. ربما لأن الحديث عن المشروع وأدواته مزعج للبعض، فهو طريق لا يعرف "الفهلوة"، وإنما هو طريق بناء الأدوات الإعلامية، والكيانات الفكرية، وابتكار استراتيجيات ووسائل للتعامل مع القمع، وكسب الرأي العام، وصياغة مشروع لا ينطلق من الكيد للماضي بل الشوق للمستقبل.

لكنها أمور تبدو شاقة.. لماذا لا نلجأ للحل السريع؟ خاصة أنه أمر ممكن الحدوث ومجرب. ولا يتطلب أكثر من الجلوس في البيت انتظارًا لفرصة حالة ثورية يشتعل فيها الأمل من جديد. فننزل مجموعات في مشروع تسمين الحالة الثورية.

بالفعل هذا العمل مجرب، ومن دروس التجربة أيضًا أن تسمين الثورة يعني إعدادها وتجهيزها لتقديمها وجبة لذيذة لخصومها.

اقرأ/ي أيضًا:

هل الربيع العربي من جلب الخراب؟

شباب ما بعد الربيع العربي